تاريخ “إسرائيل” الدموي: عقيدة بدأها بن غوريون واستكملها نتنياهو

ترجم نتنياهو أفكاره خلال الحروب التي شنها جيشه على الفلسطينيين، ومن خلال المجازر التي ارتكبها طوال سنوات حكمه الطويلة، والتي بلغت ذروتها في الحرب الحالية.

بثينة عليق

لا تخلو المواكبة الإعلامية للحرب الإسرائيلية على غزة من محاولات تبرير ما ترتكبه “إسرائيل” باعتباره رد فعل على عملية “طوفان الأقصى” النوعية والبطولية. ظهرت هذه المحاولات في الإعلام الغربي، وكذلك في بعض الإعلام العربي.

 

يتناسى هؤلاء تاريخ “إسرائيل” الإجرامي الذي يضج ويزدحم بالمجازر والإبادات والتهجير والترحيل، ويعفون أنفسهم من الحد الأدنى من الاطلاع المطلوب للخوض في هذه القضية، إذ يتبين لكل متابع، ومن دون أدنى مجال للشك، أن هذا السلوك الإجرامي هو عملية ممنهجة ومنظمة لجأ إليها المحتلون قادةً وجنوداً، فرادى وجماعات، سياسيين وعسكريين، منذ ما قبل قيام هذا الكيان.

 

هذا السلوك، وخصوصاً في شقه الانتقامي، ليس رد فعل عند العدو فحسب، بل “هو أيضاً ترجمة لمبدأ الردع الذي استخدمته إسرائيل لترويع الأهالي وتدمير القرى”. هذا تحديداً ما ورد في كتاب لميرون بنفيستي بعنوان “المكان المقدس.. التاريخ المطمور للأرض المقدسة منذ العام 1948”.

 

الكاتب واحد ممن يعرفون بالمؤرخين الجدد في “إسرائيل”، الذين أعادوا النظر في السردية الإسرائيلية تجاه ما جرى على أرض فلسطين، وأعادوا في الوقت نفسه الاعتبار للرواية الفلسطينية إلى حد ما.

 

يتحدث الكاتب عن الكثير من التفاصيل المتعلقة بالجرائم والفظائع التي ارتكبتها عصابات الصهاينة، والتي انتهت إلى إفراغ 530 مدينة وقرية فلسطينية من سكانها عام 1948.

 

يروي الكاتب الكثير من الأحداث التي أنكرها العدو من خلال التحايل والكذب والتزوير وطمس الحقائق، لأن من المريح للمحتل العيش في حالة من فقدان الذاكرة الجماعي وتجاهل وجود الضحية، ومن أبرزها ما عرف بالخطة “دالت” التي وضعها بن غوريون قبل 4 سنوات من قيام الكيان، والتي تقضي بتدمير القرى وطرد السكان والقضاء على أي مقاومة مسلحة وإزالة كل الآثار الإنسانية والعمرانية وتحويل الأماكن الفلسطينية إلى أرض محروقة خالية من أي معالم حياة والإبقاء على قوات في القرى المحتلة لمنع عودة أهلها.

 

أصدر بن غوريون أوامره مطلع نيسان/أبريل 1948 لعصابات قوامها 65000 جندي صهيوني شارك معظمهم في الحرب العالمية الثانية لتنفيذ خطته التي توجت عملياتها بمجزرة دير ياسين.

 

ويتضمن الكتاب تفاصيل جرائم القتل في هذه البلدة وما تبعها عندما عرض الناجون من المذبحة في شاحنات تطوف شوارع القدس الغربية ليتفرج عليهم اليهود ويشتموهم ويبصقوا عليهم، ويذكر الكاتب أيضاً كيف هجّر رابين أهالي الرملة واللد بعد احتلالهما: “خرجت قافلة من ستين ألف فلسطيني، ومن كان يتوقف لشرب الماء، كان يطلق عليه الرصاص”.

 

يتحدَّث بنفنستي عن مجازر صفد وعين الزيتونة والقرى المحيطة بطبريا ومرج ابن عامر والجليل الغربي وأم خالد وزمارين وأم زريق وقيسارية وزرنوفة. لم يفرق المهاجمون الصهاينة بين من حاربهم ومن استسلم لهم، حتى الذين كانت بينهم علاقات جيرة جيدة أو عقدوا معهم اتفاقية بالمسالمة.

 

أما مجزرة الطنطورة التي عادت إلى الضوء عام 1999 عندما أنتج حولها فيلم وثائقي أعدّه الباحث الإسرائيلي تيدي كاس، فقد ذكر الكتاب أنها قاومت حتى الصباح، وأن الصهاينة راحوا يجمعون النساء والأطفال ليشاهدوا جثث أهلهم، ثم أخذوا الشباب وقتلوهم في مجموعات كل مجموعة من 40 شخصاً حتى بلغ عدد الشهداء أكثر من 200.

 

ولا تغيب أبشع مذبحة في تاريخ فلسطين في قرية الدوايمة عن صفحات الكتاب، فقد وصل عدد ضحاياها إلى 500 قتلوا بالرصاص والإحراق في المسجد، فيما قُتل الأطفال بالضرب على رؤوسهم بالشواكيش.

 

وبعد تنفيذ المجازر، انتقل الصهاينة إلى السيطرة على الأراضي ومصادرتها من خلال إصدار سلسلة قوانين مترافقة مع إزالة الآثار المعنوية والمادية لكل مظاهر الحياة التي عاشها ضحاياهم.

