(تقرير): الهجرة إلى «إسرائيل» تضاعفت بفعل الحرب الروسية الأوكرانية والهجرة منها تبدو ضبابية…

(تقرير):

الهجرة إلى «إسرائيل» تضاعفت بفعل الحرب الروسية الأوكرانية والهجرة منها تبدو ضبابية…

برهوم جرايسي_عن مدار المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية)

يستدل من تقرير مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي، الصادر في الأسبوع الماضي، بمناسبة رأس السنة العبرية الجديدة، أن عدد المواطنين في إسرائيل بلغ نحو 9.42 مليون نسمة، من دون القدس المحتلة، والجولان السوري المحتل، وفي تقارير أخرى يظهر أن الحرب الروسية الأوكرانية ضاعفت المعدل السنوي للهجرة إلى إسرائيل بنحو 250%، مقارنة بمعدل السنوات الأخيرة، أما الهجرة من إسرائيل فتبقى ضبابية، وينتقد خبيران إسرائيليان طريقة احتساب الهجرة من إسرائيل، ويقولان إنها أكبر مما ينشر؛ وفي سياق العامل الديمغرافي، تتحدث تقارير إسرائيلية مجددا عن أن مخطط تهويد شمال البلاد يشهد أزمة بسبب هجرة الأجيال الشابة اليهودية نحو مركز البلاد، في حين أن أعداد العرب تتزايد في مدن يهودية أقيمت لتعزيز مخطط التهويد.

عدد السكان

بحسب التقرير الرسمي، الصادر عن مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي في نهاية الأسبوع الماضي، فإن عدد السكان في إسرائيل يبلغ في هذه الأيام، 9 ملايين و795 ألف نسمة، وهذا يشمل فلسطينيي القدس المحتلة، والسوريين في مرتفعات الجولان السوري المحتل. وحسب ذات الإحصائيات، فإن نسبة اليهود المعترف بيهوديتهم 73%، بينما نسبة العرب مع القدس والجولان 21.1%، ونسبة “الآخرين” 6% وغالبية هؤلاء يهود غير معترف بيهوديتهم، وفي الدرجة الثانية مسيحيون أجانب لهم ارتباطات بعائلات يهودية، وأشخاص لا يعرّفون أنفسهم دينيا، وحتى قبل 4 أعوام، كانت نسبة “الآخرين” شبه ثابتة في حدود 4% أو 4.5%، لكن هذه الزيادة في النسبة يبدو أنها ناجمة عن تزايد الهجرة، التي سنأتي عليها هنا.

وبحسب حسابات أجريناها، استنادا لتقارير سابقة صادرة عن مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي، فإن عدد مواطني القدس الفلسطينيين بشطريها هو نحو 390 ألف، لكن حسب التقديرات، فإن لا أقل من 35 ألفا منهم يحملون الجنسية الإسرائيلية، غالبيتهم من القدس الشرقية المحتلة، ممن طلبوا الجنسية وحصلوا عليها، وفق تقارير سابقة، والباقي هم مواطنو قرية بيت صفافا التي باتت جزءا من المدينة، وأيضا من فلسطينيي الداخل الذين انتقلوا للعيش في القدس خاصة من قرى فلسطينية مجاورة.

أما في مرتفعات الجولان السوري المحتلة، فإن عدد السوريين بات يقارب 29 ألف نسمة، لكن المتغير اللافت في الجولان المحتل هو التزايد الكبير في أعداد من باتوا يحملون الجنسية الإسرائيلية، في القرى العربية الدرزية الأربع، إذ أن القرية الخامسة وهي الغجر كل مواطنيها- نحو 2900 نسمة- يحملون الجنسية الإسرائيلية. وحسب التقديرات، واستنادا لفحصنا لأعداد ذوي حق الاقتراع في الانتخابات الأخيرة، فإنه من أصل قرابة 29 ألف نسمة، فإن نحو 9 آلاف منهم يحملون الجنسية الإسرائيلية. ونشير إلى أن عدد ذوي حق الاقتراع في القرى العربية الدرزية الأربع في الجولان، ارتفع بين انتخابات آذار 2020 وانتخابات تشرين الثاني 2022 بنسبة 40%

استنادا لما سبق، فإن عدد المواطنين في إسرائيل، من دون المحافظين على هويتهم في القدس والجولان، يبلغ حاليا 9 ملايين 420 ألف نسمة، من بينهم مليون و690 ألف عربي، بضمنهم من يحملون الجنسية في القدس والجولان، وهم يشكلون نسبة 18%، وهي نسبة ثابتة في السنوات الثلاث الأخيرة، كما يبدو بسبب تزايد الهجرة ما يلجم نسبة العرب.

