في ذكرى رحيله… أفريقيا في فكر جمال عبد الناصر

ثابت العمور

عندما تعصف المتغيرات بالدول والشعوب، تستدعي ذاكرتها الزعماء الذين مروا وعبروا وتركوا بصماتهم، والرئيس جمال عبد الناصر الذي تمر الذكرى 53 لرحيله واحد من أهم الرؤساء العرب الذين ما زالت ذكراهم حاضرة وعالقة في وجدان الشعوب العربية والأفريقية.

 

وقد كان أول من تنبه من الرؤساء العرب إلى أهمية القارة الأفريقية على نحو عام وضرورة التعاون معها على وجه الخصوص، وأشار، وفي وقت مبكر، إلى ضرورة الانفتاح على القارة الأفريقية وتفعيل العلاقة معها فيما كانت بلدان القارة بمعظمها ترزح تحت نير الاستعمار الأوروبي.

 

حدد الرئيس جمال عبد الناصر محددات فكره وممارساته تجاه القارة الأفريقية باعتبارها الدائرة الثانية في سياساته الخارجية في كتابه “فلسفة الثورة”، قائلاً: “إننا لن نستطيع في حال من الأحوال، حتى لو أردنا، أن نقف بمعزل عن الصراع الدامي المخيف الذي يدور اليوم في أعماق أفريقيا بين 5 ملايين من البيض و200 مليون من الأفريقيين.

 

لا نستطيع لسبب هام وبديهي، هو أننا في أفريقيا. ولسوف تظل شعوب القارة تتطلع إلينا، نحن الذين نحرس الباب الشمالي للقارة، والذين نُعدّ صلتها بالعالم الخارجي كله. ولن نستطيع في حال من الأحوال أن نتخلى عن مسؤوليتنا في المعاونة بكل ما نستطيع على نشر الوعي والحضارة حتى أعماق الغابة العذراء”.

 

تفرد فكر عبد الناصر بالإدراك المبكر لأهمية القارة الأفريقية، بالنسبة إلى مصر والمنطقة العربية، وذهب في هذا الإدراك إلى خطوات عملية، إذ يحسب لعبد الناصر الملقب بـ “أبو أفريقيا” أنه تبنى تقديم الدعم المادي والعسكري والسياسي لحركات التحرر الوطني في القارة الأفريقية والمساهمة في دعم استقلال 34 دولة أفريقية ما بين العامين 1952-1967، إلى جانب توثيق علاقاته الشخصية مع قادة وزعماء حركات التحرر الوطني الأفريقي، بل إنه ليس من المبالغة القول بأن عبد الناصر هو عراب العلاقات العربية- الأفريقية، وهو أول من فكر وتحرك ودشن جسور هذه العلاقات.

 

وكان دليله في ذلك قوله: “نحن جميعاً في القارب نفسه، نواجه التحدي الحقيقي لمطالب الحرية والحياة”. وقد قالها في أول قمة عربية-أفريقية، بجامعة الدول العربية، أمام أكثر من 30 ملكاً ورئيساً وزعيماً أفريقياً، استطاع عبد الناصر أن يجمعهم كلهم تحت سقف قاعة الاجتماعات الكبرى بجامعة الدول. ومنذ رحيله قبل 53 عاماً والعلاقات العربية -الأفريقية تتهاوى.

 

في الذكرى 53 لرحيله وعلى وقع انفراد إثيوبيا واستفرادها بملء سد النهضة، نستذكر ما فعله عبد الناصر في 25 أيار/مايو 1963، خلال القمة الأفريقية في العاصمة الإثيوبية، ومقترح مشروعه للوحدة الأفريقية لإنشاء الجامعة الأفريقية على غرار الجامعة العربية، لتكون الإطار القاري لوحدة أفريقيا، وإصراره أن يكون مقر منظمة الوحدة الأفريقية بأديس أبابا، رغم اعتراض عدد من الرؤساء الأفارقة على ذلك آنذاك.

 

يذكر الأستاذ محمد حسنين هيكل في كتابه “سنوات الغليان”، أنه خلال المؤتمر الأول لمنظمة الوحدة الأفريقية في 18 تموز/يوليو 1964، وعقب إصرار عبد الناصر على أن تكون أديس أبابا مقراً لمنظمة الوحدة الأفريقية، عاتبه الزعيم الغاني، كوامي نكروما، متسائلاً: “لماذا أديس أبابا وليست أكرا”، وبعد مناقشات اقتنع الأخير وتفهم رغبة عبد الناصر، الذي كان دافعه الاعتراف والعرفان بدور هيلاسيلاسي آخر أباطرة إثيوبيا في دعم حركات التحرر الوطني؛ ليُسجل تاريخياً أن اختيار أديس أبابا لتكون مقراً لمنظمة الوحدة الأفريقية كان قرار عبد الناصر الذي تولى رئاسة منظمة الوحدة الأفريقية في تلك الدورة قبل أن تتحول إلى الاتحاد الأفريقي.

 

مواضيع متعلقة

 

أفريقيا: حلف دول الساحل ومعالم هندسة أمنية إقليمية جديدة

2 تشرين اول 23:22

 

 

السودان في “لعبة الأمم”… انقسام وتقاسم وتقسيم

29 أيلول 21:59

 

لم يكتف عبد الناصر بمأسسة العلاقات الأفريقية، بل ذهب إلى تحويل القاهرة إلى مركز مناهض للاستعمار الغربي في القارة الأفريقية وملجأ ومقر للأنشطة الأفريقية، وفتح الجامعات المصرية لاستقبال مئات الطلاب الأفارقة الوافدين، وحوّل إذاعة القاهرة إلى منبر للقوى والأحزاب والحركات الأفريقية التي تنادي بالاستقلال والتحرر. وكان مقر الجمعية الأفريقية في الزمالك بالقاهرة بمنزلة حضانة لتفريخ القيادات الأفريقية.

