This picture taken on February 22, 2023, from the east Jerusalem neighbourhood of Issawiya shows a view of the Palestinian Shuafat refugee camp (L), behind the controversial Israeli separation wall. (Photo by AHMAD GHARABLI / AFP)

بعد 20 عاما على بنائه: “الفلسطينيون يتحكمون بالجدار العازل”!

وليد حباس

في 9 آذار 2023 “سافر” معتز الخواجا من قريته نعلين، غربي رام الله، إلى شارع ديزنغوف في قلب تل أبيب، ونفذ عملية. بعد أكثر من 20 عاما على البدء ببناء الجدار العازل ما تزال إسرائيل “عاجزة” عن ضبط حدودها مع الضفة الغربية. في تقرير لمراقب الدولة الإسرائيلية (تم نشره يوم 28 شباط 2023) حول “صورة الوضع” في ما يتعلق بعمل الجدار، ونجاعته، ظهرت استخلاصات لا بد من سردها في هذه المقالة.

 

 

في تموز 2001، قررت اللجنة الوزارية لشؤون الأمن القومي (مجلس الوزراء السياسي – الأمني) الموافقة على خطة شاملة لضبط حدود الضفة الغربية مع إسرائيل بهدف “إحباط” أي “تسلل” فلسطيني إلى داخل إسرائيل، خصوصا في ظل تنامي أعمال المقاومة المسلحة إبان الانتفاضة الثانية (2000-2004). من بين ما تضمنته الخطة، إقامة “حاجز مادي” يفصل الضفة الغربية (لاحقا: جدار الضم والتوسع العنصري) والذي تم بدء العمل في العام 2002.

لم يتطابق مسار الجدار تماما مع مسار الخط الأخضر، بل كان متعرجا ليضم مساحات واسعة من الضفة الغربية إلى إسرائيل. ومسار الجدار الحالي يسمى بالعبرية “كاف هاتيفر” (Seam Zone)، أو منطقة التخوم. في نهاية العام 2021، كان طول الجدار حوالي 554 كيلومترا. من ضمنها، حوالي 124 كيلومترا (22%) عبارة عن سياج. بالإضافة، هناك حوالي 365 كيلومترا (65.7%) عبارة عن جدار إسمنتي. كما أن هناك 66 كيلومترا (12%) بدون أي بناء سواء إسمنتي أو إلكتروني أو سياج، بل هي منطقة مفتوحة. في نهاية العام 2021، تبين أن حوالي نصف الجدار يعتبر غير مؤهل للرقابة، وغير قادر على تحقيق غايته المرجوة.

التكلفة الرسمية لبناء الجدار والتي تم صرفها من 2002 (عند البدء بالبناء) وحتى 2022 وصلت إلى حوالي 8.3 مليار شيكل. بينما تكلفة صيانة الجدار تصل إلى ما معدله 161 مليون شيكل سنويا.

ومع ذلك، فإن عدد الفلسطينيين المتسللين يعتبر عالياً جداً، الأمر الذي يضع علامات سؤال على الهدف الاستعماري من إقامة الجدار. فقط من منطقة قلقيلية (ما يسمى عبريا بمنطقة منشيه) وجنين- طولكرم (ما يسمى عبريا بمنطقة إفرايم)، قدرت إسرائيل أن عدد الفلسطينيين المتسللين وصل إلى 1.4 مليون شخص. فقط 1% منهم تم الإمساك بهم.

في ربيع 2022، شنت إسرائيل حملة “كاسر الأمواج” ردا على تسلل فدائيين فلسطينيين في آذار- نيسان من العام نفسه وقتل 11 إسرائيليا. الحملة هدفت إلى تعزيز الجدار وسد الفجوات والفتحات. تكلفة الحملة (التي تم تمويلها من قبل الجيش) وصلت إلى حوالي 472 مليون شيكل. حوالي 63% من الميزانية (295 مليون شيكل) هدفت إلى تعزيز قوات الجيش على طول الجدار، ورفع عددها. وحوالي 8.5% (40 مليون شيكل) تم تخصيصها لإصلاح الفتحات.

مع ذلك، لم يتم منع تسلل الفلسطينيين. ويصل عدد المتسللين اليوم (بعد حملة “كاسر الأمواج”) إلى حوالي 6000 شخص يوميا. إضافة إلى ذلك، الفلسطينيون ما يزالون “يخربون” الجدار، ويشقون فتحات بشكل يومي. بمعنى أن قيام الجيش الإسرائيلي بتسكير بعض الفتحات يتم بالتوازي مع قيام الفلسطينيين بشق فتحات جديدة، وهذا يعني (بالأرقام) أن هناك (بعد تنفيذ الجزء الأكبر من حملة “كاسر الأمواج”) ما معدله 100 فتحة متاحة يوميا للفلسطينيين. هذا أيضا يعني، بحسب مراقب الدولة الإسرائيلية، “أن الاستجابة العملياتية قد باءت بالفشل”.

بحسب معطيات شرطة إسرائيل، عدد المتسللين الذي تم الإمساك بهم فقط في منطقة قلقيلية- طولكرم- جنين وصل إلى حوالي 6823 شخصا في العام 2022. وهو رقم ضئيل، وهامشي مقارنة بعدد المتسللين الذي يقدر بحوالي 1.4 مليون في نفس العام.في العام 2021 كان عدد المتسللين الذين أمسكت بهم الشرطة أقل من ذلك بحوالي النصف، ووصل إلى 3185 شخصاً فقط.

