أصابع صهيونية تحرك الحرب في السودان

 (مجلة فتح العدد-759)

بدا الاقتراح «الإسرائيلي» بالتوسط بين جنرالي الحرب السودانيين عبد الفتاح البرهان ومحمد حمدان دقلو (حميدتي) أقرب إلى نكتة سمجة، غريبا ومنافيا للمنطق، وفيه من الدعاية أكثر بكثير مما فيه من عناصر جدية تمكن كيان الاحتلال والأبارتهايد من التوسط بين من دمرا بلديهما قبل الحرب وخلالها. واستمرارا لمنطق السماجة هذا عمد ناطق باسم أحد الطرفين إلى تشبيه الهجوم الذي تتعرض له قواته بما يتعرض له الكيان على أيدي «الإرهاب الفلسطيني»!.

لكن السؤال الجدي المطروح: ما الذي يملكه الكيان الصهيوني أكثر من دول ذات صلة وثيقة بالسودان مثل مصر واثيوبيا؟ فضلا عن المنظمات الدولية والإقليمية كالأمم المتحدة والجامعة العربية والاتحاد الافريقي، وكلها لديها من الخبرة والمعرفة  والتواصل مع أطراف المجتمع السوداني ما يمكنها من التدخل لمصلحة الشعب السوداني أولا.

الأغرب مما سبق هو أن الإدارة الأميركية هي التي شجعت الكيان على التوسط بين الفريقين، وكأنها ترى أن علاقات التطبيع التي أُدخل فيها السودان رغما عن شعبه هي أكثر أهمية وتأثيرا من الروابط التاريخية الثقافية والقومية والدينية التي تربط السودان بمحيطه الإقليمي.

عند الحديث عن السودان لا بد من التذكير أن ابناء وجنود هذا البلد الشقيق شاركوا في النضال من أجل فلسطين وسقط منهم كثير من الشهداء، ومشاركة الجنود والضباط السودانيين في حرب العام 1948 جرت بشكل تطوعي حيث لم يكن السودان قد نال استقلاله بعد، وكان جيشه خاضعا لإدارة بريطانية مصرية مشتركة هي في الحقيقة إدارة بريطانية خالصة ومنحازة للكيان، وما زالت ذكريات هذه المشاركة حاضرة من خلال تسمية موقع «السودانية» في شمال قطاع غزة نسبة لتلك القوات. وشارك السودان رسميا كذلك في حرب العام 1967 على الجبهة المصرية وفي حرب اوكتوبر 1973، وكان من البلاد التي استضافت قسما من قوات الثورة الفلسطينية بعد خروجها من بيروت عام 1982.

التاريخ القريب والبعيد يشهد أن الكيان تآمر دائما على السودان فقد تعرضت أراضي هذا البلد لعدة اعتداءات من قبل الطيران «الإسرائيلي» بحجة استخدامها من قبل حركات المقاومة الفلسطينية، كما استبيحت أرضه وسيادته من خلال الصفقات المريبة مع جعفر النميري من وراء ظهر الشعب لتهريب يهود اثيوبيا. وخلال السنوات الأخيرة دعم الكيان جنرالات الحرب على حساب باقي مكونات الشعب السوداني المدنية من أحزاب ونقابات ومؤسسات أهلية.

كان السودان لفترة طويلة قبل انفصال جنوبه أكبر الدول العربية مساحة، والبلد الواعد بالخيرات نظرا لما يكتنزه من موارد طبيعية جعلته محل أطماع الدول الاستعمارية. وقد اعتمد الكيان منذ إنشائه سياسة «تحالف المحيط» وهي عقيدة تبناها بن غوريون وتقوم على التقارب مع الدول غير العربية المحيطة بالعالم العربي، وبناء تحالفات أمنية وعسكرية وعلاقات جيدة معها ضد الدول العربية، وضمن هذا الإطار وثق الكيان علاقته مع كل من تركيا وإيران الشاهنشاهية واثيوبيا، كما دعمت الحركات الانفصالية في عدد من الدول العربية، وظلت هذه السياسة قائمة بأشكال شتى ضد وحدة السودان من خلال دعم الحركات الانفصالية ليس في الجنوب فقط بل في دارفور وشرق السودان أيضا. كما شمل التآمر على السودان ووحدة أراضيه ومصالحه الاستراتيجية دعم الكيان لمشروع سد النهضة الاثيوبي، وتشجيع أديس ابابا على المضي في هذا المشروع من دون اي مراعاة لمصالح مصر والسودان ومن دون التفاهم معهما.

لم تكن هذه المواقف حبا بجنوب السودان وشعبه بالطبع، ولكن رغبة في تقسيم السودان وتفتيته، وفي هذا السياق لا يمكن تحميل الجنوبيين وحدهم مسؤولية الانفصال، بل يتحمل قادة السودان ولا سيما جنرالاته الفاسدون مسؤولية سياسات التهميش والإهمال وتجاهل الخصوصيات الثقافية التي دفعت الجنوبيين إلى تحبيذ الانفصال.

أصابع العبث «الإسرائيلية» لم تتوقف عند هذا الحد، فقد سعى الكيان للهيمنة على جنوب السودان واستخدامه منصة من اجل مواصلة التغلغل في افريقيا، و لعب دورا مشبوها في إذكاء وتأجيج الخلافات الداخلية التي وصلت إلى درجة قيام شركات السلاح «الإسرائيلية» بدعم الطرفين المتقاتلين في جنوب السودان وهما قوات الرئيس سلفا كير وقوات نائبه ريك مشار.

