أزمة الأحزاب «الإسرائيلية» بين «فتنة الطغيان» وزعزعة بنيتها الاجتماعية!

(عن مدار للدراسات الإسرائيلية )

( مجلة فتح العدد – 755 )

ثمة أمور كثيرة تطفو على سطح السجالات في «إسرائيل» على أعتاب معركة انتخابات مبكرة أخرى، هي الخامسة خلال أقل من أربعة أعوام، ومنها سنتوقف عند أمرين:

الأول، بعض جوانب الأزمة التي تسم الأحزاب في الكيان، وهي الجوانب التي تتراوح بين ما يمكن توصيفه بأنه «فتنة الطغيان»، وزعزعة بنية الأحزاب الاجتماعية.

والثاني، جوهر المعسكرات السياسية المتنافسة.

نقصد بعبارة «فتنة الطغيان» تعزّز «ظاهرة الدكتاتوريات» داخل الأحزاب «الإسرائيلية». ومع أن الفترة الزمنية القصيرة التي يجري تحديدها بين قيام الكنيست الصهيوني بحلّ نفسه وبين الموعد الذي يتقرّر لإجراء الانتخابات العامة المبكرة، هي التي تُستحضر على الفور لتبرير هذه الظاهرة التي تنسحب بالأساس على أحزاب جديدة، كان أبرزها في الفترة الأخيرة حزب «أمل جديد» الذي أقامه وزير العدل جدعون ساعر، المنشق عن حزب الليكود، فإن مراجعة سريعة لتاريخ الأحزاب «الإسرائيلية» تظهر أن هذه الظاهرة آخذة بالتعمّق أكثر فأكثر منذ أعوام كثيرة. لسنا أول من كشف عن أن ظاهرة وجود دكتاتوريات داخل الأحزاب «الإسرائيلية» تنعكس منذ فترة طويلة، ولا سيما لدى تركيب القوائم الانتخابية، أو لدى إقامة التحالفات. وإذا ما شئنا استحضار قرائن من الفترة القليلة الماضية، يمكن أن نشير إلى أن هذا السلوك يصحّ على رئيس الحكومة السابق بنيامين نتنياهو كما تبين بوضوح، على سبيل المثال، حينما فرض على حزبه (الليكود) قراره الشخصي بشأن توحيد الحزب مع حزب «إسرائيل بيتنا» برئاسة أفيغدور ليبرمان، وأقام تحالف «الليكود بيتنا» الذي خاض انتخابات الكنيست الـ19 العام 2013 وحصل على 31 مقعداً أهلته لتأليف الحكومة. وقد وعد نتنياهو، من غير أن يعرض اتفاق الوحدة على أعضاء حزبه، ليبرمان بالمحل الثاني في القائمة الموحدة، وخصّص لأعضاء حزب هذا الأخير أماكن واقعية في قائمة التحالف للكنيست الـ20.

 

وليبرمان نفسه يحكم حزبه المذكور حُكماً من دون أي ضوابط، فمنذ تأسيس «إسرائيل بيتنا» في العام 1999 شكّل ليبرمان وحده قائمة الحزب لانتخابات الكنيست، وقرّر ماذا سيكون البرنامج الحزبي، ومن سيتولون مناصب وزارية، ومن سيكونون أعضاء كنيست عاديين.

ويسلك رئيس الحكومة «الإسرائيلية» الحاليّ يائير لبيد أيضاً هذا السلوك. فهو منذ أن أنشأ حزبه «يوجد مستقبل» في العام 2012، يقرّر وحده ما يحدث فيه، ولن يتغيّر هذا النهج، كما يكرّر القول.

وفي أحزاب اليهود الأرثوذكس (الحريديم)، وأحزاب الصهيونية الدينية، فإن الحاكم المطلق هو زعامتها الروحية المتمثلة في مجالس الحاخامين.

