“فورين بوليسي”: كيف يمكن أن تتفكك أوروبا إذا عاد ترامب؟

هال براندز

أيّهما أوروبا الحقيقية؟ القارة السلمية والديمقراطية والموحّدة بمعظمها التي عرفتها العقود القليلة الماضية؟ أم أوروبا الممزّقة والمتقلّبة والمبتلاة بالصراعات التي كانت موجودة قبل قرون؟ قد نكتشف الإجابة قريباً في حال فاز دونالد ترامب بالانتخابات الرئاسية الأميركية التي ستُجرى في تشرين الثاني/نوفمبر.

 

كان ترامب يفكر في سحب الولايات المتحدة من  حلف الناتو خلال فترة ولايته الرئاسية الأولى. ويعتقد بعض مساعديه السابقين أنه قد يفعل ذلك حقاً في حال حصوله على فرصة ثانية. ولا يقتصر الأمر على ترامب وحده الذي يتحدث بهذه الطريقة، فقد زعم السيناتور الأميركي جيه دي فانس، أحد أبرز مؤيدي مبادرة “أميركا أولاً”، قائلاً: “لقد حان الوقت لكي تقف أوروبا على قدميها”. وحتى بين أولئك الذين لا يؤيدون صراحة روح مبادرة “أميركا أولاً”، فإن جاذبية الأولويات المتنافسة، وخاصة في آسيا، تزداد قوة. فقد تصبح أوروبا ما بعد الولايات المتحدة أكثر اعتدالاً من أي وقت مضى. ويجدر هنا السؤال عن نوع المكان الذي يمكن أن تكونه.

 

ويأمل المتفائلون أن تتمكّن أوروبا من الاستمرار في تحقيق الازدهار، حتى لو فقدت المظلة الأمنية الأميركية التي سيحتفل بها زعماء “الناتو” في قمة الذكرى السنوية الـ 75 لتأسيس الحلف في واشنطن في تموز/يوليو. ومن هذا المنطلق، قد تعود الولايات المتحدة إلى ديارها، لكن أوروبا التي أصبحت ثرية ومستقرة وديمقراطية على مدى السنوات الثمانين الماضية، من المرجح أن تناضل ما بعد الولايات المتحدة من أجل التصدي للتهديدات التي تواجهها، بل وربما تعود في النهاية إلى تبنيّ الأساليب الأكثر قتامة وفوضوية وغير ليبرالية التي كانت تتبعها في الماضي. وفي هذا السياق، حذّر الرئيس ماكرون في أواخر نيسان/أبريل، قائلاً: “أوروبا تُحتضر اليوم وقد تموت غداً”. وفي عالم “أميركا أولاً”، قد يكون الأمر مشابهاً.

 

لقد شهدت أوروبا تغيرات جذرية منذ الحرب العالمية الثانية، حتى إنّ الكثير من الناس، والأميركيين بشكل خاص، نسوا كيف بدت القارة يائسة ذات يوم. فأوروبا القديمة أنتجت بعضاً من أكبر المعتدين وأكثر الطغاة طموحاً في التاريخ؛ وأثارت طموحاتها الاستعمارية وخصوماتها الداخلية صراعات اجتاحت بلدان العالم. وكانت أوروبا أرض “الحروب الأبدية” والاضطرابات الدائمة، كما قال الطيار والحيادي البارز تشارلز ليندبيرغ في عام 1941، ومن الأفضل للولايات المتحدة أن تبقى بعيدة عن تلك القارة الملعونة.

 

وقد شكّلت الجغرافيا المشكلة الأساسية لأنها حشرت عدداً كبيراً جداً من المتنافسين الأقوياء في مكان واحد. فكانت الطريقة الوحيدة للبقاء على قيد الحياة في هذه البيئة هي التوسع على حساب الآخرين؛ وقد حكمت هذه الديناميكية على أوروبا بدوامة من الصراعات الكارثية. وبعد عام 1870، أدى ظهور ألمانيا الموحّدة باعتبارها القوة الصناعية والعسكرية الماحقة في قلب المنطقة إلى جعل هذه الصراعات سامّة أكثر. وكانت السياسة في القارة متقلّبة حالها حال الجغرافيا السياسية؛ فمنذ الثورة الفرنسية وما بعدها، شهدت أوروبا تقلبات حادة بين الليبرالية وبعض أشكال الاستبداد الأكثر بشاعة في التاريخ.

