في أدب الأسرى الفلسطينيون: تحليق، بعيداً عن الأسوار والقضبان

سلام شما

( مجلة فتح العدد – 755 )

أدب السجون هو الأدب المكتوب عندما يكون الكاتب مقيد في مكان ضد إرادته, كالسجن أو الإقامة الجبرية ويمكن أن تكون الأدبيات حول السجن أو مرحلة قبله  أو أثناء إقامة الكاتب في السجن, أو قد يكون مذكرات أو قصص أو حتى محض خيال.

واختلفت التسميات حول تسمية النتاج الأدبي في باستيلات العدو, فأسماه البعض بأدب الحرية أو الأدب الاعتقالي, وحرص آخرون على صبغه بمفاهيم إديولوجية فأسموه الأدب الأسير, وغيرهم أطلقوا عليه أدب السجون لكن الجميع  مجمعون, على أنه يندرج تحت عنوان الأدب الفلسطيني المقاوم.

وثمة أسماء عديدة كتبت الشعر والنثر وأصحابها يقبعون خلف الزنازين منذ زمن بعيد, وعلى مستوى العالم أجمع وفي الحالة الفلسطينية فإن النتاجات الاعتقالية تمتاز عن سواها من النتاجات العربية والعالمية, بأنها الأغنى والأكثر شمولية وزخم من حيث الكم والكيف بين تجارب الشعوب , كون الاحتلال الصهيوني هو الأطول في التاريخ, وأول كتاب  فلسطيني صنف في أدب المعتقلات هو للكاتب *خليل بيدس*بعنون (أدب السجون) أثناء فترة  اعتقاله في سجون سلطات الانتداب البريطانية في فلسطين ,وفُقد الكتاب في زحمة أحداث(1948 )  فكان الأدب المكتوب في المعتقلات الصهيونية, صورة حية واقعية لاتنفيساً عن اختناق أو تصويراً للبطولات.

ويرى الأسير المحرر الأديب خضير محجز,أن أدب السجون هو امتداد للأدب العربي لما يحمله من مميزات وخصائص وحس إنساني ومصداقية, وأدب السجون هو( كل ماكتبه الأسرى عن السجن وغيره داخل السجن وليس خارجه) وبشرط أن يكون من أجناس أدبية كالرواية والقصة والشعر,لتمييزه عن إنتاجان الأسرى   داخل الاعتقال كالدراسات السياسية والأبحاث التاريخية, والترجمات من الصحف «الإسرائيلية» والتي يمكن تسميتها (أدبيات الفصائل).

والأديب المحرر فايز أبو شمالة, يرى أن لأدب السجون شقين ,ما يتعلق بالسجناء أنفسهم وما كتبوه داخل السجن وما وثقوه أثناء وجودهم في السجن وبعد خروجهم, وشق يتعلق بما عبر عنه الأدباء خارج السجن الذين استمعوا لحياة السجن وعاشوا بوجدانهم تجربة السجناء, وعبروا عنها بصياغتهم الخاصة.

العوامل  التي ساعدت في ظهور أدب السجون الفلسطيني :

فرض أدب السجون نفسه كظاهرة أدبية في الأدب الفلسطيني الحديث, فالشعراء الفلسطينيون الكبار  محمود درويش, وسميح القاسم  وتوفيق زيادة,أثروا الساحة الأدبية بهذا الأدب المقاوم, وأبرز سماته تتمثل في التمسك بالأرض والالتزام المقاوم الذي تجلى في نصوصهم, فأًطلق عليهم (رواد شعر المقاومة الفلسطينية) وساهمت عدة عوامل على الكتابة الأدبية لدى الأسرى وكان أهمها:

1-دخول الكتب الأدبية للسجون عام 1972 والتي مثلت العصر الذهبي للأسرى على الصعيد الثقافي, وازدهرت القراءات الأدبية لتشمل طيفا واسعا ابتداء من غسان كنفاني واميل حبيبي في مجال الرواية, مروراً بنجيب محفوظ  وتوفيق الحكيم وطه حسين والطيب الصالح, وكتّاب الأدب السوفيتي وشكسبير وتشارلز ديكنيز وفيكتور هوغو في اوروبا.

2-تنامي قوة الحركة الوطنية الأسيرة وتطور أساليب الإسناد الجماهيري لها ,ما أدى إلى لجم شراسة القمع الجسدي والفكري وخفف من حدة القهر الممارس ضد الأسرى.

3-اضطرار إدارة السجن للسماح بإدخال التلفاز إلى غرف السجن, ما أتاح للمعتقلين الاطلاع على العالم الخارجي من خلال متابعة بعض البرامج الأدبية والفنية في الفضائيات العربية التي سمحت بها إدارة مصلحة السجون لفترات محدودة.

