المشهد «الإسرائيلي» الداخلي: «الخراب» قادم سريعاً

يتهم الإسرائيليون نتنياهو بأنه كان مستفيداً من الانقسام الفلسطيني، وأنه “أراد استخدام حماس” كذريعة لتقويض حكم السلطة الفلسطينية، وعدم الاعتراف بأي حقوق للفلسطينيين في دولة.

ما زال الإسرائيليون يحاولون الخروج من صدمة ما حصل في 7 تشرين الأول/أكتوبر، والاختراق الأمني الكبير الذي لم يكن أحد في “إسرائيل” أو في العالم يتوقّع حصوله، وحيث كانت جميع التحذيرات تتأتى من الأخطار الداخلية، حيث نبّه الرئيس الإسرائيلي من خطورة الانقسامات على بقاء “إسرائيل”، من دون أن يتخوّف أحد من الخطر القادم من غزة.

 

قبل عملية طوفان الأقصى، ولسنوات عديدة، استمرّ الإسرائيليون من قيادة عسكرية وسياسية، بتهديد كلّ من إيران ولبنان، واستمر نتنياهو يعرض صوراً في الأمم المتحدة والمحافل الدولية ويطلق تهديدات بقصف إيران وبتحرّك إسرائيلي منفرد، في حال لم تتحرّك الولايات المتحدة الأميركية للقضاء على برنامج إيران النووي، متناسين أن قدرة الفلسطينيين على تحمّل الظلم والجور، ستنتهي في يوم من الأيام.

 

سقوط وهم فائض القوة العسكرية

لفترة طويلة، استمر شعور الإسرائيليين على الصعيدين السياسي والعسكري بوهم فائض القوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية، حيث أن التقييمات العالمية أعطت “إسرائيل” تفوّقاً واضحاً على جيرانها، وعلى معظم دول العالم الثالث، إضافة إلى وهم قوة الردع وصورة “الجيش الذي لا يقهر” والتي استمرت راسخة في أذهان الإسرائيليين بالرغم من تجارب حرب لبنان وغزة المتعدّدة.

 

خلطت عملية “طوفان الأقصى” الأوراق في “إسرائيل”، وقارن بعض الإسرائيليين الإخفاق الإسرائيلي بـ “حرب أكتوبر” عام 1973، معتبرين أنها “خسارة” يمكن تخطّيها كما حصل في السابق، إلا أن الخبراء الإسرائيليين قلّلوا من واقعية هذه المقارنة معتبرين الإخفاق في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، أكبر بكثير من الهزيمة عام 1973.

 

ويذكر العديد من الخبراء العسكريين، أن الجيش الإسرائيلي خسر الحرب عام 1973، لكنه كان في جاهزية عالية ومستوى عالٍ، بينما الأحداث الحالية أكدت وجود “فشل عسكري واستخباري وسياسي كبير” في “إسرائيل”. ويشير الأستاذ في العلاقات الدولية، أوري بار يوسف والذي ألّف كتاباً عن حرب أكتوبر، في مقال له في هآرتس، إلى أن “الإخفاق عام 1973 كان إخفاقاً فرديّاً لبعض المسؤولين السياسيين والعسكريين، في حين أن الإخفاق في أكتوبر 2023 كان إخفاقاً مؤسساتيّاً أصاب المؤسسة العسكرية والسياسية برمّتها”.

 

وفي حوار مع مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق، إيال هولاتا، خلال ندوة في واشنطن، يقول هولاتا “لقد تمكّنوا من خداع مجموعتنا وتحليلاتنا واستنتاجاتنا وفهمنا الاستراتيجي” وأضاف: “لا أعتقد أنّ أيّ شخص كان منخرطاً في شؤون غزة لا ينبغي أن يسأل نفسه كيف وأين موقعه أيضاً من هذا الفشل الذريع”.

