زيارة الأسد في شكلها ومضمونها وظروفها: مرحلةٌ سوريّةٌ وإقليمية جديدة

 

جو غانم

حدّد الأسد نقاطاً واضحة ونهائية لحدود العلاقة مع   إردوغان، الرئيس التركي الذي يريد بإلحاح لقاء الرئيس السوريّ، والذي كان يتصرّف حتى وقت قصير جدّاً.

 

على عكس زياراته السابقة التي أجراها بشكل خاطف إلى روسيا خلال سنيّ الحرب، حيث لا إعلان ولا مراسم ولا لقاءات إعلاميّة مطوّلة، وصل الرئيس السوري بشّار الأسد بعد ظهر يوم الثلاثاء الفائت إلى مطار فنوكوفا الدوليّ في العاصمة موسكو، في زيارةِ دولةٍ مكتملة الشكل والأركان، بدأت بمراسم استقبال رسميّ في المطار، وزيارة إلى ضريح الجندي المجهول لوضع إكليل من الورود، ثم لقاء مطوّل جدّاً مع الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين، سبقته وتزامنت معه وتلته لقاءات بين المسؤولين العسكريين والسياسيين والاقتصاديين السوريين الذين رافقوا الرئيس الأسد ضمن وفد كبير، وبين نظرائهم الروس، ثم مقابلات إعلامية تحدّث فيها الرئيس السوري عن كلّ المواضيع والملفات المتعلّقة بسوريا والمنطقة والعلاقات الثنائية بين البلدين الحليفين.

 

تُشكّل هذه الزيارة، بما حملته من دلالات في الشكل والمضمون، نقطة بداية لمرحلة جديدة في سوريا والمنطقة. فمن جهة، ظهر الرئيس الأسد الذي اختبر وبلاده طوال السنوات الماضية قطيعةً سياسيّة تامّة وفريدة من نوعها في العصر الحديث، في موسكو كرئيس دولةٍ قوي وقادر على التحدّي والخروج من قلب مرجلِ نارٍ أرادت الولايات المتحدة الأميركية وربيبتها “إسرائيل” وجميع أدواتهم في المنطقة والعالم، أنْ يحرقوه بداخله مع وطنه ودولته وجيشها ومؤسساتها وثرواتها ومقدّراتها وأهلها، بحيث لا يعود هناك قائد سوريّ واحد قادر على قول “لا” لواشنطن أو “تل أبيب” أو أنقرة أو حتى أصغر إمارةٍ عربية تخدم لدى تلك القوى الاستعمارية الناهبة والمهيمنة في المنطقة.

 

ومن جهة موازية، تصرّف الأسد وتحدّث باسم دولة استطاعت إفشال ودحر مشاريع دولية كبيرة وخطيرة جدّاً، وعادت لتضع شروطها الوطنية فوق جميع الطاولات السياسيّة، وتشارك بشكل مؤثّر في رسم معادلات مستقبل المنطقة، كلاعبٍ أساسيّ لا يمكن تجاوزه أو تحييده. هذا، ويدرك الأسد أكثر من أي أحد آخر، أنّ الحرب على بلاده، وعليه شخصيّاً وبما يُمثّل، لم تنته بعد، وأنّ ندوب وجراح تلك الحرب وآثارها الكبيرة، لا تزال تملأ جسد الخريطة الجغرافيّة والوطنية والاجتماعية السورية.

 

لكنه يعرف أكثر، أنّه وصل مع جيشه وشعبه وحلفائه، بعد تضحيات جسيمة وغالية جدّاً في وجه أعداء سوريا، إلى مرحلة جَمْع النقاط النهائيّة لتلك المرحلة من الصراع، التي تكشف ترتيب المتصارعين على لوائح المنتصرين والمهزومين.

 

ولعلّ فحوى حديثه مع الإعلام الروسيّ، يكشف موقعه وموقع بلاده على لائحة المتقدّمين في ذاك الصراع العالميّ المرير الذي كانت سوريا إحدى أكثر ساحاته وميادينه حرارةً طوال 12 عاماً، حيث تحدّث الأسد عن المستقبل، وعن اتفاقيات عسكرية واقتصادية كبيرة جدّاً، وعن إعادة الإعمار، وحول حلفٍ يجري تمتينه وتطويره في كل المجالات وعلى مختلف الأصعدة مع دولة روسيا الاتّحاديّة، وعن علاقات بلاده الآخذة بالتقدّم مع الدول العربية، كذلك عن شروط بلاده الوطنية للحديث أو التواصل أو التعاطي السياسيّ مع أيّ دولة شاركت أو ساهمت في العدوان على سوريا.