4-دور المجلات والنشرات والصحف  التي يصدرها المعتقلون , واهتمامهم بنشر النصوص الأدبية والقصائد الشعرية في المجلات الأدبية.

5-نشر أعمال بعض المعتقلين خارج أسوار السجن بعد تهريبها بطرق مختلفة.

إن تطلع الأسير للحرية وملء الوقت بالاهتمامات الثقافية, وخاصة الأدبية التي تحمله للأفق الواسع يمثل تحدياً لمشروع السجان الساعي لحصر جسده وروحه في أمتار قليلة معدودة,وشجعت بعض المؤسسات المهتمة بقضايا الأسرى للمشاركة بجوائز عديدة, تعلن عنها هيئة شؤون الأسرى والمحررين في مجال الرواية والقصة والفيلم والأغنية .

 

كيف ترى كتابات الأسرى النور:

بسريّة تامة وبخط صغير وفي ورقة واحدة متراصة,يدوّن الأسير الفلسطيني أفكاره  ويلف الورقة إلى أصغر حجم ويجعلها أشبه بكبسولة دواء, يغطيها بقطعة بلاستيكية لتصبح قابلة للبلع في طريقها لأمعاء أسير آخر على وشك التحرر لتهريبها خارج السجن.

يعرّف الأسرى الفلسطينيون داخل السجون مفهوم الكبسولة, بأنها الوسيلة الوحيدة لنقل أعمالهم الأدبية لخارج السجن , قبل أن يستطيعوا فرض توفير كراسات ليكتبوا عليها ما يريدون بعد سلسلة من الإضرابات التي خاضوها وجعلوها أحد شروطهم, يصف فارس محروم شقيق الأسير المحرر بصفقة شاليط 2011 سامر محروم, بأن الكتابة داخل السجن ليست بالأمر السهل أبداً, وخاصةً حينما تغيب الأوراق والأقلام وفي ظل إنارة سيئة جداً, وقد كتب أخيه كتابين داخل الأسر وكان مجرد تجميع فصولهما أمراً في غاية الصعوبة والتعقيد.

سمات جمالية لأدب السجون:

1- العمق: يمتاز أدب السجون بعمق التعبير في الدلالة والمضمون, والربط بين الفكرة والأسلوب.

2-الرمزية :غالباً م ايلجأ الكاتب للرموز للتعبير عما يختلج في حناياه.

3-التصوير الفني: يعمد الأديب لتشكيل فكرته وشعوره في قالب لغوي جديد, فتعطي النصوص الأدبية مشاهد صامتة أو انعطافات على مشاهد مفعمة بالحركة.

4-البلاغة :الصناعة البلاغية شائعة الاستخدام كالكنايات والاستعارات, والتشبيهات والمجاز والمحسنات اللفظية.

5-الاختزال:أي ضبط الفكرة التي تحتاج إلى شرحٍ كثيرفي فقرة صغيرة.

6-العاطفة المتأججة:فلا تجد نصوصا متكلفة البناء أو المعنى, إنما منسجمة مع العاطفة التي تحكم القالب اللغوي المستخدم.

7-سعة الخيال:فالخيال  هو فضاء الكاتب الرحب يتجول به دون رقيب, لتندمج أفكاره مع بنات خياله بقالب لغوي خاص.

8-الحزن المشوب بالتحدي :سمة الحزن تكاد لا تفارق المقطوعات والنصوص,حتى تلك التي أدوا بها صياغة مساحة من الفرح, وأفضل ما يمكن تسمية أفراحهم به هو* الجراح الباسمة*.

9-الثقافة الواسعة: فالأسرى يهتمون بتنمية ذواتهم ومهاراتهم ,وتميزت أعمالهم الأدبية بأنها الأغنى والأكثر شمولية  بين تجارب الشعوب, وذلك لارتباطها بالقضية الفلسطينية وتحرير فلسطين وطبيعة الاحتلال الإسرائيلي.

وكان الشعر هو رفيق الإبداع الأول فهو أسرع الأنواع الأدبية استجابة للتعبير عن المعاناة, أما الرواية كما يراها الناقد والمحاضر في الجامعة الإسلامية (عبد الخالق العف) هي أكثر الأجناس الأدبية المعبرة عن حالة الاعتقال ,كما استطاع الأسرى الفلسطينيون في السبعينيات بعد الكثير من الخطوات النضالية بانتزاع حق مراسلة ذويهم ,عبر الصليب الأحمر الدولي ومن ثم البريد الرسمي  وبدأت الموافقة بحصر الرسالة  باقل من 10 اسطر.