 

ينقل الكاتب عن بن غوريون قوله لقادة الصندوق القومي اليهودي الذي يستولي على الأراضي: “الحرب ستعطينا الأرض. انسوا مقولة هذه لنا وهذه ليست لنا. في الحرب، تسقط كل هذه المعاني، وفي النقب لن نشتري أرضاً. سنحتلها”. كل هذا شكّل، بحسب الكاتب، “بداية نشوء مبدأ الردع”.

 

ويوضح بنفنيستي أن الأمر ليس نتيجة عارضة للصراع، إنما هو ترجمة لمبادئ جوهرية في العقيدة الصهيونية التي كانت تقوم، وما زالت، على أساس الاستيلاء على الأرض وقتل السكان أو طردهم أو التخلص منهم بأي طريقة.

 

ويضيف: “النظرية الصهيونية تقوم على أن إسرائيل ترى أنه يجب ألا تتاح للعرب فرصة الاستفادة من المميزات أو تقوية روحهم المعنوية. لذلك، تضرب إسرائيل أماكن صغيرة بقوة كبيرة في وقت ومكان تختاره لتعطي المثل على قوتها التي لا تقهر”.

 

ويصل في سرده وتحليله وتفسيره إلى حد الاعتراف والتسليم بأن طرد الفلسطينيين وقتلهم شكل “عملية تطهير عرقي منظمة”.

 

طبعاً، لم تتوقف عمليات الإبادة والتطهير العرقي طوال سنوات عمر هذا الكيان. ومن أكثر الصهاينة تعبيراً عن الروح الصهيونية المجرمة كان أرييل شارون.

 

يكتب يوسف القعيد في مقالة له بعنوان “أنا أكذب أنا أكره أنا أقتل إذن أنا شارون” عن الكثير من ارتكابات رئيس الوزراء الإسرائيلي الشهير الذي طالب له الروائي غابريال غارسيا ماركيز بجائزة نوبل في القتل، ومما جاء في مقاله: “انتهك شارون حرمة الأقصى، وضرب كنيسة المهد بالطائرات وهدم المساجد. ترك الجرحى في الشوارع حتى وفاتهم. وضع جثث شهداء فلسطين على مدافع الدبابات التي دارت بهم في شوارع قراهم”.

 

وتابع: “ما إن احتل جنوده رام الله حتى أوقفوا البث الفلسطيني من تلفزيون فلسطين، ووضعوا بدلاً منه مواد جنسية فاضحة. ضخّ مياهاً ملوثة في مقر عرفات، ولم يسمح سوى بعشرين زجاجة في اليوم لكل المحاصرين، وحبة بطاطا واحدة في اليوم لكل فرد. في جنين، أعلن جنوده وقف إطلاق النار. وما إن خرجت النساء حتى استخدمهن دروعاً بشرية فوق مقدمات الدبابات. وبهذه الدناءة، تمكّن من اقتحام المخيم. وفي نابلس القديمة، سمح جيشه لسيارات الإسعاف بالدخول لنقل الجرحى. وما إن دخلت حتى استخدمت كسواتر للضرب من ورائها”.

 

عكس شارون من خلال سلوكه الأجندة الحقيقية للكيان، ولم يكن الأخير في هذه المهمة. نتنياهو يشكل بدوره وجهاً صارخاً ووقحاً للفكر الصهيوني. في كتابه “مكان تحت الشمس”، يظهر رئيس الحكومة الإسرائيلية عنصريته وفوقيته وعدم تردده في تزوير الحقائق التاريخية، ويعتبر أن الأمن القومي الإسرائيلي يقوم على الردع، وليس على المعاهدات والتسويات، وأن “سلام الردع هو الشكل الوحيد للسلام المتاح أمام العرب والفلسطينين” الذين عليهم أن يقبلوا باستمرار الاحتلال الإسرائيلي للقدس والضفة والجولان وعدم عودة اللاجئين الفلسطينيين وضمان استمرار ما يسميه نتنياهو التفوق العسكري والتكنولوجي الإسرائيلي على العرب.

 

ترجم نتنياهو أفكاره خلال الحروب التي شنّها جيشه على الفلسطينيين، ومن خلال المجازر التي ارتكبها طوال سنوات حكمه الطويلة، والتي بلغت ذروتها في الحرب الحالية، إلا أن هذه الحرب تستبطن متغيراً كبيراً عما جرى منذ ما قبل العام 1948. تعلم الفلسطينيون من التجربة المريرة والقاسية.

 

لقد أصبحوا بعد 75 عاماً أكثر قدرة على إيلام المحتل وإلحاق الأذى به. عملية “طوفان الأقصى” هي خلاصة تجربة الشعب الفلسطيني وتغريبته. أما انتقام العدو، فلن يجدي نفعاً. وقد فقد قدرته على الردع، ما أدخله في مسار تنازلي. وكما قال نتنياهو في كتابه: “هزيمة إسرائيل مرة واحدة تعني نهايتها إلى الأبد”، و”إسرائيل” هُزمت في عملية “طوفان الأقصى”

عن علي محمد

مدير التحرير

شاهد أيضاً

أبو عبيدة.. أيقونة القسام وباعث الأمل في الأمة

عائد عميرة يطلّ على الأمة الإسلامية والعالم أجمع، بين الفينة والأخرى، ملثمًا يغطي وجهه بكوفية …

آخر الأخبار