من يسيطر على الجدار؟ الإسرائيليون أم الفلسطينيون؟

 

في وقت إنشاء الجدار خصصت إسرائيل الكتائب النظامية للعمل على طول الخط الفاصل. كان المفهوم العملياتي الذي تم تحديده في ذلك الوقت هو أن الجدار سيشكل منظومة أمنية تحذيرية تنذر بوجود متسللين، على أن تصل القوات النظامية بالسرعة المناسبة للاستجابة إلى عمليات التسلل. هذا يعني أن الجدار يعمل كمنظومة تشمل ما يلي: 1) بناء مادي مثل الجدار والسياج وغيرهما؛ 2) أجهزة إنذار ومجسات إنذار إلكترونية؛ 3) قوات نظامية من الجيش والتي تستجيب لتنبيهات أجهزة الإنذار بسرعة.

لكن، على مر السنين، انخفض الوجود العسكري للقوات النظامية بين 2002 و2019 بحوالي 70%، الأمر الذي جعل الجدار عبارة عن بناء “مهجور” خارج عن السيطرة البشرية للقوات الإسرائيلية.

هذا دفع الفلسطينيين (الذين لديهم مصلحة في التسلل) إلى التحلي بقدر واسع من الحرية في إتلاف أجزاء من الجدار بشكل مستمر. اتسمت بعض الأضرار التي قام بها الفلسطينيون بالتدمير الكامل لجميع مكونات السياج على طول عدة كيلومترات. وعندما كانت إسرائيل تعيد ترميم هذه الأضرار، كان الفلسطينيون، بحسب تقرير مراقب الدولة، يعودون خلال ساعات (وليس أياما) لتخريبها من جديد وشق فتحات. في العام 2017، تعلم الجيش الإسرائيلي الدرس من “عناد”الفلسطينيين، وقرر الحفاظ على ميزانياته وعدم الاستمرار بصرف الأموال لتصليح الأضرار التي يلحقها الفلسطينيون بالجدار.

على ما يبدو، أن الجدار الذي تم بناؤه من قبل المنظومة الأمنية الإسرائيلية، والذي يعتبر في “صلب” الأمن الإسرائيلي، تحول إلى منظومة يمكن أن يتلاعب بها لاعبون مختلفون ولكل واحد من هؤلاء اللاعبين أجندته الخاصة وقدراته النسبية في التحكم في هذه المنظومة. مثلا، قطاع البناء والتشييد الإسرائيلي (شق الشوارع والبناء) يعتبر لاعبا أساسيا وله مصلحة كبرى في إفشال عمل الجدار بسبب رغبته في “استقطاب” أكبر عدد ممكن من العمال الفلسطينيين المتسللين (وليس العمال من حملة التصاريح!). والسبب هو أن هؤلاء المتسللين يتلقون أجورا أدنى بسبب “عدم قانونية” دخولهم وعدم تحصلهم على تصريح رسمي يتضمن مخصصات تأمين وتقاعد.

لاعب آخر أساسي هو سماسرة العمال (المقصود سماسرة إدخال العمال وليس سماسرة بيع التصاريح). بعض السماسرة الفلسطينيين يسيطرون على الفتحات “بقوة السلاح”، ويجبرون العمال المتسللين على دفع “خاوات” أو “أتاوات” لقاء مرورهم “المضمون” عبر الفتحات.

ليس هناك مانع من الافتراض بأن هناك علاقات (ليس من الممكن تحديد طبيعتها بالملموس) بين الجيش، والسماسرة، ورجال الأعمال ولاعبين آخرين في ما يتعلق بعمل الجدار. فعمل الجدار يتقاطع بشكل كبير ما بين أسواق رأسمالية تشمل عمالا (أجور رخيصة)، وتهريبا (سلع وخدمات)، وشركات تأمين (سرقة سيارات)، بالإضافة إلى “أجندات” غير واضحة المعالم تنفذها أجهزة المخابرات في ما يتعلق بتسهيل/ تشديد عمل الجدار وما ينعكس من جراء ذلك على طبيعة حياة أكثر من 3 ملايين فلسطيني في الضفة الغربية. مثلا، في أعقاب إغلاقات الكورونا المطولة (في صيف 2020)، “غضت” إسرائيل الطرف عن موجات واسعة وغير مسبوقة من الدخول الجماعي المنظم للفلسطينيين عبر الفتحات للوصول إلى الداخل الفلسطيني بهدف الاستجمام. وفي غضون أسابيع قليلة، انتظم عمل شركات نقل فلسطينية، أو فلسطينية- إسرائيلية، وحافلات باص، ومواقف، وباعة متجولين، للربح من هذه الموجات التي تدفقت إلى الداخل.

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز الإعلام والدراسات الفلسطينية، وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

عن علي محمد

مدير التحرير

شاهد أيضاً

لإخفاقه وتخوفه من التطورات.. الاحتلال يستعجل إنهاء عملياته جنوبي قطاع غزة

مصدر في المقاومة الفلسطينية يؤكد أنّ التخوف من تطور الوضع الأمني في المنطقة الشمالية مع …

آخر الأخبار