ومع مرور الوقت وتطور الإمكانيات الأدبية للأسرى, تحولت رسائل المعتقلين إلى أشبه بنصوص أدبية حملت مشاعرهم وعبرت عن أفكارهم ,ومثّلت رسالة المعتقلين قيمة أدبية ونضالية وتاريخية يمكن من خلالها, الوقوف على مراحل التجربة الاعتقالية وخصائصها والتعرف على ظروف ومستوى تطور المعتقلين,وارتقت الرسائل من الجانب الإخباري إلى التحليلي وثم الإبداعي ,واختلف النقاد والمختصون في مكانة الرسالة وإرفاقها بأدب السجون ,والبعض يرى أنها تستحق وبجدارة أن تكون في صدارة هذا اللون من أدبيات الأسرى.

مراحل التجربة الإبداعية للمعتقلين:

لم تأت التجربة دفعة واحدة بل مرت بعدة مراحل صقلتها, فعُدت جوهرة فريدة أثبتت حضورها ومكانتها في المشهد الأدبي الفلسطيني  وهذه المراحل هي:

1-المرحلة الأولى: مرحلة البدايات في السبعينيات ,والتي نجح فيها المعتقلون في فرض مطالبهم على إدارة السجون الإسرائيلية, وقد استخدم المعتقلون المواد التي تعلموها في برامج تعليمية لتعليمها لعدد من المعتقلين الذين لا يعرفون القراءة والكتابة ,مما يدفع أيضا بمن يعلّم لتحسين مستواه الثقافي والعلمي ليكون قادراً على العطاء بالمستوى اللائق,  مما أدى إلى الانتقال من الدور التعليمي للدور التثقيفي ,وكان لرسائل المعتقلين لذويهم الدور المهم في هذه المرحلة .

2-المرحلة الثانية:فترة الثمانينات حيث تطور الإبداع لدى المعتقلين وتعددت أنواعه, وكانت قد اتسعت معارف المعتقلين وتشعبت ثقافتهم مع السماح بإدخال الكتب الثقافية المتنوعة,كما لعب المثقفون الأكاديميون الذين اعتقلوا في هذه الفترة دوراً أساسياً في التجربة الأدبية داخل المعتقل, حيث ساهموا في توجيه المعتقلين من الكتّاب والأدباء نحو آليات وقواعد الشعر والنثر, وتتوجت إبداعات المناضلين الأسرى بإصدار روايات من داخل السجن, أغلبها روايات تسجيلية تحكي واقع المعتقل وظروفه المعيشية وممارسات السجان  .

لذا يرى الناقد الأدبي( عبد الفتاح أبو زايدة) المحاضر في جامعات غزة, أنه يجب تجنب القسوة في انتقاد كتابات الأسرى من باب تشجيعهم على الكتابة,للتعبير عما بداخلهم وتوثيق اعتداءات الاحتلال اصهيوني.

المرحلة الثالثة:شهدت هذه المرحلة تنوعاً في إبداعات المعتقلين , وتطوراً كمياً في النتاجات الإبداعية وتحول الأدب من ممارسة هواية لمشاركة نضالية في أحداث الانتفاضة.

المرحلة الرابعة:ما بعد قيام السلطة أثر الوضع السياسي الذي أفرزه اتفاق أوسلو وما نتج عنه من تغييرات لمفهوم الصراع الفلسطيني الصهيوني, تأثيراً كبيراً على النتاج الأدبي الإبداعي لدى المعتقلين الفلسطينيين, حيث ظهر تراجع في الكتابة الأدبية والإبداعية وغاب زخم السبعينات وما بعدها.

ويمكننا أن نجمل بعضاً من القضايا التي تناولها المعتقلون بكتاباتهم وأنتاجاتهم:

– تسجيل واقع المعتقل ورسم صورة للسجان وممارساته الوحشية بتعذيب المعتقلين .

– تناول قضايا الحياة العامة خلف القضبان كالمواجهة والتحدي والحرمان والإضرابات داخل المعتقل.

– النضال مع أبناء شعبهم ضد الاحتلال ومع الأحداث الوطنية كاجتياح لبنان.

– عبروا عن أحلامهم بالليل التي تمتزج فيها المشاهد بين القيد والانطلاق والحرية هاجسهم وأمنيتهم الأولى

– السجن القابع فيه المعتقل هو من أكثر المواضيع التي تناولها الأدباء المعتقلون مجالا خصبا لإبداعاتهم لما انطوى عليه هذا المكان  اللعين, من تعذيب وقهر ومهانة وبالوجه الآخر لماحمل من بطولة وتحد ورباطة جأش, فكتبوا عن مساحة السجن الضيقة والزنازين الانفرادية ووصفوا أسوار السجن وجدرانه وقضبانه وأقبية التحقيق وأدوات التعذيب.

 

عن نور الدين رديني

مدير التحرير

شاهد أيضاً

أدب السجون أم أدب الحياة !(1)

أحمد علي هلال (مجلة فتح العدد – 756) إذا كان اصطلاح أدب السجون يحيلنا بالبداهة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

آخر الأخبار