(مجلة فتح العدد – 769)
منذ الأيام الأولى لشن العدوان الصهيوني على قطاع غزة في السابع من أكتوبر الماضي، كان التفاعل الشعبي عربيًّا وعالميًّا في اتجاه واحد فقط، داعمًا لفلسطين ورفضًا للمجازر التي يرتكبها الاحتلال الصهيوني على رؤوس المدنيين، وذلك في مقابل مواقف رسمية تتباين بين دعم مطلق للكيان قولاً وعملاً، وبين تعاطف مع ضحايا غزة بالقول دون الفعل، وبين صمت مطبق لا يظهر منه دعم ولا إدانة تجاه أيٍّ من الطرفين.
السّمة الأبرز في هذه المظاهرات أنها لم تخرج إلا في الدول الداعمة للكيان وقليل من الدول العربية كاليمن والأردن والعراق ولبنان، لكنها لم يكن لها وجود في الإمارات والبحرين والسعودية، بينما في مصر خرجت عدة مظاهرات قليلة العدد لبعض الأيام برعاية النظام الحاكم، وسرعان ما توقفت وتمت مواجهتها حتى انتهت قبل أن ينطوي شهر أكتوبر نفسه.
ففي بعض البلدان العربية، اندلعت تظاهرات مع بدايات الحرب واستمرت لعدة أشهر، وكان أبرزها ما شهدته مُدن: عمّان، وصنعاء، وبغداد، من فعاليات واسعة، للمطالبة بمحاكمة رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يوآف غالانت، ووقف العدوان على غزة وتنديدًا بالدعم الأمريكي والأوروبي «لإسرائيل» في جرائمها ضد الفلسطينيين، وللمطالبة بإدخال المساعدات إلى قطاع غزة.
وخلال عامٍ من العدوان الصهيوني على قطاع غزة، سجل الحراك الشعبي آلاف المظاهرات والفعاليات عبر العالم، بينها زهاء 20 ألف مظاهرة تضامنية في 18 دولة أوروبية، كان من بينها ألمانيا، وهولندا، وفرنسا، وبلجيكا، وسويسرا، وإسبانيا، وإيطاليا، والسويد، والدانيمارك، وأيرلندا، والنمسا.
وشهدت بدايات الفعاليات في اليوم الأول من معركة طوفان الأقصى وحتى نهاية أكتوبر القليل من المظاهرات المناصرة للكيان في بعض دول أوروبا وامريكا، لكنها تضاءلت شيئًا فشيئًا حتى لم يعُد لها وجود، لا سيما بعد التنديد الواسع من قبل المؤسسات والمحاكم الدولية والتي أدانت حكومة نتنياهو بارتكاب جرائم حرب ضد المدنيين، ما أضعف دور المؤسسات والحراك الداعم للكيانعن الاستمرار في إظهار تأييدهم لجرائم الاحتلال.
وكان من اللافت أيضًا التحول الكبير في مؤشرات الرأي العام المناهض للكيان والداعم للحق الفلسطيني والمندد بالعدوان على سكان غزة، حتى إن بلادًا عدة شهدة انخراط مجموعات من اليهود في الحراك ضد كيان الاحتلال.
ولأول مرة تشهد مدن أوروبا هذا الزخم الكبير من المناصرين لفلسطين؛ حيث كان الحراك يبدأ من العواصم، وسرعان ما ينتقل لمدن أخرى، وهذا ما حدث في فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا، ما أحرج حكومات تلك البلاد والتي تتباهى دائمًا بمناصرتها وتأييدها العدوان على غزة، فلجأت إلى قمع التظاهرات وإصدار القرارات التي تحظر أي مظهر من مظاهر التأييد للشعب الفلسطيني أو المناهض للكيان، في سوابق لم تكن تعرفها أوروبا في العصر الحديث من قبل، وذلك مما زاد من الفجوة بين مؤسسات المجتمع المدني وكثير من طوائف الشعوب الأوروبية من جهة، وبين حكوماتها التي لم تعد تعبر عن نبض الشارع وتحولت إلى ناطق باسم حكومة نتنياهو.
لكن التظاهرات في الولايات المتحدة الأمريكية قد حازت على نصيب الأسد في مناصرة غزة ومناهضة الاحتلال ومناصريه، وهذا ما أقضّ مضجع النظام الأمريكي (الداعم الأكبر للعدوان الإسرائيلي)، وأربك حساباته، لا سيما وأن التظاهرات كانت نوعية وسريعة الانتشار، فضلاً عن أن لها مطالب محددة لم تتحملها الإدارة الأمريكية حتى أدارت ظهرها لشعارات حرية الرأي والحق في التظاهر، وبدأت في اتخاذ إجراءات قمعية ضد المتظاهرين.
فمع دخول الحرب شهرها السادس، انتفضت الجامعات الأمريكية في فعاليات احتجاجية تمثلت في تظاهرات واعتصامات وغلق حرم بعض الجامعات، وكان من بينها: جامعة نورث إيسترن في بوسطن، وجامعة واشنطن في سانت لويس بولاية ميزوري، وجامعة جنوب كاليفورنيا، وجامعة هارفارد، وجامعة بنسلفانيا؛ حيث طالب المتظاهرون الإدارة الأمريكية بوقف دعمها لإسرائيل والعمل على وقف العدوان على غزة، وإرسال المساعدات الإنسانية للقطاع المحاصر، ووقف تعامل إدارات الجامعات وبين كيان الاحتلال..
لم تنته حدود التظاهرات الطلابية داخل المدن الأمريكية، بل تجاوزتها إلى جامعات أخرى في معظم دول أوروبا، وكان الزخم فيه لا يقل عما حدث في الجماعات الأمريكية، ومنها جامعة أكسفورد في بريطانيا والتي شهدت اعتصامات مطالبة بوقف استثمارات مؤسسة للتعليم العالي في الشركات التي تدعم إسرائيل، وقد انضم إليهم مئات الأساتذة وعدة جمعيات حقوقية.
ومع مرور عام كامل على استمرار العدوان على غزة، لا تزال التظاهرات في المدن الأمريكية والأوربية تنطلق وتتنوع في أوجه فعالياتها للتنديد بالسياسة الغربية التي ترفض إدانة الاحتلال الصهيوني في ارتكابه لجرائمه ضد الشعب الفلسطيني في غزة والضفة، وذلك ما كان له عامل مؤثر في دفع حكومات تلك البلاد إلى التخفيف من الدعم المطلق لإسرائيل، بل والتحول إلى مطالبة الاحتلال -قولًا على الأقل- بوقف عدوانه على غزة والموافقة على إبرام اتفاق يفضي إلى ذلك.