بطلة «إسرائيلية» خارقة في إصدار جديد من سلسلة أفلام Captain America: تبييض الاستعمار عبر هوليوود!

وليد حباس

بتاريخ 10 أيلول 2022، أعلنت شركة الإنتاج السينمائي الأميركية «مارفيل ستوديوز» (Marvel Studios)، عن إطلاق شخصية جديدة للعب دور البطولة في سلسلة أفلام “كابتن أميركا” (Captain America). الشخصية الجديدة هذه المرة هي بطل خرافي «إسرائيلي» على هيئة أنثى، تحمل اسم «صابرا»، تعمل لدى جهاز الاستخبارات الإسرائيلي الموساد، وترتدي لباساً من أبيض وأزرق وتضع نجمة داود على جبينها. لاقى هذا الإعلان موجة عارمة من الانتقادات لما قد يعنيه الأمر من تطبيع صورة «إسرائيل» في واحد من أكثر سلاسل الأفلام شهرة وحضورا على المستوى العالمي، خصوصا بين فئة الأطفال والشبان. لكن شركة «مارفيل ستوديوز» ماضية، على ما يبدو، في إنتاج هذا الفيلم الذي من المتوقع أن يبدأ عرضه في شهر أيار 2024. تلقي هذه المقالة الضوء على شخصية «صابرا» وأهمية سلسلة أفلام «كابتن أميركا» بالنسبة للكيان الصهيوني الذي لا يدخر جهدا لتبييض صورته في الإنتاج السينمائي، خصوصا في هوليوود.

قبل تناول البطلة الخرافية الإسرائيلية «صابرا»، لا بد من توضيح المكانة التي تحظى بها سلسلة الأفلام التي تنتجها شركة «مارفيل».

 

إن شركة الإنتاج السينمائي الأميركية «مارفيل ستوديوز» هي شركة تابعة لإمبراطورية والت ديزني (Walt Disney Company)، وتقوم منذ عقود عدة بنشر مجلة كاريكاتور (Marvel Comics) صغيرة (نحو 30-40 صفحة)، تطرح خلالها شخصيات لأبطال خارقين (superheroes). ثم تقوم الشركة بإنتاج أفلام لهذه الشخصيات، بالإضافة إلى ألعاب فيديو، ومطبوعات (كالبلايز، والملصقات)، وحقائب مدرسية وغيرها من الأمور التي تحمل صور الشخصيات التي ابتكرتها الشركة وأسماءها. من أهم الشخصيات التي ابتكرتها مارفيل ستوديوز هناك سبايدر مان (Spider-Man)، أيرون مان (Iron man)، كابتن أميركا (Captain America)، ثور (Thor)، هالك (Hulk)، بالإضافة إلى فرق كاملة من الأبطال الخارقين مثل فرقة الأفينجرز (Avengers)، إكس- مِن (X-Men)، وغيرهما. دخلت هذه الشخصيات التي باتت مشهورة إلى كل بيت في العالم، وهي (أي الشخصيات) تعبر عن الإمبريالية الثقافية أو أمركة العالم. وإن إعادة صناعة الوعي من خلال السينما، هي واحدة من أهم الأدوات المستخدمة من قبل الغرب، والولايات المتحدة تحديدا، خصوصا عندما يتم تصميم المنتج السينمائي ليحمل مضامين سياسية واضحة وخفية. وللتوضيح، لا بد من الإشارة إلى ثلاثة جوانب مرتبطة بالأفلام التي تقوم على شخصية البطل الخارق التي تنتجها شركة «مارفيل ستوديوز»:

تحقق هذه الأفلام نسب مبيعات هائلة للشركة، إذ إنها في بعض الحالات تتجاوز 2 مليار دولار للفيلم الواحد الأمر الذي حول شركة «مارفيل ستوديوز» إلى إمبراطورية احتكارية لا منافس لها في صناعة شخصيات الأبطال.