 

وهنا، حدّد الأسد نقاطاً واضحة ونهائية لحدود العلاقة مع   إردوغان، الرئيس التركي الذي يريد بإلحاح لقاء الرئيس السوريّ، والذي كان يتصرّف حتى وقت قصير جدّاً، باعتباره سلطاناً جديداً منتصراً ومسيطراً وصاحب نفوذ قويّ ونهائيّ، ويُحضّر نفسه للصلاة في الجامع الأموي في قلب دمشق، بعد إسقاط الأسد.

 

في الشكلّ والمضمون إذاً، لقد دشّن الأسد بزيارته هذه، مرحلة جديدة من تاريخ سوريا والمنطقة، بكل ما حملته تلك الزيارة ومضامينها وتفاصيلها من دلالات ومؤشّرات تخصّ دور سوريا وموقعها الحالي والمستقبليّ في المنطقة، ومكانتها كلاعبٍ مؤثّر في رسم خرائط ومعادلات ونتائج الصراع العالميّ الدائر.

 

اللافت قبل كل شيء، أنّ الزيارة أتت في ظلّ حراكٍ سياسيّ كبير يجري في المنطقة، تُعدّ سوريا إمّا أحد أهم محطاته ومحاوره، أو إنها مؤثّرة ومتأثرة به، بسبب إعادة بعض عواصم الدول العربية تواصلها مع دمشق تحت عناوين إنسانية بعد زلزال شباط/فبراير المدّمر، وهي عناوين ذرائعية تخفي تحتها رغبات ملحّة للتواصل مع هذا البلد الذي عجزت الحرب عن كسره، ويعجز هؤلاء الآن عن حلّ بعض مشاكلهم الأمنية والاقتصادية الأساسية من دون التواصل والتنسيق معه، نظراً لموقعه وتأثيره المباشر في، وعلى، جميع هذه الملفات.

 

كذلك ربطاً بتحالفاته التي تجعل منه ركناً أساسيّاً في حلف متقدّم في المنطقة، في مواجهة الحلف الذي تنتمي إليه تلك الأنظمة، وتقوده الولايات المتحدة الأميركية التي لا جديد لديها في المنطقة سوى الدمار وزيادة الكلفة والأعباء الصرفيّة على هذه الدول من دون مقابل (حتى الحماية لم تعد مقابلاً وازناً بعد الحرب على اليمن وتداعياتها ونتائجها)، أو لجهة التفاهمات الإقليمية الجديدة، وعلى رأسها الاتفاق الإيراني – السعودي الذي رعته وأخرجته الصين، بعد أشهر طويلة من رعاية العراق للمفاوضات التي أفضت إليه.

 

والرابط هنا، هو العلاقة السورية – الإيرانية التي تُشكّل ركيزة “حلف المقاومة”، والتي كان تخريبها هدفاً عسكريّاً وسياسيّاً واقتصاديّاً في الخطة الأميركية التي كُلّفت تلك الأنظمة العربية بالعمل والصرف عليها. كذلك هو موضوع المساعي الهادفة إلى إعادة التواصل الدبلوماسيّ رسميّاً بين دمشق والرياض، والذي كان له نصيب جيّد من حديث الرئيس الأسد مع الإعلام الروسيّ، والذي من المحتمل أنْ تظهر نتائجه في القريب العاجل.

 

وإذا كانت روسيا قد عملت طويلاً على هذه المسارات، وتحديداً منذ العام 2018، حين قاد وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، وفريقه الدبلوماسيّ حراكاً مكثّفاً يهدف إلى خرق الضغوط الأميركية على العرب، وإعادتهم إلى سوريا، ثم العراق الذي يحتضن “الحشد الشعبي” المنتمي نظريّاً وعمليّاً إلى حلف المقاومة، ثم الصين التي أعلنت من عاصمتها نجاح كل تلك المساعي، فإنّ ذلك كلّه يرسم صورة الموقع الذي تنطلق منه دمشق باتجاه عصرها الجديد، حيث يظهر جليّاً تقدّمها مع الحلف المناوئ للولايات المتحدة في المنطقة والعالم كله، والتحضير  لمعادلات جديدة تُشكّل، حتى الآن، ضربة للمكانة والنفوذ والسطوة التي تمتعت بها وحازتها الولايات المتحدة الأميركية على الساحة الدولة والإقليمية لوقت طويل.

