قصاصو الأثر.. الوحدة الأهم بجيش الاحتلال

تبرز وحدة قصاصي الأثر بين الوحدات العسكرية في جيش الاحتلال التي يستخدمها في العمليات الخاصة لتتبع مسارات تحرك المقاومين، أو عند انتزاع اسرى حريتهم من سجون الاحتلال

وتنتقي قوات الاحتلال بعناية أفراد هذه الوحدة الذين يفترض أن تتوفر لديهم القدرة بنظرة واحدة قراءة سطح الأرض لمعرفة من مرّ من هنا، وأين اتجه، ومتى عبر المكان

ويمكن للقصاص تحليل سلوك الشخص الذي عبر المكان وتخمين طرق اختبائه، والخيارات المتاحة أمامه، من خلال تحليله للآثار التي خلّفها، ويمكنه التمييز بين متسلل عاديّ والمقاومين الفلسطينيين، كما يمكنه تمييز حقل عبوات ناسفة بمجرد النظر إلى صخرة توجد في غير مكانها الطبيعي، أو باختلاف لونها عن باقي الصخور

الفكرة والتأسيس

أسست “إسرائيل” وحدة قصاصي الأثر أو “وحدة غششايم” كما تعرف بالعبرية في عام 1970، وكان أصحاب فكرة تأسيسها اثنين من الضباط البدو وهما: عبد المجيد المزاريب، والذي انضم إلى جيش الاحتلال في أثناء حرب العام 1948، وغيّر اسمه إلى عاموس يركوني، ثم وصل لرتبة مقدم وقائد الوحدة 224، وحسين الهيب، وهو أول ضابط بدوي يصل إلى رتبة عقيد، بعد تطوعه في صفوف جيش الاحتلال في ستينيات القرن الماضي، حيث انتقل ليعمل بوظيفة “قصاص أثر المنطقة الشمالية”، أي في الحدود اللبنانية والسورية

تضم وحدة قصاصي الأثر 5 سريات، وتتشكل كل سرية من 50 إلى 250 عنصرًا، ويتركز عملها في المناطق الحدودية مع الأردن ومصر ولبنان وسوريا، بالإضافة لقطاع غزة

وخلال انتفاضة الأقصى (الانتفاضة الثانية) عام 2000، ومع محاولات المقاومين الفلسطينيين التسلل إلى الداخل المحتل وتنفيذ العمليات الاستشهادية، برز دور وحدة قصاصي الأثر، من خلال قيامها بعمليات الاستطلاع والكشف عن الأثر والمراقبة

كما لعب قصاصو الأثر دورًا كبيرًا في محاربة حفر الأنفاق من قطاع غزة إلى مصر، وفي عام 2004 قتل 5 منهم في عملية “أنفاق الجحيم” التي نفذتها المقاومة الفلسطينية على معبر رفح.

 

يوجد العديد من القصاصين الذين يعملون في أجهزة أمن الاحتلال المختلفة، مثل: الشرطة، والمخابرات، بالإضافة إلى وحدة خاصة تدعى “مرعول” والتي لا تتبع مباشرة إلى وحدة قصاصي الأثر البدوية

و “مرعول” كلمة عبرية معناها “الملثم”، لكن بعضهم يعيدها لأصل عربي يختصر جملة: “ممر الرعاة الضيق في الجبال”، وتأسست الوحدة بعد أسر مقاومين فلسطينيين 3 مستوطنين في منطقة الخليل في حزيران/يونيو 2014، وتتكون من 60 عنصرًا من الجيش الاحتياطي غالبيتهم من الإسرائيليين، وهم مختصون في علوم الآثار والجيولوجيا والمياه والنباتات، أو من المزارعين المتمرسين، وجزء منهم من الأدلة السياحيين، ومهندسون، بالإضافة إلى قصاصي أثر بدو

يقوم قصاصو الأثر بالعديد من المهمات، مثل: جمع المعلومات الخفية، ومحاولة اكتشاف المعلومات من الأرض، والبحث عن سارقي السلاح من معسكرات جيش الاحتلال، وهي العمليات التي كانت تكثر في معسكرات منطقة جنوب فلسطين، وفي المناطق ذات الطبيعة البدوية، ومحاربة تهريب المخدرات والأسلحة والبشر، لا سيما من شبه جزيرة سيناء، وتعتمد الوحدة على خبرة عناصرها في تتبع الأثر على الأرض، والبحث في متعلقات المطاردين كاللباس والطعام

يحدد القصاص اتجاهات مشي المطاردين، ووقت استخدام المواد التي يجرى البحث عنها، ويقوم بالتحليل الميداني للمعلومات والأدوات، وتقدير إمكانية المرور عبر مناطق معينة من عدمه.

