عن “صراعات” المستوطنين والروح العامة للقيادات الجديدة

أنطوان شلحت

من المؤكد أن المهتمّ بإرهاب المستوطنين في الأراضي المحتلة منذ 1967 سيلاحظ، مثلما ، أنه تجري داخل صفوفهم مؤخراً تحوّلات تنطوي أيضاً على صراعات تشي جهاراً بأن قياداتهم الجديدة أشدّ تطرّفاً وتدّيناً من قيادات سابقة لهم تُعتبر متطرّفة بدورها.

 

وسيلاحظ أي مهتم أيضاً أن ثمة حقبات يمكن اعتبارها مفصلية ترتبت عليها تلك التحوّلات التي نقصدها، وسبق أن تطرقنا إليها، ولكن الآن يلزم أن نعيد التذكير بها وكذلك بالأحداث التاريخية والوقائع الاجتماعية التي مَتَحت منها.

 

من ناحية أقرب نقطة زمنية، ربما يرتبط “علّو نجم” القيادات الجديدة للمستوطنين، التي وصفناها بأنها أشدّ تطرفّاً وتدّيناً من القيادات السابقة، بحادثة إخلاء البؤرة الاستيطانية “عمونه” في مطلع العام 2017. وقد توقف عند هذه النقطة أكثر من تقرير في وسائل الإعلام الإسرائيلية، ومن أبرزها تقرير ظهر في الملحق الأسبوعي لصحيفة “معاريف” يوم 6 شباط 2017 وذكر فيه أن ما وصفه بـ “الشرخ” بين الأجيال الجديدة والقديمة في قيادة المستوطنين ظهر خلال الأشهر الأخيرة التي سبقت عملية الإخلاء، حينما خبا صوت “القيادة القديمة” كلياً تقريباً. وأعاد التقرير إلى الأذهان أنه كانت ثمة مظاهرة واحدة غابت عن الأنظار ولكنها روت قصة العلاقات المركّبة بين قيادة المستوطنين والمستوطنين أنفسهم. وهي، بحسب ما جاء في الصحيفة، مظاهرة نظمها مستوطنو “عمونه” في شهر كانون الأول 2016 قبالة مكاتب إدارة مستوطنة “عوفرا”، حيث كان يُعقد اجتماع ضم جميع القادة وكبار مسؤولي “مجلس المستوطنات في يهودا والسامرة [الضفة الغربية]” للبحث في “إيجاد منطقة بديلة” لنقل المستوطنة (عمونه) إليها. وحين اقتحم المتظاهرون غرفة الاجتماع عنوة تصدّى لهم أحد قادة هذا المجلس فأنّبهم وحذّرهم من “اللعب بالنار”، بينما انهال المتظاهرون على المجتمعين بالصراخ والتوبيخ واتهموهم بـ “التواطؤ”. وفي أعقاب هذه الحادثة، نقلت بعض وسائل الإعلام عن أوساط بين المستوطنين قولها إن “مجلس المستوطنات فقد معناه وأهميته” وأنه “كان يشكل قيادة ذات مرة، لكنه لم يعد كذلك الآن”. وأكد هؤلاء، كما ذكّرت “معاريف”، أن “أعضاء مجلس المستوطنات وقادته فقدوا مكانتهم القيادية ولم يعد لهم أي تأثير على الجيل الشاب (من المستوطنين)، كما فقدوا تأثيرهم على الصعيدين السياسي الحزبي أيضاً”. وأضافوا: “لقد أصبح هؤلاء مُجرّد جسم قديم لا قيمة له… جميعهم أشخاص رسميون جدا ولا يستطيعون كسر قواعد اللعبة في مقابل الدولة… كانت طريقتهم، منذ الأزل، ’دونم آخر وعنزة أخرى’ (وهو شعار دافيد بن غوريون، مؤسس إسرائيل ورئيس حكومتها الأولى)… إنهم يدّعون بأن علينا أن نأخذ المتاح، المتوفر، لكنهم قادوا إلى ما لا يؤتي النتائج المرجوة… فما حاجتنا إليهم، إذًا؟”!