الأحداث الأخيرة في السودان وما تحمله من تدخل «إسرائيلي» واضح فتح باب التساؤلات عن دور الكيان وجهاز استخباراته في تفكيك هذا البلد الأفريقي، وعن هواجسه من انهيار التطبيع والعودة إلى نقطة البداية.

دائماً ما كان السودان محطّ اهتمام الكيان الذي لم يترك فرصة من دون أن يتدخل في أوضاعه الداخلية ومواقفه الخارجية، وهو ما ظهر بشكلٍ أساسي في السنوات الأخيرة.

وقد أحدث الصدام الأخير بين البرهان و«حميدتي»، الذي سيفضي إلى تأجيل أيّ حديث أو اتفاق تطبيع قريب مع السودان، حالاً من الإرباك في مخططات الاحتلال، فالمهم بالنسبة إلى الكيان هو أن يخرج السودان تماماً من الفلك المعادي لها، وأن يصبح بلداً ضعيفاً يمكن أن تعمل فيه وفق مصالحها بكل أريحية.

دخل الكيان على خط الأزمة السودانية الأخيرة ومساراتها بشكل متكرر في الأيام الماضية، فقد دعا وزير خارجية العدو الصهيوني إيلي كوهين كلاً من قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان وقائد قوات «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي»، الطرفين اللذين يتزعمان الفصائل التي تقاتل بعضها بعضاً في السودان على مدى الأيام الماضية، إلى اجتماع مشترك في الكيان الصهيوني يحاولان من خلاله التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار «بوساطة إسرائيلية»، وفقاً لما قاله مسؤولون في وزارة خارجية العدو لموقع «والاه الإسرائيلي».

وأكّد موقع «أكسيوس» الأميركي العرض «الإسرائيلي لاستضافة طرفي الصراع في السودان بشأن عقد تسوية بينهما، بتنسيق تام مع إدارة الرئيس بايدن ودولة الإمارات.

يمكن القول أنه ليس لدى أحد إجابة دقيقة عما يراه الكيان، فجزءٌ كبير من التسريبات والأخبار التي تُنقل عن مصادر «إسرائيلية» هو أخبار موجهة في مكانٍ ما. لكن من المؤكد أن الكيان مثله مثل الولايات المتحدة وبريطانيا، جزءاً من هذا الصراع أو جزءاً من تحريكه.

وعلى الرغم من ذلك، المعلن هو أن الخارجية «الإسرائيلية» تميل إلى دعم عبد الفتاح البرهان بصفته ممثلاً للجيش السوداني، ولكون توقيع التطبيع تمّ بشكلٍ مباشر معه، فيما يميل الموساد إلى محمد حمدان دقلو «حميدتي»، لكونه قدّم مجموعة من الخدمات المباشرة للكيان عبر الإمارات، لكن هذا التباين لا يعدّ اختلافاً جوهرياً حول الطرفين، لأنّ الكيان أعلن منذ البداية أنّ فوز أي منهما يصب في مصلحتها.

 

مصلحة الكيان الصهيوني بإضعاف السودان وتفكيكه، ولديه علاقات قوية مع إثيوبيا، فمصالح الإثيوبيين تتعارض مع مصالح السودان وتتقاطع مع الكيان، الذي من مصلحته أيضاً أن يظهر نفسه في مظهر المنقذ والمصلح والطرف «الذي سيحمل الخير للسودان».

في وقت الحروب، يمرّر الكيان سلاحاً ومعلومات استخبارية للطرفين. أما في السلم، فهو يأتي بمشاريع واستثمارات مختلفة كالأعمال الزراعية، ويستفيد من اليورانيوم، لأنّ ملف اليورانيوم مهم لديه، ولا سيما في أفريقيا، ضمن مجموعة أخرى من الأطماع.

المهم لدى الكيان بشكلٍ أساسي هو أن يخرج السودان تماماً من فلك الإسلاميين ومحور المقاومة، وأن يصبح بلداً ضعيفاً يمكن العمل فيه بكل أريحية.

إنّ تقديرات الكيان بخصوص السودان كانت تستبعد حدوث اشتباك مسلح مباشر بين طرفي الصراع البرهان وحميدتي، ولا سيما أنّ هناك خطوط اتصال «إسرائيلية» مباشرة بين الرجلين تستهدف استطلاع مواقفهما أولاً، ودفع كلٍّ منهما باتجاه التطبيع ثانياً. هذا التقدير بُني على اقتراب السودان جداً من الذهاب إلى توقيع الاتفاق النهائي مع الكيان، وهذا ما يُفسّره حديث وزير خارجية العدو إيلي كوهين في زيارته الأخيرة للسودان خلال شباط الماضي، وقوله إنّ التوقيع على التطبيع مع السودان سيتم خلال أشهر في واشنطن.

ولكنَّ الصدام الذي وقع بين البرهان وحميدتي سيفضي إلى تأجيل أي حديث أو توقيع أي اتفاق تطبيع قريب مع السودان، ما يعني حدوث إرباك في مخططات الاحتلال في هذا المجال. وربما يفضي الصراع،  إلى ظهور قادة سودانيين جدد في المشهد، وبالتالي العودة إلى تمرير التطبيع من جديد.

عن علي محمد

مدير التحرير

شاهد أيضاً

شراكة سورية-صينية استراتيجية: هل حان وقت إعادة الإعمار؟

معظم التحليلات والقراءات السياسية، تذهب في اتجاه ترجيح كفة أن الظروف المواتية لدخول الصين على …

آخر الأخبار