إسطبلات الخيول في أراضي “ج”.. استيطان رعوي بدعم من “كوبات حوليم”!

( عن مدار للدراسات الإسرائيلية )

إلى الشرق من قراوة بني حسان، في محافظة سلفيت، تقع البؤرة الاستيطانية “معاليه يسرائيل”. تحتوي البؤرة على كرافانات عدة أقيمت ابتداء من العام 1997، وما تزال مأهولة بسبب قربها من التجمع الاستيطاني “برقان” في عمق الأراضي المصنفة “ج”. يعتبر المجتمع الصهيوني الديني المتطرف الذي يسكن هذه البؤرة، الأراضي المصنفة “ج”   بمثابة تخوم مفتوحة، فارغة من السكان الأصلانيين، وإن كان يشوبها بعض الأشواك والمارقين والوحوش البرية الفلسطينية التي يمكن “تحييدها”. بالتالي، فإن أراضي “ج”، تكاد تشبه مفهوم الغرب الجامح (wild west) في ذهنية المستوطن الأميركي الكاوبوي، الذي استوطن بداية في شرق القارة الأميركية الشمالية، ثم تخلص من السكان الأصلانيين، قبل أن يتحوّل إلى راعي بقر، ويمتطي الخيول لينطلق غرباً ويحوّل أراضي الغرب الجامح، والمتوحش، وغير المأهول إلى أراض “حضارية” يقوم المستوطن بتعميرها. وبالعودة إلى البؤرة الاستيطانية “معاليه يسرائيل”، فقد أقام المستوطنون فيها مزرعة خيول في العام 2009، وأطلقوا عليها اسم “الغرب الجامح”، ربما تيمناً بأسلوب المستوطن الأميركي الكاوبوي.

 

تعتبر هذه المزرعة واحدة من نحو 65 مزرعة وإسطبل خيول منتشرة في أرجاء الضفة الغربية، تابعة لمستوطنات أو بؤر استيطانية، لكنها مقامة في أعماق الأراضي “ج”. أقيمت العشرات من هذه المزارع على أراض فلسطينية خاصة، وبعضها أقيم على أراض مصادرة من قبل الجيش الإسرائيلي. لكن الأهم، هو أن مزارع الخيول المقامة على أراض فلسطينية خاصة، تمول صناديق المرضى الإسرائيلية بعض نشاطاتها وفعالياتها، أو ما يعرف بـ “كوبات حوليم”، وهو ما تحاول هذه المقالة أن تلقي الضوء عليه لتكشف عن تورط لاعبين إسرائيليين من القطاع الصحي في سرقة أراضي الفلسطينيين، وتمتين المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية.

 

الاستيطان الرعوي: ما هو؟

 

 

 

لا بد من الإشارة إلى قيام المستوطنين في الضفة الغربية بتطوير نموذج جديد من الاستيطان، يمكن تسميته بـ”الاستيطان الرعوي”: قيام مجموعة من المستوطنين الرعاة، أو هواة الحيوانات، بإطلاق قطيع من الماشية (أبقار، أو أغنام أو خيول) في جبال الضفة الغربية ومن ثم الادعاء بأن هذه الأرض تقع ضمن نطاق استخدامهم وبالتالي يمهدون الأرضية للتنازع عليها لاحقا.[1] وبحسب زئيف حيفر، مدير عام جمعية “أمانا” الاستيطانية، فإن الاستيطان الرعوي قادر على السيطرة على آلاف الدونمات مرة واحدة وبشكل سريع، وهو أمر لا يمكن أن يتحقق وفق أسلوب الاستيطان المعهود الذي يقوم على التقدم بطلبات بيروقراطية والشروع بإجراءات تخطيط وتنظيم لتوسيع مستوطنات.[2]

 