ينسحب هذا على معظم الأحزاب «الإسرائيلية» المُنحلة. فمثلاً، رئيس الحكومة السابق إيهود باراك كان الحاكم الفرد في حزبي «استقلال» و«إسرائيل ديمقراطية»، وعندما اعتزل الحياة السياسية اختفى هذان الحزبان من الخريطة السياسية كليّاً.

كذلك كانت وزيرة الخارجية السابقة تسيبي ليفني الحاكم المطلق في حزب «الحركة»، وعندما قررت اعتزال العمل السياسي، لم يعد هناك أي وجود يُذكر لهذا الحزب.

ومع أن الوضع في حزبي العمل وميرتس يبدو أفضل في الظاهر، نظراً إلى إجراء انتخابات تمهيدية فيهما، فإن رئيسي الحزبين ينتهجان في العادة طريقاً شبيهة.

إن دل هذا على شيء فهو يدلّ على أنه باستثناء التصويت في الانتخابات العامة الذي يقرّر هوية الحكم، ليس للمواطنين في «إسرائيل» أي تأثير على المؤسسة السياسية في ما يختص بالسياسة المتعلقة بالمجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وهو ما سبق أن أكده أستاذ العلوم السياسية في الجامعة العبرية في القدس، البروفسور غابي شيفر، ولفت إلى أنه في واقع الأمر، ليس المواطن هو مصدر السلطة في «إسرائيل»، كما يقتضي جوهر النظام الديمقراطي، بل رؤساء الأحزاب، وهذا الواقع يؤثر في السياسة وفي تنفيذها أيضاً. وفي قراءته فإن إخفاق حملات الاحتجاج الاجتماعية- الاقتصادية «الإسرائيلية» حتى الآن، وسياسات الحكومات الأخيرة، تشكل إثباتاً على أنه ليس لمواطني «إسرائيل» أي تأثير فيما يجري في الدولة، ورؤساء الأحزاب الذين يفوزون في الانتخابات ويشكلون الائتلافات يفعلون ما يحلو لهم. ويبدو أن هذا هو ما سيكون كذلك بعد الانتخابات المقبلة.

بكلمات أخرى يمكن القول إن المواطنين مجردون إلى درجة كبيرة من القوة. ويُنظر إلى ذلك، وأكثر فأكثر في الآونة الأخيرة، باعتباره إحدى المعضلات المركزية للديمقراطية «الإسرائيلية»، التي ستتسبّب باستمرار أمراضها وثغراتها، لا سيما وأنّ «إسرائيل» لم تكن يوماً ديمقراطية عاديّة، بل كانت تُعرّف نفسها حتى العام 2018 بأنها «يهودية وديمقراطية» وأصبحت في إثر سن «قانون القومية» في ذلك العام «دولة قومية للشعب اليهودي» تستند، من الناحية الدستورية، إلى تراتبية واضحة تعلو فيها يهودية الدولة على ديمقراطيتها.

بالتوازي، هناك تشخيصات تؤكد أن الأحزاب السياسية في «إسرائيل» تعاني، فضلاً عن معاناتها من «ظاهرة الدكتاتوريات»، من الفراغ الفكري أيضاً. فمثلاً سبق لأستاذ العلوم السياسية، البروفسور شلومو أفينيري، الذي شغل في الماضي أيضاً منصب المدير العام لوزارة الخارجية «الإسرائيلية»، أن وصف أسلوب الانتخابات التمهيدية [برايميرز] لاختيار مرشحي الأحزاب للكنيست بأنه «ديمقراطية مزيفة»، كونه يزعزع أساس وجود الحزب، وبنيته التحتية الاجتماعية التي يجب أن تستند إلى عضوية ونشاط في الحزب. وأكّد أنه مثلما تحتاج الديمقراطية نفسها إلى كوابح وتوازنات، فالمنظومة الداخلية – الحزبية بحاجة إليها أيضاً.