وبلغت نسبة التكاثر 2% بما يشمل الهجرة، التي شكلت 36% من الزيادة العددية في إسرائيل، إذ ولد في الأشهر الـ 12 الماضية 172 ألف شخص، وتوفي 48 ألف شخص، وهاجر إلى إسرائيل نحو 66 ألف شخص، وعاد اليها بعد غياب نحو 5 آلاف شخص. ما يعني أنه من دون الهجرة كانت نسبة الزيادة دون 1.5%

الحرب الروسية الأوكرانية ضاعفت الهجرة

حسب احصائيات مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي، في العام 2022 وحده، هاجر إلى إسرائيل 74714 شخصا ممن يحق لهم وفق القانون الإسرائيلي الجائر، الهجرة إلى البلاد. وفي الأشهر الستة الأولى من العام الجاري، هاجر إلى إسرائيل نحو 34 ألف شخص.

إلا أن 86% من هؤلاء هاجروا من دول روسيا وأوكرانيا وبيلاروسيا، بفعل الحرب الدائرة هناك، ما يعني أن تلك الحرب ضاعفت الهجرة إلى إسرائيل بنحو 250%، مقارنة بمعدل الهجرة إلى إسرائيل في الأعوام الأخيرة، وتبين أن 61% وصلوا من روسيا، و20% وصلوا من أوكرانيا، و3% من بيلاروسيا، ونحو 2% من جمهوريات مجاورة أخرى. كما أن 4% من إجمالي المهاجرين وصلوا من الولايات المتحدة، و3% من فرنسا.

وخلافا لتقديرات العام الماضي، التي كانت تقول إنه ليس واضحا مدى بقاء هؤلاء المهاجرين في إسرائيل، واحتمال عودة نسبة عالية منهم بعد انتهاء الحرب، فإنه مع استمرار الحرب، وتردي الأوضاع الأمنية والاقتصادية، ودون أفق لوقف تلك الحرب، بات من الممكن التقدير بأن نسبة من سيعودون إلى وطنهم الأم تتراجع.

وأيضا حسب تقرير مكتب الإحصاء الإسرائيلي، فإن معدل أعمار المهاجرين قارب 36 عاما، مقارنة بمعدل 30 عاما في العام 2021. كما أن 52% من المهاجرين هن نساء. وترتفع نسبة النساء إلى ما يزيد عن 60% لدى المهاجرين من أوكرانيا.

وتبين أن أكثر من 44% من المهاجرين سكنوا في منطقة تل أبيب الكبرى، وما يقارب 16% في منطقة حيفا، وفي شمال البلاد ما يزيد بقليل عن 14%، فيما سكن 12.6% في منطقة الجنوب، و11.4% في القدس، وحسب التقدير فإن غالبيتهم الساحقة سكنت في الأحياء الاستيطانية الشرقية، حيث وتيرة البناء الأكبر. أما في داخل الضفة الغربية، فقد استوطن 1.8% (أقل من 2%)، وحسب تقارير سابقة، فإن هؤلاء بغالبيتهم العظمى هم من أتباع التيار الديني الصهيوني، خاصة من الولايات المتحدة.

وماذا عن الهجرة من إسرائيل؟

عادت مسألة الهجرة من إسرائيل تطفو على السطح في الأشهر الأخيرة، في ظل مسعى الحكومة الحالية لتقويض جهاز القضاء، وانعكاسات هذا على الحياة العامة وعلى الأوضاع الاقتصادية. وكثرت التقارير الصحافية التي تحدثت عن ارتفاع في أعداد المهاجرين من إسرائيل. وفي نهاية شهر تموز الماضي، نشر معهد كميل فوكس نتائج استطلاع قال 28% من المستطلعين فيه إنهم يفكرون بإمكانية الهجرة، فيما قال 8% إنهم لا يعرفون كيف يجيبون، وقال 64% إنهم لا يفكرون بالهجرة.