 

وفي أواخر الأربعينيات، لم يكن هناك سبب للاعتقاد بأنّ الحرب العالمية الثانية قد كسرت هذه الدوامة. إذ بقيت المنافسات القديمة قائمة؛ فكانت فرنسا مرعوبة من أن تنتفض ألمانيا وتجتاح جيرانها مرة أخرى. وشكّلت الراديكالية الجديدة المتمثلة بالاتحاد السوفياتي والشيوعيين الأوروبيين الذين سيطروا عليها تهديداً، في حين ظلت الديكتاتوريات اليمينية راسخة في كلّ من البرتغال وإسبانيا. فكانت الديمقراطية مهددة في الكثير من البلدان؛ وكان الحرمان الاقتصادي يسرّع وتيرة المنافسة والانقسام في القارة.

 

لم تكن ولادة أوروبا الجديدة أمراً حتمياً؛ فقد تطلب الأمر تدخلاً جذرياً وغير مسبوق من قِبَل الدولة نفسها التي سعت لفترة طويلة إلى تجنب الصراعات في القارة. وقد أتى هذا التدخل نتيجة الحرب الباردة، التي هددت بجعل انهيار آخر للتوازن الأوروبي أمراً غير مقبول حتى بالنسبة إلى قوة عظمى بعيدة. وقد تبلورت هذه الحركة تدريجياً، في ظروف فوضوية في كثير من الأحيان، في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات من القرن الماضي. وتضمنت مجموعة من الالتزامات المتداخلة والنتائج الثورية.

 

وكان الأمر الأكثر أهمية هو الالتزام الأمني ​​الأميركي، عبر حلف شمال الأطلسي وعمليات نشر القوات التي أثبتت ذلك الالتزام. فكسرت الحماية العسكرية الأميركية حلقة العنف المدمرة من خلال حماية أوروبا الغربية من الخارج، ومن غرائز التدمير الذاتي الخاصة بها. ومع حماية الولايات المتحدة للمنطقة، لم يعد الأعداء القدامى مضطرين إلى الخوف من بعضهم البعض. وفي هذا الصدد، قال أحد المسؤولين البريطانيين في عام 1948 إنّ حلف شمال الأطلسي سيجعل “المشكلة المستمرة منذ زمن طويل بين ألمانيا وفرنسا … تختفي”. وعليه، بات في وسع بلدان أوروبا الغربية أخيراً تحقيق الأمن من دون حرمان البلدان الأخرى منه. وهذا بدوره أدّى إلى عرقلة المنافسات السياسية وسباقات التسلح التي ابتليت بها المنطقة، ما سمح لأعضائها بالتسلح في مواجهة أي تهديدات مشتركة.

 

وهكذا سمحت سياسة الولايات المتحدة بإحداث تغيير ثانٍ تمثل في تحقيق تعاون اقتصادي وسياسي غير مسبوق. ومن خلال “خطة مارشال”، دفعت الولايات المتحدة بقوة نحو التعاون بين البلدان الأوروبية كشرط لمساعدات التعافي، ما أدّى إلى ترسيخ الهيكليات العابرة للحدود الوطنية التي أصبحت في ما بعد المجموعة الاقتصادية الأوروبية والاتحاد الأوروبي. وقد سهّل الوجود العسكري الأميركي هذا التعاون من خلال السماح للأعداء السابقين بتجميع مواردهم من دون المساس بأمنهم. وفي عام 1949، قال مستشار ألمانيا الغربية كونراد أديناور إنّ الأميركيين هم “أفضل الأوروبيين”. وبعبارة أخرى، سمح وجود واشنطن لحلفائها الأوروبيين بدفن صراعات الماضي.