 

ورأت دانييلا فايس، وهي إحدى الشخصيات القيادية الأولى بين المستوطنين ومن رؤساء حركة “غوش إيمونيم” الاستيطانية سابقاً والتي انضمت إلى “الجيل الشاب” في “معركة عمونه”، أن “التحدي الأكبر أمامنا هو إعداد جيل آخر من القيادة”! وردّاً على سؤال عن حقيقة ما يحدث الآن بين “القيادة القديمة” وبين المستوطنين، قالت فايس: “ليس هناك شرخ أو قطيعة، وإنما مواجهة حادّة بين التوجّه البراغماتي، الذي يقوده رؤساء المستوطنات وقادة مجلس المستوطنات، وبين التوجّه الأيديولوجي”. وفي محاولتها تفسير موقف “القيادة القديمة” وتوجهاتها البراغماتية، قالت فايس: “أشغلت مناصب رسمية طيلة 15 عاماً وأعرف، تماماً، معنى أن تكون معتمداً على الميزانيات الحكومية وعلى ما يمكن للحكومة أن تعطيه… ثمة بين رؤساء المستوطنات من اختار المسار البراغماتي بصورة واضحة، بمعنى الاهتمام بالحصول على بضع وحدات سكنية جديدة كل مرة… كان هذا وضعاً ممتازاً بالنسبة إليهم”. أما الشرخ الذي ظهر في “عمونه”، فتفسّره فايس بأنه نتج عن “تعهدهم (تقصد القيادة القديمة للمستوطنين) بتقديم عمونه إلى الحكومة على طبق من فضة، بهيئة الإخلاء الاختياري الطوعي، لكنهم فشلوا في ذلك، لأن الشباب الذين تبنوا التوجّه المثالي، الخالص والطاهر، كانوا هناك وحاربوا بشراسة”. وتؤكد فايس أن “مجلس المستوطنات” يدرك حقيقة ولادة جيل جديد من المستوطنين، ولذا “فهو لا يستطيع السماح لنفسه بأن يقول تجاه الخارج: ’نحن نعمل بصورة براغماتية’، وهذا ما يجعله غير ذي أهمية”.

 

أمّا اللواء (احتياط) شلومو بروم، الباحث في “معهد دراسات الأمن القومي” (جامعة تل أبيب)، فقال إن “الادعاء بأنهم (القيادة القديمة) فقدوا تأثيرهم صحيح كما يبدو”. ولكنه يضيف: “من أجل وضع الأمور في نصابها الصحيح، يجدر التذكير بأن وجود فئات متطرفة بين المستوطنين ليس أمراً جديداً، بل كانت هناك فئات كهذه كل الوقت، بدءاً من المجموعات السرية المختلفة التي استخدمت العنف، مرورا بشبيبة التلال”. ويرى بروم- وهنا بيت القصيد- أن “قيادة المستوطنين تعتمد ازدواجية منافقة. فهي تصدر من حين إلى آخر بيانات تعارض ظاهرة (عصابات) ’تدفيع الثمن’، لكي تبدو بصورة إيجابية جيدة في نظر الرأي العام، بينما لم تقم بأي خطوة عملية بغية إخراج هذه المجموعات من بين صفوفها ونبذها إلى الخارج، أو العمل على تسليم نشطاء ’تدفيع الثمن’ إلى الشرطة، على الأقل”. ويؤكد بروم أن قيادة المستوطنين تريد أن تحظى بإعجاب جمهورها، جمهور المستوطنين، من جهة، فيما تحارب في الوقت نفسه ومن جهة أخرى على الرأي العام في إسرائيل عامة، وذلك لأنه “بالرغم من فوز اليمين الواضح في الانتخابات البرلمانية العامة في إسرائيل، إلا إن المستوطنين لا يتمتعون بصورة إيجابية في نظر الجمهور الإسرائيلي ولا يحظون بتأييد شامل”.