أحد اشكال الاستيطان الرعوي، الذي يأخذ منحى منظماً، هو بناء إسطبلات أو مزارع خيول في الضفة الغربية. حسب تقرير أعدته الجمعية الإسرائيلية “كيرم نبوت”، وهي جمعية تتابع اعتداءات المستوطنين على الأراضي في الضفة الغربية، فإنه في العام 2018، كان هناك نحو 65 مزرعة خيول إسرائيلية منتشرة في جميع أنحاء المناطق “ج” بسبب وجود “احتياطيات” واسعة من الأراضي الفارغة. يقوم المستوطنون بغزو هذه “الاحتياطيات” بحماية من الجيش الإسرائيلي، أو بتغاض مقصود منه. ولأن إسطبل الخيول يصدر روائح غير مرغوب فيها، فإن معظم الإسطبلات والمزارع مقامة على مسافات بعيدة نسبياً من المستوطنة أو البؤرة الاستيطانية، الأمر الذي أتاح إمكانية الاعتداء، ووضع اليد، على أراض فلسطينية خاصة داخل مناطق “ج”، والتي بات أصحابها غير قادرين على الوصول إليها. اليوم هناك ما بين 35-40 مزرعة خيول مقامة على أراض فلسطينية خاصة بدون إصدار أمر عسكري لمصادرتها، أو بدون وجود أي آلية تمكن الفلسطيني صاحب الأرض من إجلاء المستوطنين عن أرضه.[3] وقد أصدر الجيش الإسرائيلي أوامر بهدم بعض هذه الإسطبلات، إلا أنه تبين أن هذه الأمور مجرد إجراءات شكلية للتسويق الإعلامي، ولم يتم تنفيذ أي أمر منها حتى الآن.

 

“كوبات حوليم”: “علموا أولادكم ركوب الخيل”!

 

 

 

وحسب تحقيق أجرته جمعية “كيرم نبوت”، فإن جميع صناديق المرضى الإسرائيلية (كوبات حوليم)، وعددها أربعة، متورطة في دعم ومساندة فعاليات مزارع الخيول الإسرائيلية في الضفة الغربية. إحدى الخدمات التي تقدمها صناديق المرضى هي برنامج “تنمية الطفل”، الذي بموجبه يحق لكل طفل إسرائيلي مُؤَمَّن أن يحصل على سلة علاجات ترفيهية من خلال الرسم، اللعب مع الحيوانات، أو ركوب الخيل.

 

مثلا، يقوم صندوق المرضى مكابي، لقاء خدمة اشتراك رمزية تصل إلى 70 شيكلا، بتوفير سلة علاجات وظيفية للأطفال تشمل ركوب الخيل، الرسم والإبداع، والرياضة العلاجية، وبوتيرة قد تصل إلى حصتي ركوب خيل أسبوعيا.[4] كذلك الأمر لدى صناديق المرضى كلاليت ومئوحيدت وليئوميت، وإن كانوا يعرضون الخدمات لقاء رسوم اشتراك أقل نسبياً.[5] هذا الأمر لا يعني فقط أن كوبات حوليم متورط وبشكل متعمد في سرقة أراضي الفلسطينيين إذ إنه يدعم فعاليات مزارع الخيول الاستيطاني. بل إنه يعني أن كل المشتركين في خدمات صناديق المرضى (أي كل من يحمل هوية زرقاء، سواء كمواطن أو مقيم) مشارك في عمليات سرقة الأراضي الفلسطينية، أو داعم غير مباشر، وبدون أن يعلم، في المشروع الاستيطاني داخل الضفة الغربية. فكل شخص حامل للهوية الزرقاء يدفع رسوم تأمين صحي، عبر مؤسسة التأمين الوطني، من خلال اشتراكه في واحد من صناديق المرضى الأربعة، بحيث أن هذه الرسوم تشكل المورد الأساسي لصناديق المرضى التي تدعم نشاطات الخيول في الإسطبلات الاستيطانية.