 

وإذ رسمت الحرب في أوكرانيا حدوداً أكثر وضوحاً للصراع العالمي القائم ودفعت به نحو حوافّ خطيرة جدّاً، فإنّ وجود قوات الاحتلال الأميركيّ في سوريا، وتصاعد الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية (كما تصاعد الدعم الصهيونيّ للقوى النازية في أوكرانيا)، والوجود العسكري الروسيّ المرسوم باتفاقيات واضحة مع دمشق، أفضى إلى تقوية نفوذ روسيا في الإقليم، وصعود محور المقاومة في سوريا والعراق وفلسطين المحتلة واليمن، ووصول إردوغان إلى نقطة “الصفر حلول” من دون دمشق وموسكو وطهران، وبلوغ الجبهة الداخلية لدى العدو الإسرائيلي نقطة الانفجار، في ظلّ تنامي وتصاعد مقاومة الشباب الفلسطينيّ الخلّاق والمبدع والبطل، والذي لا يخفي كونه جزءاً أساسيّاً وجبهة متقدّمة وجهداً حربيّاً تحرّريّاً ينتمي إلى محور المقاومة.

 

فإنّ الأسد حين يذهب إلى موسكو مع وزير دفاعه، ويتحدّث عن اتفاقيات عسكرية غير مسبوقة، وسط معلومات تفيد باحتمال نقل أسلحة متطورة جدّاً إلى سوريا (منها صواريخ فرط صوتية من نوع كينجال وغيره) في القريب العاجل، وتتحدث عن تسليم سوريا منظومات دفاع جويّ جديدة، وذلك بعد وقت قصير من الإعلان الرسميّ عن تسليم طهران منظومة الدفاع الجوي “خرداد 15” لدمشق. فهذا يعني أنّ دمشق باتت جاهزة وقادرة على تطوير أدوات وشكل وقواعد الصراع مع المحتلّين الأميركي والإسرائيليّ، وأنّ احتمال إشعال محور المقاومة المنطقة في وجه “تل أبيب” وواشنطن، بات على بُعد اعتداء إسرائيلي مقبلٍ أو اعتداءين، أو عمليّة بطولية في الداخل الفلسطيني أو في العمق الفلسطيني خلف الحدود السورية أو اللبنانية، أو عمليّتين.

 

لافتٌ آخر وشديد الأهمية، وهو إعلان الرئيس الأسد عن اتّفاقيات اقتصادية كبيرة ومشاريع ضخمة بين البلدين، وهذا بالفعل ما جرى التحضير له على مدى أسابيع قبل القمة بين الرئيسين، وهذا بدوره يؤشّر على إعلان حلف دمشق– موسكو– طهران بداية مرحلة اقتصادية بين أعداء الولايات المتحدة، وتحدّي عقوبات وحصارات الأخيرة التي تشمل جميع هؤلاء، وإعلان أنّ مرحلة ما بعد الحرب، ومنها إعادة الإعمار، ستبدأ في سوريا في المرحلة القريبة المقبلة، بجهد من هذه الدول وحليفتها الصين، والأرجح هنا، بحسب المعطيات والمعلومات، أنْ تعمل دمشق مع روسيا والصين وإيران على تأمين 400 مليار دولار كجهدٍ أولّي (الحديث يشمل مشاركة الإمارات والسعودية في هذا الجهد) والبدء بإعادة الإعمار وبثّ الروح في الاقتصاد السوريّ.

 

لا تشبه هذه الزيارة أيّ نشاط سياسيّ ودبلوماسيّ سوريّ آخر منذ العام 2010، لأنها تُشكّل نقطة انطلاق لمسار جديد على الأصعدة كافة، ومنه أنْ نشهد زيارات رفيعة المستوى من وإلى دمشق في القريب العاجل، ولن يكون أمام واشنطن وكيان الاحتلال الإسرائيلي لمحاولة كبح جماح هذا القطار المعادي، سوى الهروب إلى الأمام من خلال افتعال اشتباك جديد بهدف إعادة بثّ الفوضى، لكن من المفترض أنْ يكون الجميع على ضفة المقاومة وحلفائها الدوليين، بانتظار هذه الفرصة السانحة لتكريس تلك المرحلة الجديدة المأمولة.

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز الإعلام والدراسات الفلسطينية، وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

 

عن علي محمد

مدير التحرير

شاهد أيضاً

هل أثبتت وصية الضابط الأمريكي بوشنل أن القضية الفلسطينية أصبحت تحتل صدارة المشهد العالمي

(عن موقع الوقت الإلكتروني) بعد أن أضرم النار في نفسه أمام السفارة الإسرائيلية في واشنطن، …

آخر الأخبار