ويشار إلى أن إحصائيات الهجرة من إسرائيل نادرة جدا، وتصدر مرة كل عدة أعوام، إذ بحسب التعريف الإسرائيلي الرسمي للمهاجر، هو من يغادر البلاد لمدة 365 يوما بشكل متواصل، بمعنى أن من يقيم في الخارج بشكل دائم، ويأتي للبلاد كل عام للزيارة، يسقط من تعداد المهاجرين، خاصة وأن الغالبية العظمى جدا تحتفظ بجنسيتها الإسرائيلية لأن القانون الإسرائيلي لا يفرض عليهم سحبها.

وقبل بضعة أشهر، نشر الخبيران الإسرائيليان يتسحاق ساسون وأنستاسيا غورودزييسكي، مقالا مشتركا في صحيفة “ذي ماركر” الاقتصادية، وكلاهما يعملان في المختبر الديمغرافي في جامعة تل أبيب، وساسون هو رئيس المختبر، بينما غورودزييسكي هي رئيسة طاقم أبحاث الهجرة، في الجامعة ذاتها. العنوان الأساس للمقال هو أن مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي لا ينشر احصائيات حقيقية وواقعية للهجرة من إسرائيل، وقد نشرا مقالهما في أعقاب حملة الاحتجاجات الشعبية على مخطط الحكومة لتقويض جهاز القضاء وضرب صلاحيات المحكمة العليا.

ويعترض الباحثان في مقالهما على تقديرات تقول إنه في حال كانت موجة هجرة من إسرائيل فإنها ستكون لفترات قصيرة، ويقولان إن هذه الهجرة ستتركز أساسا بالقوى المنتجة، صاحبة المؤهلات، التي قد تبقى في الخارج، في ظل ظروف عمل ومعيشة أفضل بكثير مما هي الحال في إسرائيل.

وكتبا: “إن الحكومة الإسرائيلية تنشط بشكل مباشر ضد السكان المنتجين في المجتمع الإسرائيلي، وبكثافة لم نعرفها من قبل، وبالتالي لا يمكن استخلاص استنتاجات حول المستقبل استنادا لتجارب الماضي. والمقارنة الأكثر دقة، ستكون مع الدول التي شهدت تغييرا مشابها في النظام القضائي ونظام الحكم، في الأعوام الأخيرة، وتأثير هذا التغيير على أنماط الهجرة منها. السبب الثاني هو أن بيانات الهجرة الرسمية في إسرائيل منقوصة للغاية، وفي الواقع تفتقد جزءا كبيرا من ظاهرة المغادرة. ولذلك فإن الذين يسعون إلى استخلاص استنتاجات من هذه المعطيات حول المستقبل، حساباتهم تذهب سدى”.

ويرى الباحثان أنه إذا فشلت حملة الاحتجاجات الشعبية، “فإن البديل الرئيس المتاح لهؤلاء السكان سيكون المغادرة. وهذا ما حدث بالفعل في هنغاريا، البلد الذي يماثل عدد سكانه عدد سكان إسرائيل، الذي فقد بحسب تقديرات مختلفة، ما بين 400 ألف إلى 800 ألف من مواطنيه في العقد الماضي”.

وتابعا: “إن نحو 700 ألف إسرائيلي يحملون حاليا جواز سفر أجنبيا من الولايات المتحدة أو من الاتحاد الأوروبي (هذا العدد لا يشمل جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، ودولاً أوروبية أخرى، ولا أميركا اللاتينية- المحرر)، وقد يحق لنحو مليونين آخرين الحصول على جواز سفر أجنبي. وهذا يعني أن المغادرة الفورية هي خيار حقيقي بالنسبة للكثيرين. وبالإضافة إلى ذلك، وبما أن إسرائيل بلد هجرة، فإن للعديد من الإسرائيليين روابط عائلية في الخارج، وقد تساهم هذه الروابط في تشجيع اتخاذ قرار المغادرة، لأنها ستسهل التأقلم في البلدان الجديدة. ولن تتم المغادرة في يوم واحد. لكن سيكون هناك تدفق متزايد باستمرار إلى الخارج، لعشرات الآلاف من الإسرائيليين كل عام، وخاصة الشباب والموهوبين بينهم”.