 

بالإضافة إلى فتح موجات إذاعية موجهة للقارة الأفريقية تبث باللهجات الأفريقية المحلية لتوعية المواطن الأفريقي بخطورة السياسات الاستعمارية، ووصل بث هذه الإذاعات إلى كينيا وشرق أفريقيا، لتصبح القاهرة أول عاصمة في العالم تتحدث باسم الثورة الأفريقية ضد الاستعمار.

 

لم تكن زعامة عبد الناصر أفريقياً أٌقل من زعامته عربياً، وقد لقب بـ “مفجر الثورة الأفريقية”، يوثق هذا التفرد وتلك الكاريزما، إبراهيم جلال في كتابه “الوحدة الأفريقية في فكر عبد الناصر”، قائلاً: “عبد الناصر زرع في كل أفريقي الإحساس بالعزة والكرامة”، ويحسب له إدراكه بأن ما يوحد الأفارقة هو مكافحة الاستعمار ومناهضة التفرقة العنصرية، ووعيه بأن المعركة ضد الاستعمار هي معركة ممتدة لا تتوقف عند الجغرافيا المصرية.

 

كانت عبقرية الرئيس عبد الناصر تجاه أفريقيا في الانتباه مبكراً لخطر تمدد الحركة الصهيونية، لذلك عدّ الصراع مع الاستعمار في القارة الأفريقية امتداداً للصراع العربي-الإسرائيلي، وأن مقاومة النشاط الإسرائيلي في أفريقيا هو في الأساس مقاومة للسيطرة الاستعمارية على هذه الدول وهو ما سمّاه بالاستعمار الجديد. وكان يرى في القارة الأفريقية ساحة مواجهة مع كيان الاحتلال الذي يمثل رأس حربة للاستعمار ويده التي يجب مواجهتها وقطعها.

 

انتبه جمال عبد الناصر لأدوات التغلغل الإسرائيلي في القارة الأفريقية، لذلك عمل على مواجهتها والتصدي لها والحضور محلها وتبنى الدعم المالي والاقتصادي للدول الأفريقية وتدريب كوادرها وجيوشها وتزويدها بالسلاح، وبكل ما تحتاجه ليقطع الطريق على كيان الاحتلال في القارة الأفريقية، وقد نجح بالفعل في مواجهة كيان الاحتلال وتحييده ومنع تمدده في أفريقيا.

 

لم تفلح “إسرائيل” ولم تنجح في اختراق القارة السمراء إلا عندما أسقط العرب أفريقيا من دائرة اهتمامهم وقدموا دوائر أخرى على الدائرة الأفريقية. فتقدم كيان الاحتلال لملء الفراغ الذي تركه رحيل عبد الناصر. كان عبد الناصر متبنياً للقومية العربية من دون تعارض مع بناء علاقات أفريقية متكاملة متوافقة، وكان حارساً للقارة الأفريقية من التغلغل الإسرائيلي، وعن ذلك تحديداً؛ يذكر إيهود أفريل، أول سفير إسرائيلي بأفريقيا، أنه عندما تقدم بأوراق اعتماده في أكرا عاصمة غانا عام 1957 استوقفه الرئيس الغاني نكروما وطلب منه النصح والمشورة من أجل تبرير علاقته مع “إسرائيل” إذا سأله جمال عبد الناصر عن ذلك.

 

اتفقنا حول جمال عبد الناصر أو اختلفنا في الدائرة العربية، فإننا لا نمتلك عند النظر إلى الدائرة الأفريقية في فكر الرجل إلا التوقف ملياً أمام تجربته العربية الوحيدة والفريدة تجاه القارة الأفريقية.

 

كثيرة هي الكتابات والأدبيات التي تناولت فكر الرئيس جمال عبد الناصر، لكن أوثقها وأدقها وأكثرها موضوعية، ما كتبه الأستاذ أحمد بهاء الدين؛ في جريدة “الأهرام” في 27 أيلول/سبتمبر 1974، إذ يقول: “سوف يبقى كبيراً، بعد أن يختفي كل الذين هاجموه وأيّدوه، وظلمهم وأنصفهم، وعاداهم أو صادقهم، ولقد تعرض لهجمة شرسة ولمّا تمض على رحيله سنوات قليلة، هجمة لا هي بالنقد ولا بالتقييم والتحليل، لأن النقد والتقييم والتحليل أمور واجبة، لكي نعرف تاريخنا وماذا حدث فيه، وحاضرنا وماذا نفعل به، ومستقبلنا وكيف نسلك الطريق إليه”.

 

نستحضر أفريقيا في فكر عبد الناصر، ونعرج في الذكرى 53 لرحيله؛ نستذكر سيرته ومسيرته الممتدة، ونحن نرى المتغيرات التي تعصف بالمشهدين العربي المتردي في التطبيع، والأفريقي الذي لم تعد مناعته قادرة على منع التغلغل الصهيوني، لندرك ونستدرك الدور القومي عربياً والأممي أفريقيا الذي خطّه عبد الناصر، والذي برحيله تبخر حلم الوحدة العربية-الأفريقية.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز الإعلام والدراسات الفلسطينية، وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

 

 

عن علي محمد

مدير التحرير

شاهد أيضاً

اليمن تاريخ من المقاومة الظافرة

منذ استقلاله حتى اليوم، لم يسلم اليمن من مؤامرات التحالف الإمبريالي الأنغلوسكسوني، البريطاني الأميركي، الذي …

آخر الأخبار