برأيه، كان الانتقال من أسلوب اللجنة المنظمة إلى أسلوب الانتخابات التمهيدية في معظم الأحزاب التاريخية في «إسرائيل»، ناجم عن رغبة صادقة في نقل الحسم من لجان مغلقة مكوّنة من سياسيين يجتمعون في غرف مليئة بدخان السجائر إلى المجال العام، وبذلك تصبح عملية اختيار المرشحين للكنيست أكثر ديمقراطية، غير أن النتيجة كانت مختلفة تماماً. وأشار إلى أن ما حدث هو زعزعة بنية الأحزاب، وبدلاً من أحزاب تستند إلى عضوية مستمرة وناشطة، وإلى نشاطات في الفروع وعقد مؤتمرات ونقاشات سياسية وأيديولوجية، نشأت «مؤسسة التسجيل»، التي سمحت لكل من يريد الانضمام رسمياً إلى الحزب قبل فترة قصيرة من الانتخابات والمشاركة في قرار تحديد المرشحين. وليس من قبيل الصدفة أن حزب العمل، الذي كان من أوائل الأحزاب التي تبنت أسلوب الانتخابات التمهيدية، لم يعقد منذ أعوام مؤتمراً يناقش قضايا سياسية واقتصادية، وكل الاهتمام منصبّ على الانتخابات التمهيدية. التركيز على المنافسة في الانتخابات التمهيدية أفرغ المؤتمر من أي مضمون فكري، وحوّل الحزب بصورة حصرية إلى أداة لانتخاب المرشحين للكنيست. ومنذ اللحظة التي ينتخبون فيها يضطر أعضاء الكنيست إلى التركيز فقط على وضعهم، وعلى بلورة بروفايل عام عالي المستوى، لضمان انضمامهم إلى الانتخابات التمهيدية المقبلة. فكل واحد منهم هو لاعب منفرد؛ الانسجام الحزبي والانضباط غير موجودين تقريباً، وكل واحد يتنافس مع الجميع في حزبه. ورافقت ذلك ظاهرة إضافية؛ فقد سمح أسلوب الانتخابات الأولية لأشخاص لم يكونوا قطّ أعضاء أو ناشطين في الحزب بتسجيل أنفسهم قبيل الانتخابات. وبمساعدة حملات علاقات عامة شرسة، جرى انتخابهم ليس فقط في قائمة المرشحين بل أيضاً في قيادة الحزب نفسه. وكجزء من هذه الإستراتيجية التي في أساسها لا توجد مصالح الحزب كهيئة سياسية بل تطلعات المرشحين الشخصية، فإن هؤلاء يغادرون الحزب في مناورة تنتمي إلى عالم الصفقات: يسيطرون على شركة اقتصادية، يأخذون منها الموارد وغيرها، وعندما تتوقف عن خدمة المسيطر، يرمونها إلى الجحيم ويمضون قدماً.

 

يعتقد أفينيري أن تطبيق نموذج إدارة الأعمال على حزب مبنيّ على عضوية ونشاط سياسي هو الخطر الأكبر على البنية الديمقراطية التي تتطلب حواراً، ومفاوضات، وخلق ائتلافات وشراكة داخلية – حزبية من المصالح والأفكار. كل ذلك غريب عن عالم الصفقات الاستقوائي الذي لا قيَم لديه، غير حجم النجاح الاقتصادي. وهذا هو سبب الجري وراء استطلاعات يومية تقريباً تحلّ محل نقاش المواقف والقرارات في موضوعات سياسية واقتصادية.

أما في ما يخصّ الأمر الثاني، وهو جوهر المعسكرات السياسية المتنافسة في الانتخابات العامة، كما تتراءى على أعتاب جولة تشرين الثاني 2022، فسوف نتطرق إليه في العدد المقبل.

 

عن نور الدين رديني

مدير التحرير

شاهد أيضاً

فشل السياسة «الإسرائيلية» تجاه الأزمة الروسية الأوكرانية

(عن الميادين نت ) سعت “إسرائيل” لإقناع القيادة الروسية بأنها مارست سياسة الحياد الإيجابي عند …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

آخر الأخبار