 

أمّا التغيير الثالث، فكان سياسياً. فإذا كانت جذور العدوانية تمتد إلى الاستبداد، فإنّ تغيير الجغرافيا السياسية في أوروبا يتطلب تغيير سياساتها. وقد بدأ هذا التغيير مع التحول الديمقراطي القسري الذي شهدته ألمانيا الغربية في ظل الاحتلال الأميركي. وقد شمل هذا التغيير استخدام مساعدات “خطة مارشال” لتنشيط الديمقراطيات الهشة وترسيخها.

 

لقد ساعد التدخل الأميركي في تحويل “القارة المظلمة”، كما وصف المؤرخ مارك مازور أوروبا، إلى جنة ما بعد تاريخية في صميم نظام ليبرالي آخذ في التوسع؛ وشكل إنجازاً غيّر وجه العالم. لكنّ بعض الأميركيين مصممون اليوم على تعريضه للخطر.

 

لم يكن المقصود من التزام الولايات المتحدة تجاه أوروبا أن يستمر إلى الأبد. وكان بول هوفمان، الذي أشرف على “خطة مارشال”، يحب أن يقول مازحاً إنّ هدفه كان “جعل أوروبا تقف على قدميها وتتوقف عن الضغط علينا”. وفي الخمسينيات، تساءل الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور عن موعد تمكّن الأوروبيين من التقدّم إلى الأمام حتى تتمكن واشنطن من “الجلوس والاسترخاء إلى حد ما”. وفي مناسبات كثيرة، فكّرت الولايات المتحدة في خفض عديد قواتها الموجودة في أوروبا أو حتى في سحبها.

 

ولا ينبغي لهذا الأمر أن يكون مفاجئاً؛ فكما جلب الدور الأميركي في أوروبا فوائد استثنائية، فرض أيضاً تكاليف هائلة. وقد تعهدت الولايات المتحدة بالدفاع عن بلدان تبعد عنها آلاف الأميال، حتى في ظل خطر نشوب حرب نووية. ومن خلال توفير المساعدات الخارجية والسماح بالوصول المتباين إلى سوقها المحلية الواسعة، أعادت بناء القارة وساعدت الدول الأجنبية على النمو بشكل أسرع من الولايات المتحدة نفسها.

 

وقد تسامحت مع قادة الحلفاء، أمثال الرئيس الفرنسي شارل ديغول، الذي بدا في بعض الأحيان غير راض نهائياً عن الحماية التي قدمتها الولايات المتحدة. كما تخلّصت واشنطن من أحد تقاليدها الدبلوماسية الأكثر تبجيلاً المتمثل في كره التحالفات المقيّدة، لتصبح وصية على قارة لم تكن سوى مصدر إزعاج لها لفترة طويلة.

 

وقد تم التحكم في التناقض الناجم عن ذلك بسبب مقتضيات الحرب الباردة، ولأنّ المنتقدين لم يتمكنوا قط من تقديم مفهوم عملي للأمن الأوروبي من دون الاستعانة بالولايات المتحدة. أمّا اليوم، ومع استمرار المضايقات القديمة والتحديات الجديدة التي تجذب انتباه واشنطن إلى اتجاهات أخرى، أصبحت الشكوك الأميركية تجاه أوروبا أقوى من أي وقت مضى وعرّابها ترامب.

 

إذ أعرب ترامب عن أسفه للأعباء التي تتحمّلها واشنطن في حلف شمال الأطلسي، وهدّد بالسماح للروس بأن يفعلوا “ما يريدون” للحلفاء الأوروبيين الذين ينتفعون بالمجان. ومن الواضح أنّه يكره الاتحاد الأوروبي، الذي لا ينظر إليه باعتباره تتويجاً للوحدة القارية، بل كمنافس اقتصادي شرس. وباعتباره شعبوياً غير ليبرالي، فهو غير مكترث – إنّ لم يكن معادياً تماماً – لمصير الديمقراطية الليبرالية في أوروبا. ويتساءل: لماذا يتعين على الأميركيين الاهتمام بأوروبا، في حين أنّ هناك “محيطاً بيننا”؟ عندما يروّج ترامب لسياسته الخارجية “أميركا أولاً”، فإنّه يعني سياسة خارجية تتخلى فيها الولايات المتحدة أخيراً عن التزاماتها الاستثنائية التي أخذتها على عاتقها منذ الحرب العالمية الثانية.