ويستنتج الخبيران الأكاديميان “أن التقدير الرسمي بوجود 600 ألف إسرائيلي يعيشون حاليا في الخارج هو تقدير أقل بعشرات بالمائة من العدد الحقيقي، والذي قد يكون وفقا للتقدير نحو 900 ألف شخص. وهذا يعني أن أحجام المغادرة (ولكن أيضا العودة) أكبر بكثير من تلك التي تنعكس في ميزان الهجرة المنشور كل عام”.

تهويد الجليل لا يحقق نتائجه المخططة

خطط تهويد منطقة الجليل شمالا حيث غالبية عربية، ومنطقة النقب جنوبا حيث نسبة العرب نحو 40%، قائمة ضمن المخططات الأولى التي وضعت بعد العام 1948، وهذا هاجس كل حكومة إسرائيلية، وعلى أساسه صودرت الغالبية الساحقة جدا من أراضي المواطنين العرب، وأقيمت المستوطنات على أنقاض القرى الفلسطينية المهجّرة، بينما المدن والبلدات العربية تعاني من حالة تفجر سكاني، وقلة أراضي البناء للسكن.

من أجل تعزيز المخطط بادر شمعون بيريس في مطلع العام 2005، في حكومة أريئيل شارون، لإقامة وزارة تحت مسمى “تطوير الجليل والنقب”، بينما الهدف هو التهويد، وكان بيريس وزيرها الأول، وعلى هذا الأساس وضعت الكثير من المخططات لتشجيع هجرة اليهود إلى منطقة الجليل خاصة، حيث 60% من السكان عرب، وأيضا منطقة الجنوب، ومن أهم المخططات عدا بناء المستوطنات، هو تطوير شبكات الطرق السريعة.

لكن على مدى الأعوام الماضية ظهرت سلسلة من التقارير التي تتحدث إما عن تناقص اليهود في الجليل، أو أن الأجيال الشابة اليهودية، بعد أن تنهي دراستها المدرسية والخدمة العسكرية، تغادر بغالبيتها الساحقة المنطقة نحو مركز البلاد، إلى منطقة تل أبيب الكبرى، حيث فرص العمل الأكبر، وذات المداخيل الأكبر، فهذه الأجيال ليست بحاجة فقط إلى مكان عمل جيد، بل هي تسعى للحياة العصرية، حياة الشباب، وفق النمط الإسرائيلي العلماني. وشق شوارع سريعة لا يساعدها في تأمين هذه الحياة في بلدات هي لا أكثر من مجرد مكان للنوم، ترتفع فيها نسبة متقدمي العمر.

في الأيام الأخيرة، نشرت صحيفة “يديعوت أحرونوت” على موقعها في الإنترنت، تقريرا تتحدث فيه عن حال 29 بلدة يهودية صغيرة، في منطقة سخنين، أو حسب التسمية الإسرائيلية “منطقة مسغاف”، من تلك التي توصف في القاموس الإسرائيلي “بلدات جماهيرية”، وهي بلدات يسري عليها قانون ما يسمى “لجان قبول”، وبموجبه فإن كل بلدة فيها حتى 700 بيت، وفق التعديل القانوني الجديد، بدلا من 400 سابقا، يحق لها إقامة لجنة قبول لفحص طالبي السكن، ورفض من هو لا يلائم الأجواء الثقافية والمجتمعية السائدة في البلدة، والهدف الأساس هو منع العرب من السكن في تلك البلدات، التي تتميز بتنظيمها ومستواها المعيشي العالي، والمساحات الشاسعة فيها، وهي أراض مصادرة من العرب.