 

وبشكل مفصل، يقوم صندوق المرضى كلاليت بدعم فعاليات ركوب الخيل في مزرعة هوريدون (بالقرب من مستوطنة سديه بار)، ومزرعة خيول بيت إيل، ومزرعة خيول “تجربة ممتعة فوق التلال” (ولها فرعان، الأول بالقرب من مستوطنة هار أريئيل، والثانية بالقرب من مستوطنة ألون شفوت). أما صندوق المرضى مكابي، فيدعم أنشطة منوعة في مزرعة “الغرب الجامح” (بالقرب من معاليه يسرائيل) وأيضا نشاطات مزارع الخيول “تجربة ممتعة فوق التلال”. كما أن كوبات حوليم مئوحيدت وليئوميت يدعمان عدداً أكبر من مزارع الخيول، وهي: مزرعة تساهلا، ومزرعة هوريدون، ومزرعة بيت إيل، ومزرعة “الغرب الجامح”، ومزارع الخيول “تجربة ممتعة فوق التلال”، بالإضافة إلى مزارع خيول بن حجاي ومزرعة الانبعاث.

 

الاستيطان الرعوي: إلى أين وصل؟

 

 

 

أشارت منظمة هيومان رايتس ووتش إلى تورط صناديق المرضى في فعاليات ترفيهية علاجية في مزارع الخيول الاستيطانية في تقرير سابق نُشر في نيسان 2022.[6] لكن ما لم يشر إليه التقرير هو التناغم في العمل بين المستوطنين، والجمعيات الاستيطانية المدعومة بتبرعات سخية يهودية، والجيش الإسرائيلي، وحراس المستوطنات (وهم عساكر لا يتبعون إلى الجيش) بالإضافة إلى صناديق المرضى. مثلا، وفي أحد الأمثلة التوضيحية لهذا التناغم، بنى الجيش الإسرائيلي منظومة جدران حول معظم المستوطنات لتأمينها، ابتداء من العام 2005. وبالتالي، فإن معظم المستوطنات باتت محاطة بمنظومتي جدران، الأولى منظومة الجدران المحاذية التي تطوق أراضي المستوطنة نفسها ويتم رسمها تماما وفق حدود المستوطنة المشار إليها في المخطط التنظيمي، والمنظومة الثانية هي التي بناها الجيش الإسرائيلي بعد العام 2005 وتم رسمها بحيث تشكل قطراً أوسع يبتعد عن جدار المستوطنة الأصلي. والأراضي التي تقع بين جدار المستوطنة والجدار الثاني هي في معظمها أراض فلسطينية يتم الإعلان عنها باعتبارها “مناطق عسكرية مغلقة”. وبينما لا يستطيع الفلسطينيون دخول المنطقة “المغلقة” الواقعة بين منظومتي الجدار، فإن المستوطنين قادرون على دخولها واستخدامها بسهولة.[7] في مستوطنة شعاري تيكفا مثلا، بنى المستوطنون، بإشراف من رئيس حراس المستوطنة، منشيه شطي، إسطبلات خيول في بساتين الزيتون الفلسطينية التي تقع بين السياج الأصلي للمستوطنة والجدار الأوسع الذي شيده الجيش. ومع أن الجيش الإسرائيلي تعهد العام 2017 بإزالة هذا الإسطبل لوقوعه على أراضي الزيتون الخاصة بالفلسطينيين فإن الأمر لم ينفذ حتى اليوم. بل إن المستوطنين أقاموا  إسطبلات خيول أخرى بين أشجار الزيتون التي باتت، مع مرور الوقت، وكأنها أراض تابعة للمستوطنة بحكم الاستخدام المستمر لها من قبل المستوطنين، وبسبب قدوم العديد من الإسرائيليين لـ “التمتع” برياضة ركوب الخيل.

 

وحسب تقرير إسرائيلي، استطاع المستوطنون خلال العقد الأخير، ومن خلال الاستيطان الرعوي، السيطرة على نحو 7% من أراضي “ج”، من خلال بناء مزارع رعوية للأبقار، الخيول، الأغنام. وقد بلغت مساحة هذه الأراضي حتى اليوم، نحو 238 ألف دونم، جميعها تم السيطرة عليها بشكل غير رسمي، ومن قبل مبادرين ومتطوعين من المستوطنين الرعاة (نحو 46 مزرعة أو أراضٍ رعوية تمت السيطرة عليها فقط بين 2017-2021 في أثناء فترة حكم نتنياهو- ترامب.[8])  وتسيطر على هذه المزارع الجديدة، مجموعة صغيرة جدا من المستوطنين الشبان، معظمهم تابعون لشبيبة التلال، ويتجولون فيها مع قطيع الأغنام أو الأبقار، وهم يركبون سيارات قديمة ذات دفع رباعي، ومدججون بالأسلحة، ومحميون بكلاب وطائرات بدون طيار.[9]