إن اختراق هذه الشخصيات لكل بيت في العالم، وتحولها إلى رمز، يعتبر أمرا خطيرا خصوصا عندما نأخذ بعين الاعتبار البعد السياسي لكل شخصية. مثلا، أول نسخة من شخصية «كابتن أميركا»، التي صدرت في العام 1941، أظهرت البطل الخارق وهو يصفع هتلر، حتى قبل أن تقرر الولايات المتحدة دخول الحرب.  في مثال آخر، فإن «الرجل الحديدي» أو «أيرون مان» (Iron Man)، يعبر عن شراكة استراتيجية بين شركة الإنتاج «مارفيل ستوديوز» والجيش الأميركي بحيث يتم الترويج لزي الجيش الرسمي، ورموزه وأيديولوجيته، ولا شك في أن معظم هذه الأفلام، تقوم على فكرة الصراع بين محور الخير ومحور الشر. لكن في كل الحالات، فإن محور الخير يتمثل في الغطرسة الأميركية المستندة إلى زبدة العلوم العسكرية التي تطورت لدى المنظومة الأمنية الأميركية. كما أن البطل الخارق الذي يدافع عن محور الخير، يُعرض لتبييض صورة الأميركي النموذجي التي تقوم على الذكورية السلطوية، الرأسمالية الجشعة، والغريزة الوطنية التي تتيح للبطل أن يقطع البحار ويدمر شعوبا بأكملها لأنها لا تتوافق مع محور الخير الذي يتزعمه. ومع كل العنف والغطرسة التي يمثلها الأبطال الخارقون في هذه الأفلام، والتي يستمدونها من تفوقهم الغربي، إلا أنهم يظهرون في الأفلام باعتبارهم أبطال خير، يدافعون عن قيم العالم الحر، ويحاربون «الآخر» الشرير، المتخلف الذي يتربص بالعالم الحر ويتحين الفرصة لتدميره.

في هذا السياق، فإن الأبطال الخارقين الذين يظهرون في أفلام «مارفيل» يتحولون إلى رمز يدخل كل بيت، ويلهمون الأطفال والشبان، ويرافقونهم في ملابسهم، وعلى شاشاتهم، وفي ألعابهم، وحتى في مخيلاتهم. في الأثناء، فإن البعد السياسي الذي تمرره شركة «مارفيل» يتغلغل إلى ذهنية المشاهد، ويتحول إلى جزء من حقائق العالم بالنسبة له. ومن هنا، فإن الإعلان بأن الشخصية الخارقة الجديدة التي ستظهر في سلسلة «كابتن أميركا» هي شخصية «إسرائيلية» يعتبر حدثا أساسيا بالنسبة لصورة «إسرائيل» من جهة، وقدرة «إسرائيل» على إيصال رسائل سياسية مشوهة إلى كل بيت في العالم من خلال الشاشة الصغيرة.

من هي «صابرا»؟

ظهرت شخصية صابرا في العام 1980، وبشكل عابر، في فيلم Incredible Hulk # 250، ثم بشكل أساس في فيلم Incredible Hulk # 256 في العام 1981. ويرى الناقدون السينمائيون بأن صابرا في تلك الفترة كانت محاولة من الجيش «الإسرائيلي» لخلق نظير للأبطال الأميركيين الذين يقودهم ستيف روجرز (وهو شخصية أساسية في أفلام «كابتن أميركا»، الذي يرعى الأبطال الخارقين «الطيبين» ويوجههم). و«صابرا» التي ظهرت في ذلك الفيلم لم تكن البطل الأساس، وإنما لعبت دورا مساندا لكنها، كانت تشهر هويتها «الإسرائيلية» بكل «فخر» من خلال لباسها الأبيض والأزرق، والمزين بنجمة داود. ومع أن اسمها الأساس في الفيلم هو «روت بات- سيراف» (وهو اسم عبري أصيل)، فإنها كانت في الفيلم تحمل لقب «صابرا»، التي تعني في الثقافة «الإسرائيلية» «شخص مولود في إسرائيل» (وليس المهاجر المستوطن، ربما لتحويل الإسرائيلي إلى مواطن أصلاني!) ومن هنا، تعرف «صابرا» نفسها على أنها البطل الخارق المدافع عن «دولة إسرائيل». ولا بد من التذكير ببعض المشاهد التي لعبتها “صابرا” في الفيلم الأول الذي ظهرت فيه.