 

المشهد السياسي والمجتمعي: الانقسام العمودي

في مقال لشعبة التخطيط الاستراتيجي في هيئة الأركان، اللواء يعقوب بنغو، نشرته مجلة “الجيش” في كانون الثاني/يناير عام 2023، حذّر بنغو من مخاطر انهيار التماسك المجتمعي على الأمن القومي وعلى صورة “إسرائيل” في عيون أعدائها.

 

ويذكر بنغو “أن من بين العناصر الهامة التي ساعدت “إسرائيل” على تنفيذ استراتيجيتها في العقود الأولى من وجودها، هو تماسك المجتمع ومناعته واستعداده لتحمّل العبء المطلوب لصالح الردّ الأمني، بما في ذلك الاستعداد للخدمة في الجيش وارتفاع تكاليف الأمن، والاستعداد لمنح المنظومة الأمنية وزناً كبيراً في عملية صناعة القرارات في قضايا الأمن القومي”، معتبراً أن التحدّي الذي تُواجهه “إسرائيل” يكمن في “كيفية المحافظة على هذا الاتّجاه بمرور الوقت”.

 

تاريخياً، ومَن يدرس المجتمع الإسرائيلي خلال الحروب المتعددة التي خاضتها “إسرائيل” ضد العرب، يجد أن التلاحم والتكاتف يكون على أشدّه في “إسرائيل” خلال تلك الأزمات، وأن الإسرائيليين، دائماً، كانوا يؤجّلون المطالبات بالاستقالة والمحاسبة لما بعد الحرب.

 

اليوم، تبدو “إسرائيل” مختلفة كلياً، حيث تخرج المظاهرات المطالبة باستقالة نتنياهو وحكومته، وبتحمّل المسؤولية، وتشكّك في كفاءة مجلس الحرب الوزاري، وتطالب بإعادة المختطفين والأسرى من غزة. كما تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي مشاعر الغضب الإسرائيلية من الإخفاق الحكومي، ويتهمون أطرفاً في الداخل الإسرائيلي بالتواطؤ. وكان البعض نشر صورة ابن نتنياهو على شواطئ ميامي، متسائلين لماذا لا يتم استدعاؤه كما تم استدعاء الشباب من الاحتياط من جميع أنحاء العالم للمشاركة في الحرب.

 

ويتهم الإسرائيليون نتنياهو بأنه كان مستفيداً من الانقسام الفلسطيني، وأنه “أراد استخدام حماس” كذريعة لتقويض حكم السلطة الفلسطينية، وعدم الاعتراف بأي حقوق للفلسطينيين في دولة، ولتوسيع المستوطنات، وقطع التواصل بين الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة.

 

وفي محاولة للهروب إلى الأمام، حاول نتنياهو التنصّل من المسؤولية وإلقاء اللوم على القادة الأمنيين، حيث كتب تغريدة بهذا الشأن، ثم تراجع فمحاها واعتذر، بعد موجة الغضب والانتقادات التي طالته.

 

لا شكّ، أن مستقبل نتنياهو السياسي، الذي قوّض المؤسسات السياسية والقضائية للمحافظة عليه، قد انتهى. لكن، وبالنظر إلى تاريخ نتنياهو في محاولة الإفلات من المساءلة، مهما كانت الأثمان والنتائج على المؤسسات الإسرائيلية، من المتوقّع أن تشهد “إسرائيل” بعد هذه الحرب، انقسامات كبرى، ستعمّقها نرجسية نتنياهو وتمسّكه بالسلطة، وقد يكون السلاح الذي يوزّعه بن غفير على المستوطنين، ودعوة نتنياهو للإسرائيليين لحمل السلاح، وصفة حقيقية لحرب أهلية إسرائيلية ستبدأ حالما تهدأ المعارك على قطاع غزة.

 

 

عن علي محمد

مدير التحرير

شاهد أيضاً

بشأن المنظور الأميركي لـ«دمج الكيان الصهيوني في المنطقة»

 (مجلة فتح العدد – 764) تبدو الولايات المتحدة منشغلة بالعمل على إقناع كلّ الأطراف المعنية …

آخر الأخبار