 

وعلى ما يبدو، فإن الإدارة المدنية، وبالتنسيق مع وزارتي الدفاع والقضاء الإسرائيليتين، يعملون على شرعنة ما بين 30-35 بؤرة رعوية أقامها المستوطنون بشكل ارتجالي خلال السنوات السابقة، وهي ما يسمح بضم أجزاء أخرى من أراضي “ج” الى الحيز الجغرافي للمستوطنات بشكل رسمي. فحسب تحقيق نشرته صحيفة هآرتس بتاريخ 5 أيلول 2022، فإن الإدارة المدنية ستنظر في تصنيف الأراضي التي أقيمت عليها بؤر رعوية وتشرعنها في حال ثبت أنها “أراضي دولة”![10]

 

مراجع

 

 

 

[1]  وليد حباس وعبد القادر البدوي، إسرائيل والمسألة الفلسطينية، في تقرير مدار الاستراتيجي 2022 للعام 2021 (رام الله: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية- مدار، 2022).

 

[2]  شيزاف، هاجار. أمين عـام أمانا: سـنبني عـشر مـزارع أخرى في الضفـة هـذا العـام فهـي أكثر كفـاءة مـن المسـتوطنات، موقـع هآرتس. 22 شـباط 2021. أنظر/ي الرابط التالي: https://bit.ly/3vZw1fq

 

[3]  أنظر/ي الى الخارطة التالية التي تبين مواقع بعض مزارع الخيول في الضفة الغربية: https://easy.co.il/list/Horse-Ranches?region=6

 

[4]  أنظر/ي موقع مكابي على الرابط التالي: https://www.maccabi4u.co.il/new/eligibilites/2726/

 

[5]  أنظر/ي موقع كلاليت على الرابط التالي: https://mushlam.clalit.co.il/he/articles/Pages/riding.aspx، أو موقع ليئوميت على الرابط التالي: https://www.leumit.co.il/heb/Rights/Shaban/Children/.

 

[6]  إريك غولدستون، مصادرة أراضي فلسطينية من أجل مزرعة خيول، هيومان رايتس ووتش، 21 نيسان 2022. أنظر/ي الرابط التالي: https://www.hrw.org/ar/news/2022/04/21/confiscating-palestinian-land-horse-farm

 

[7]  حاييم لفينسون، الأراضي المحيطة بالمستوطنات والتي تم تصنيفها على أنها مغلقة أمنيا، يتم استخدامها من قبل المستوطنين للزراعة والبناء، هآرتس، 5 تموز 2015. أنظر/ي الرابط التالي: https://bit.ly/3q2N66X

 

[8]  أورن زيف، المعطيات تكشف: هكذا تحولت الأبقار والأغنام إلى أداة لسيطرة المستوطنين على أراضي الضفة الغربية، سيحا مكوميت، 20 حزيران 2022. أنظر/ي الرابط التالي: https://bit.ly/3cEJFAh

 

[9]  يش دين، رعاة في الحقول الأجنبية: مزارع أغنام المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية وانتهاكهم لحقوق الإنسان للفلسطينيين، منظمة يش دين، 10 أيار 2022. أنظر/ي الرابط التالي: https://bit.ly/3CShA3g

 

[10] هاجار شيزيف، “الإدارة المدنية تسعى الى شرعنة عشرات البؤر الرعوية في الضفة الغربية”، في هآرتس، بتاريخ 5 أيلول 2022. انظر/ي الرابط التالي: https://bit.ly/3wSEwve

(إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي « مركز الإعلام والدراسات الفلسطينية وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً)

 

عن علي محمد

مدير التحرير

شاهد أيضاً

عملية غور الأردن.. مقاومة تتطور وفشل صهيوني يتعاظم

لم يعد مفاجئاً أن ترد الأخبار عن وقوع عملية فدائية جديدة في الضفة الغربية المحتلة، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

آخر الأخبار