بداية، تظهر «صابرا» كعميلة لجهاز الموساد «الإسرائيلي»، وهذا الأمر يجعلها تتصرف، على الأقل في الفيلم، على أنها غير مبالية بالسياسة، بل وأنها تمتلك وظيفة تخولها بالقيام بأي مهمة دون مساءلة البعد السياسي أو الأخلاقي لها. فمجرد وجودها في جهاز كالموساد، يجعلها فوق أي مساءلة ذاتية لأفعالها. وفي الفيلم Incredible Hulk # 256 تولد «صابرا» في كيبوتس بالقرب من القدس، ثم تطور جينا خارقا (X-gene) يجعلها قادرة على التحول إلى بطل خارق، ثم تعمل لدى الموساد ولاحقا جهاز الشرطة «الإسرائيلية». وتبدو «صابرا» معتزة جدا بنفسها لدرجة استخدامها القوة قبل العقل. مثلا، تهاجم «صابرا»البطل الخارق «هالك» معتقدة أنه واحد من «الإرهابيين العرب»، قبل أن تدرك أنه يقف في معسكر «الغرب الحر». وفي مشهد آخر، يتم قتل ابن «صابرا» على أيدي «الإرهابيين»، فتخرج «صابرا» في حملة انتقام للنيل من القتلة وتخرق كل القوانين والأوامر التي تأتيها من قبل قيادة الموساد لتأديب قتلة ابنها في إشارة إلى أن الانسان الحر، ومشاعر الأم، تبرر القتل الأهوج الذي لا يمتثل إلى «رصانة» الجهاز الاستخباراتي المسؤول.

وظلت «صابرا» تظهر في مشاهد عابرة خلال أفلام ومنشورات «مارفيل ستوديوز» اللاحقة بدون أن تلعب دورا أساسيا. مثلا، في سلسلة الكاريكاتور JLA/Avengers التي نُشرت بين 2003-2004، ظهرت «صابرا» وهي تسند بظهرها «حائط المبكى» لتحميه من هجوم الأعداء الخارقين الذين تسببوا بهزة أرضية. إلى جانب قدراتها الخارقة، فإن «صابرا» تحمل أيضا أسلحة فتاكة لا يحملها إلا جيش العدو الصهيوني داخل الأفلام.

وقد صنف موقع CBR (الموقع الناقد المختص بالرسوم الكاريكاتورية المتعلقة بالأبطال الخارقين) «صابرا» على أنها واحدة من أهم وأبرز الأبطال «العالميين» (لتمييزها عن الأبطال الأميركيين). أما صحيفة «هآرتس»، فاحتفلت بعيد ميلاد ظهور «صابرا» الأربعين (1980-2020) وأطلقت عليها لقب «أول بطل خارق إسرائيلي» لا بد وأن يكون معروفا في كل بيت إسرائيلي.  ولا تعتبر «صابرا» هي البطل «الإسرائيلي» الخارق الوحيد في السينما والرسومات الموجهة للأطفال والشبان، بل إنها تضاف إلى قائمة تضم بطلات إسرائيليات أخريات، وإن كانت «صابرا» هي أقواهن.

مهما يكن من أمر، فإن إنتاج فيلم جديد تكون فيه «صابرا» البطل الرئيس (وليس الثانوي كما هي الحال في السابق)، قد يجعل من «صابرا» شخصية معروفة، وربما محبوبة أيضا، في كل العالم، شأنها شأن «سبايدر مان» أو «هالك» أو غيرهما من الذين تفردوا ببطولة أحد أفلام «مارفيل ستوديوز». هذا بحد ذاته قد يساهم في تسويق فكرة أن الكيان جزء من العالم الحر الغربي، وأن الأبطال الخارقين يدافعون عن قيم هذا العالم الحر في وجه الأشرار والإرهابيين. هذا قد يضع شاشة ضبابية تحجب حقيقة الكيان القائمة على نظام الأبارتهايد، ويخفي جذور الكيان القائمة على الاستعمار والتشريد، ويحولها من دولة «إرهابية» تقود «معسكر الشر» إلى دولة «طيبة» تقود «معسكر الشعوب الحرة». وغير واضح حتى الآن، كيف ستساهم الانتقادات والضغوطات التي يقودها ناشطون مناهضون لسياسات الكيان ضد شركة «مارفيل ستوديوز» في تأجيل أو إلغاء الفيلم المزمع البدء بتصويره خلال الأشهر القادمة.

 

 

عن نور الدين رديني

مدير التحرير

شاهد أيضاً

أدب السجون أم أدب الحياة !(1)

أحمد علي هلال (مجلة فتح العدد – 756) إذا كان اصطلاح أدب السجون يحيلنا بالبداهة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

آخر الأخبار