وبحسب ذات التقرير، فإنه في العام الدراسي الذي افتتح في مطلع أيلول الجاري، تم فتح 7 صفوف أول ابتدائي، لكل هذه البلدات مجتمعة، بدلا من 9 صفوف في العام الدراسي الماضي، وغالبية الصفوف لا يصل العدد فيها إلى السقف القانوني لكل صف ابتدائي، بمعنى ما بين 25 إلى 30 تلميذا. ويقول التقرير إنه في حالات عديدة، فإن حافلات تنقل الطلاب إلى بلدات أخرى بعيدة، ويحتاج السفر والتنقل بين البلدات إلى ساعتين في كل اتجاه، وهذا مرهق للأطفال، وعليه فإن هجرة الأزواج والأجيال الشابة تتزايد من الشمال.

وحسب تقارير سابقة، فإنه حتى مدينة حيفا تشهد هجرة من الأجيال الشابة اليهودية، رغم أنها من كبرى المدن.

الحريديم لمواجهة العرب في الشمال

منذ أعوام عديدة، رأت الحكومات الإسرائيلية أن الحل لمواجهة تكاثر العرب في البلدات اليهودية، أو الفلسطينية التاريخية، التي باتت بعد العام 1948 ذات أغلبية يهودية، وتشهد تناقصا في أعداد اليهود، بفعل انخفاض معدلات الولادة، لكن بالأساس بفعل الهجرة الشبابية اليهودية الداخلية نحو مركز البلاد، وفي المقابل، تزايد تدفق العرب على تلك التجمعات السكانية، هو بناء أحياء خاصة للمتدينين المتزمتين الحريديم، بسبب تكاثرهم الطبيعي، الذي بات يقارب 4%، مقابل 2.5% لدى العرب، بما يساهم في الحفاظ على الأغلبية اليهودية، لكن من ناحية أخرى، فإن تزايد أعداد الحريديم في بلد ما، سيعزز أكثر هجرة العلمانيين اليهود منها، وتحويلها لبلدات فقر، بسبب المستوى الاقتصادي الاجتماعي العام لدى الحريديم، الذين مستوى الفقر الرسمي بينهم على مستوى الأفراد يفوق 45%.

ونعرض هنا نموذجين في منطقة الشمال، ففي العام 1956 أنشأ دافيد بن غوريون مستوطنة بمحاذاة مدينة الناصرة، كبرى مدن فلسطينيي الداخل، على حساب أراضي الناصرة والقرى المحيطة بها غربا وجنوبا، وأطلق عليها اسم “نتسيرت عيليت”، والترجمة العربية لها “الناصرة العليا”، ولاحقا تمت مصادرة أراض من قرى ليست بتواصل جغرافي معها، لتقيم عليها منطقة صناعية كبرى تكون تابعة لنتسيرت عيليت. لكن أمام حالة الاختناق السكاني التي تشهدها الناصرة وكل القرى المجاورة، بسبب ضيق مناطق النفوذ في اعقاب المصادرات، ورفض الحكومة تحرير أراضي لهذه البلدات، فقد بدأت الأجيال الشابة العربية، وأيضا العائلات الميسورة، تشتري بيوتا في “نتسيرت عيليت”، التي تم تغيير اسمها قبل ثلاث سنوات إلى “نوف هجليل” (طبيعة الجليل). وباتت نسبة العرب حاليا من إجمالي سكان “نوف هجليل” 31%، ونسبتهم من ذوي حق الاقتراع، بمعنى من 18 عاما وما فوق، ما يزيد بقليل عن 24%، دلالة على كثرة الأزواج الشابة، وما زال التدفق العربي مستمرا.

وقبل نحو عشرة أعوام، أقرت حكومة إسرائيل بناء حي خاص للحريديم، على أن ينتقل للسكن اليه 5 آلاف نسمة من الحريديم، لكن حتى الآن، وحسب إحصائيات في بلدية “نوف هجليل”، فإن عددهم حاليا 1200 شخص، رغم أن المشروع البنائي استكمل، بل وقررت الحكومة مجددا، في الآونة الأخيرة، بناء المزيد من مئات البيوت المخصصة للحريديم.