 

وقبل “حادثة إخلاء عمونه” شكلت “خطة الانفصال” عن قطاع غزة، التي نفذها رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق أريئيل شارون في العام 2005، نقطة الانكسار الأولى بين القيادة التقليدية والمستوطنين، حسبما أكّد البروفسور أودي ليفل، الخبير في علم الاجتماع السياسي، والأستاذ في “جامعة أريئيل” (في مستوطنة أريئيل) والباحث في “مركز بيغن ـ السادات للدراسات الاستراتيجية”. فمثلما يحدث اليوم، كذلك كان “الجيل الشاب” من المستوطنين يسعى آنذاك إلى “تحقيق حلم أرض إسرائيل الكاملة”، ولو حتى بثمن المواجهة العنيفة والمباشرة مع الدولة ومؤسساتها، بينما كانت القيادة تؤمن بقدرتها على التوصل إلى تفاهمات مع المؤسسة تضمن بقاء المستوطنات هناك (في قطاع غزة) وازدهارها. لكن القيادة منيت بفشل ذريع في معركتها تلك، و”حتى الشعار الذي رفعته وروجته آنذاك عن ’الاستيطان في القلوب’ (بمعنى، جعل المستوطنين يستوطنون في قلوب الإسرائيليين) مُني بالفشل، إذ لم يدفع الإسرائيليين إلى احتضان المستوطنات والمستوطنين بالطريقة والدرجة اللتين كانتا متوقعتين، ولم يجعل الإسرائيليين يعتبرون المستوطنات والمستوطنين جزءاً من الوجدان الصهيوني، فلم نر خروجاً جماهيرياً مكثفاً من الإسرائيليين، ولا حتى من المتدينين في وسط البلاد، للتعبير عن معارضة الانفصال والمطالبة بعدم تنفيذه”، كما يؤكد ليفل الذي يضيف: “إن العكس هو الصحيح، فقد فرضت القيادة على الجيل الشاب التعامل معها بصورة متناقضة وبقطيعة واضحة… كانت تلك خيبة أمل كبيرة قادت إلى ابتعاد المستوطنين عن القيادات التقليدية”.

 

كما أعرب الصحافي اليمينيّ شمعون ريكلين عن اعتقاده بأن “الانفصال” شكل نقطة الانكسار، إذ ظهرت أزمة القيادة وعجزها عن منع إخلاء المستوطنين، رغم أن المستوطنين كانوا يؤمنون بها ويثقون بقدرتها على ذلك. ومنذ ذلك الوقت ـ كما يقول ريكلين ـ ثمة بين المستوطنين من يقول “ما حك جلدك مثل ظفرك”، وهي فئات تتسع وتزداد يوما بعد يوم.

 

ويرى ريكلين سبباً إضافياً آخر لهذا الصراع يعود إلى حقيقة أن الاستيطان في الضفة الغربية اتسع وتكثف بصورة كبيرة جداً وأن “هذا الازدياد يؤدي، بصورة طبيعية، إلى نشوء تقسيمات فئوية مختلفة. فحين كان الاستيطان في بداياته ومحدوداً، عددياً وجغرافياً، كان مجلس المستوطنات يقرر في كل شيء، في كل كبيرة وصغيرة. أما اليوم، فثمة في كل مستوطنة قيادة محلية هي صاحبة القرار، من خلال محاولة التعاون والتنسيق مع المجلس أحياناً… وهي محاولات غالباً ما تبوء بالفشل”.

 

إجمالاً، إن ما نتقصدّ قوله هو أن تلك “الصراعات” قد تكون تسببت بوجود عدة أصوات وربما منظورات في صفوف المستوطنين في أراضي 1967، ولكن في الوقت عينه فإن جميعها ما زالت منضوية تحت سقف موضوعة مهيمنة تدور حولها ممارسات المستوطنين، وهي السيطرة على مزيد من الأرض الفلسطينية عبر ارتكاب الجرائم ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم.

عن علي محمد

مدير التحرير

شاهد أيضاً

إعلام العدو: حكومة الطوارئ تتسارع نحو نهايتها.. وغانتس يستعد لمغادرتها

وسائل إعلام العدو تشير إلى أنّ وزير الأمن الإسرائيلي السابق، بيني غانتس، في طريقه للخروج …

آخر الأخبار