نوعان من النشاطات

هناك نوعان من النشاطات التي يقوم بها قصاص الأثر البدوي الأول: التزامه بحيز جغرافي محدد لمدة طويلة جدًّا ودراسة معالمه بدقة، وهو نشاط رائج في المناطق الحدودية، فعندما يتم استبدال وحدة الجنود والضباط الماكثين في منطقة حدودية معينة، وإرسال وحدة جديدة، يبقى القصاص في المنطقة ولا يتم استبداله باعتباره “ذاكرة المكان” والتي لا داعي إلى إعادة بنائها من جديد في كل مرة

وعلى سبيل المثال، في العام 2004، وصلت وحدة جنود جديدة إلى الحدود اللبنانية، وقبل أن تترجل للتعرف على معالم المكان، بدأ القصاص البدوي بعمله، فلاحظ صخرة صغيرة جدًّا لونها أكثر احمرارًا من باقي الصخرات التي لطالما حفظ لونها، وعندما مشّط المنطقة وجد ثلاث عبوات ناسفة

 

النشاط الثاني لقصاصي الأثر، هو عدم المكث في مكان جغرافي محدد، وإنما التجول عبر الطبيعة وتعلم كيفية قراءة سطح الأرض باعتباره لوحًا يحفظ شهادات وبيانات قد تخبرنا الكثير عن كل من مرّ من هنا، وإلى أين اتجه، ومتى عبر المكان

وعلى سبيل المثال فإن وحدة “مِرعول” التي عثرت على محمد العارضة وزكريا الزبيدي في 11 أيلول/سبتمبر 2021، بعد انتزاعهما حريتهما مع 4 أسرى آخرين من سجن جلبوع، استطاعت أن تميز أعقاب سجائر الأسيرين من بين العديد من النفايات، وبعض الزجاجات التي شرباها، ومن ثم معرفة في أي اتجاه كان من ألقى السجائر متجها، وصولًا إلى العثور على آثار خطوات نعل الزبيدي، وهذا النوع من قص الأثر يحتاج إلى تدريبات متقدمة تتطلب بالضرورة مهارات تتعلق بعلم النفس وقراءة لغة الآثار

ليست حكرًا على البدوي

ومهنة قص الأثر ليست حكرًا على البدوي فقط، هو أن وحدة قصاصي الأثر الحديثة “مرعول” والتي تم استحداثها في 2014 يشكل الإسرائيليين غالبية عناصرها، وتستخدم تكنولوجيا معقدة، وهو ما يبين زيف ما يروج له بأن نظرة البدوي ساحرة، وأن لديه قدرة مرهفة على سماع تفاصيل الطبيعة

أنشأت «إسرايل» مدرسة عسكرية تابعة للجيش في القاعدة العسكرية المسماة “لخيش” في لواء الوسط، وفيها يتدرب قصاص الأثر 18 أسبوعًا قبل التحاقه بالجيش، وخلال هذه الأسابيع، يتم تدريب القصاصين البدو من خبراء إسرائيليين وفق أحدث نظريات التتبع، والقصاصة، وقراءة الطبيعة

بمعنى أن البدوي لا يولد قصاصًا، وإنما يتم صناعته ليصبح قصاصًا، ويأتي التركيز على الشبان البدو، ليس لكونهم يملكون صفات خاصة فوق طبيعية، وإنما ببساطة لأن قص الأثر مصنف في الثقافة العسكرية الإسرائيلية مجالَ خدمة رديئًا وغير مرغوب به

وفي مدرسة قصاصي الأثر العسكرية، يتدرب البدو على التعامل مع كل ظروف الطبيعة، بما يشمل أراضي وجبالًا غريبة عن بيئتهم الأصلية، ويعلمونهم قص الأثر في كل فصول السنة وتحت أي ظرف مناخي، كما أن قصاصي الأثر يتعلمون أيضا كيف يعملون من داخل غرفة عمليات مشتركة ليتلقوا الأوامر من المخابرات ثم يعودوا ويغذوا قاعدة البيانات الاستخباراتية بتفاصيل دقيقة من الطبيعة، على أن يبقى العقل المفكر والمحلل لكل البيانات هي المنظومة الأمنية الاستخباراتية التي يشكل قصاص الأثر ربما أحد أجزائها، لكنه بالتأكيد ليس الجزء الأهم، كما يوضح الباحث وليد حباس.

عن نور الدين رديني

مدير التحرير

شاهد أيضاً

فشل السياسة «الإسرائيلية» تجاه الأزمة الروسية الأوكرانية

(عن الميادين نت ) سعت “إسرائيل” لإقناع القيادة الروسية بأنها مارست سياسة الحياد الإيجابي عند …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

آخر الأخبار