أدب السجون أم أدب الحياة !(1)

أحمد علي هلال

(مجلة فتح العدد – 756)

إذا كان اصطلاح أدب السجون يحيلنا بالبداهة إلى ضروب من الإبداع تنكّب مغامرتها أسرانا البواسل في سجون الاحتلال على  اختلاف ما يكتبونه، وعلى اختلاف أجيالهم، ونسبة إبداعهم المترعة بالوثيقة تدويناً، لكن هذا المصطلح يقصر الدلالة، وينتهي إلى توصيف بعينه، والأدل في سياق ثقافة هذا المصطلح القول بما يقترب من الدقة والحصافة المنهجية بأدب الحياة، لأنه الأكثر انفتاحاً في دلالته والأكثر تميزاً في فرادته، ذلك أن ما كُتب في هذا السياق وما سيُكتب أيضاً سيعني مضارعة المعْتَقلْ لأفعال الحياة، والذهاب الطليق إلى مجازاتها الكبرى، طالما أنها تدل على الحرية ويستدل بها عليها، تلك الحرية المزدوجة في جوهرها، حرية الإنسان وحرية الأرض، وبهذا المعنى فإن أدب الحياة كما نصطلح عليه بوصفه المؤسس في الذاكرة الجمعية والجمالية بآن، سيؤسس في ذاكرة التلقي –وعلى تنوعه- جماليات الأسلوب والعبارة والفكرة، وهي برمتها وطن اللغة التي تبحث عن حواملها الدالة على الأرض، أي في أشكال المقاومة الباهرة التي يجترحها أسرانا الأبطال، صحيح أن كثير من الأدبيات في -الأغلب الأعم- قد اطمأنت إلى ذلك التوصيف دون أن تبحث في جذوره التاريخية كما سياقاته، عما يؤلف المعنى المتجدد بثقافة الأسرى وإبداعاتهم كماً ونوعاً، بعيداً عن جعلهم مناسبة فحسب لا تقارب إلا بوصفها خطاباً مباشراً وعمومياً.

وهكذا سنجد أننا أمام أسفار ملونة من إبداعات الأسرى، ستتنوع ما بين المقال  والدراسة والرواية والقصة القصيرة والشعر والفن التشكيلي وغيرها من الفنون، وهذه الأسفار تحتاج إلى أكثر من مقاربة فنية لأن ما تستبقيه في الوعي والذاكرة هو فنيتها المتعالقة بالحقيقة وبوصفها أنصع حقائق الجمال، خارج اعتبارها سجلاً للتجربة فحسب، أو مدونة لمضارعة الوحدة وآلام الأسر وجلاوزة الاحتلال، هي كل ذلك لكنها الأبقى في رصد تلك الإنسانية المفجعة المغيبة قسراً وراء الشمس، لكن هل غيبت الإرادات؟! بالطبع لا، وهل غيب الحلم؟! بالطبع لا، ذلك أن قوة الحلم وقوة الأمل ستتضافران لتنتجا وعياً بإرادة التغيير، وهذا ما ستقوله لنا أدبيات باهرة كتبها أولئك الأسرى، ولنذهب في أمثلة دالة لا تستثني غيرها، لكنها ستبدو بعينها صورة عن غيرها شواغلاً سيعني نمط الحياة  والتفكير والأسلوب والتقاط ما يمكن لذلك المبدع/ الأسير، أن يبوح به ويجهر به لتصل رسالته الأمداء كلها، منها ما كتبه الأسير المحرر بشير خيري قصته «خفقات ذاكرة»، حيث ذكرياته عن شجرة الليمون في ساحة داره، كما الظلم الذي لحق بالفلسطينيين، ليجهر«بالغريب الذي وضع أحلامه وذكرياته وصوته القديم في كيس كتيم»، ذلك الغريب المحتل، الذي قاسم أبناء الأرض ميراثهم، بل اغتصب ذكرياتهم، يبرع –خيري- بالكلمة بوصفها فعلاً متسقاً، سيحاور البيت، والظل، وحبة الليمون، وسيكثر من زياراته بعد تحرره من الأسر إلى بيته في الرملة، وسيتذكر كفه التي التحمت بكل ذرة من تراب فلسطين، كفه التي تشظت إثر تفجير لعبة مفخخة غداة احتلال فلسطين عام 1948، حينما كان طفلاً يلهو، قامت بها العصابات الصهيونية آنذاك «الهاغاناه، الأرغون، شتيرن» لترويع الأهالي وإجبارهم على ترك بيوتهم قسراً، يجيء ذلك في رسالة كتبها لدالية يخبرها باللعب المتفجرة التي سحقت يده اليسرى حينما كان طفلاً بالألعاب المفخخة التي نشرتها تلك العصابات، لكن الأدل في ما كتبه بشير خيري هنا هو تعضيده لمعنى الوطن والوصول إليه، وهذا دلالة الذاكرة التي تؤسس للحياة، استعادة وصيرورة مدهشة، وفي ذلك يرتقي الفن بأدواته ليصنع ثقافة الوعي وثقافة المقاومة، التي تتنوع أشكالها من الكلمة إقنوماً إبداعياً إلى الاستشهاد ذروة الإبداع.

عن نور الدين رديني

مدير التحرير

شاهد أيضاً

أدب السجون أم أدب الحياة !(1)

  أحمد علي هلال (مجلة فتح العدد – 756) إذا كان اصطلاح أدب السجون يحيلنا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

آخر الأخبار