من الصعب التكهن بمدى نجاح مخطط الحكومة من حيث الحفاظ على الأغلبية اليهودية، من خلال الحريديم، لكن المفارقة هي كالتالي: مخطط الحكومة الذي وضعه بن غوريون، هو بناء مدينة صناعية عصرية متطورة مزدهرة، تجذب الأجيال الشابة اليهودية، لكن هذه الأجيال الشابة تبقى في المدينة حتى انتهاء دراستها المدرسية وخدمة الجيش، وبعد ذلك بغالبيتها الساحقة تهجر هذه المدينة التي تفقد الحياة الشبابية العصرية، بحسب نمط حياتها. والباقون من اليهود في المدينة بغالبيتهم الساحقة جدا، هم من كبار السن، ومن الشرائح الفقيرة أو الضعيفة اقتصادية.

في المقابل، فإن الغالبية العظمى من العرب، هم من ميسوري الحال وحتى الأثرياء، وأحياء البيوت الفخمة بغالبيتها العظمى جدا يسكنها العرب، ومن دون العرب لكانت “نوف هجليل” حاليا من بلدات الفقر.

ومد السكان العرب لا يقتصر على “نوف هجليل”، فبقدر أقل يتوافد العرب للسكن في مدينة كرميئيل، الجاثمة على أراضي منطقة الشاغور في الجليل الأوسط، ويبدو أن هذه الوتيرة ستتزايد، بسبب حالة التفجر السكاني في العديد من القرى العربية التي تحاصرها كرميئيل. وفي حين أن مدينة عكا يتمسك بها سكانها الفلسطينيون الأصليون، فإن مدينة حيفا ليس فقط أنها تنعم بتمسك أهلها العرب الأصليين الباقين، بل أيضا تشهد تدفقا شبابيا عربيا بشكل خاص، وهناك من يقارنها بمدينة تل أبيب التي تتدفق عليها الأجيال الشابة اليهودية، في حين أن الأجيال الشابة العربية وجهتها حيفا.

وعودة إلى حال “نوف هجليل”، إذ أن السؤال المفترض أمام أطر التخطيط الاستراتيجي الديمغرافي الإسرائيلي هو: أي مستقبل لهذه المدينة في حال باتت غالبية اليهود فيها من الحريديم؟ في الوقت الذي تتزايد فيه التقارير عن مدينة طبرية، وآخرها في الأسبوع الماضي، في صحيفة “يديعوت أحرونوت”، فهذه المدينة المنتجع الصيفي التاريخي، التي كانت تنبض بالسياحة الداخلية والعالمية، وفي مواسم الربيع والصيف تكون الحركة فيها شديدة، في الغالبية الساحقة من ساعات اليوم الـ 24، تحوّلت اليوم إلى مدينة تحت سيطرة المتدينين، بدءا من التيار الديني الصهيوني، ثم الآن تشهد تمددا كبيرا من الحريديم. ويقول تقرير الصحيفة إن هذه المدينة، الواقعة على واحدة من أجمل البحيرات، باتت مدينة شبه خالية من الحركة في أيام السبت، أي في نهايات الأسبوع، بدءا من مساء يوم الجمعة، وحتى آخر مساء أيام السبت، ومطاعمها مقفلة، وبالتالي فإن كل مرافق الطعام وحتى حوانيت المشتريات مقفلة.

وتخضع بلدية المدينة للتيار الديني، وحاليا يجري الحديث عن احتمال أن يكون رئيس البلدية المقبل محسوبا على حزب شاس للحريديم الشرقيين، وعمليا هذه بداية النهاية للوجود العلماني للمدينة، وأيضا نهاية كونها عنوانا للسياحة الداخلية.

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز الإعلام والدراسات الفلسطينية، وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

عن علي محمد

مدير التحرير

شاهد أيضاً

أبرز الأزمات التي يواجهها جيش العدو الصهيوني على خلفية الحرب ضد غزة وتداعياتها

(عن مدار للدراسات الإسرائيلية .. بتصرف ) (مجلة فتح العدد 766) 1) تتوقف آخر التحليلات …

آخر الأخبار