 

وللتوضيح، لا أحد يعرف تحديداً ما قد يفعله ترامب في منصبه. فالانسحاب الكامل من حلف شمال الأطلسي، والذي من شأنه أن يثير غضب الأمميين الجمهوريين المتبقين، قد لا يستحق الثمن السياسي الذي سيُدفع. ولكن مع تنافس ترامب على الرئاسة ومعاونيه الذين يكتسبون قوة بين الجمهوريين، وتزايد حدّة التهديد الذي تشكّله الصين على المصالح الأميركية في آسيا، حان الوقت لنأخذ على محمل الجد احتمال أن تغادر الولايات المتحدة أوروبا يوماً ما والتفكير في ما قد يحدث بعد ذلك.

 

في سيناريو متفائل، ستظل أوروبا ديمقراطية ومتماسكة وموحدة في مواجهة أعدائها. فقد يجبر انسحاب الولايات المتحدة الاتحاد الأوروبي على دعم أوكرانيا خلال الحرب القائمة، وإعطاء كييف ضمانات أمنية مُجدية بعد تحقيق السلام، وتحويل نفسه إلى جهة فاعلة عسكرية ذات مستوى عالمي من أجل درء روسيا والتهديدات الأخرى التي تصدت لها الولايات المتحدة في السابق. وبالتالي، ستظهر أوروبا كداعم قوي ومستقل للنظام العالمي الليبرالي. وستكون واشنطن حرّة في التركيز على أولويات أخرى.

 

من المؤكد أنّ أوروبا تمتلك الموارد اللازمة للدفاع عن نفسها. فهي لم تعد ذاك المكان الهش والبائس الذي كان سائداً في أواخر الأربعينيات، بل هي مجتمع غني، ويمكن أن يكون قوياً، أصبحت فيه الديمقراطية والتعاون قاعدة أساسية. ويبلغ الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي نحو 10 أضعاف نظيره في روسيا. ومنذ عام 2022، قدّمت دول الاتحاد الأوروبي بشكل جماعي مساعدات عسكرية وغيرها من المساعدات لأوكرانيا أكبر من تلك التي قدمتها الولايات المتحدة، وهي تعيد الاستثمار أخيراً في الصناعات الدفاعية التي ضمرت بعد الحرب الباردة. علاوة على ذلك، يستعد القادة الأوروبيون بالفعل لمستقبل ما بعد الولايات المتحدة، سواء من خلال تحويل بلدانهم إلى قوى عسكرية جادة، كما تفعل بولندا، أو من خلال الدعوة إلى الدفع المتجدد نحو الحكم الذاتي الاستراتيجي الأوروبي، وهو الأولوية الدائمة في باريس. ووفق ما أعلن ماكرون، الرئيس الذي يبدو الأكثر تفاؤلاً بشأن تطلعات ما بعد الولايات المتحدة في أوروبا، في نيسان/أبريل، فقد فات الأوان لبناء قارة “أكثر اتحاداً وسيادة وديمقراطية”.

 

من السهل اكتشاف المشكلات المتعلقة بالسيناريو المتفائل. فعندما يروّج ماكرون للتكامل الأوروبي كبديل للقيادة الأميركية، يبدو أنّه ينسى أنّ أوروبا غدت موحدة ومتماسكة على وجه التحديد بسبب جو الطمأنينة الذي وفّرته واشنطن. وفي الحالات السابقة التي تراجعت فيها الولايات المتحدة للسماح للقوى الأوروبية بالتقدم إلى الأمام، على سبيل المثال في بداية حروب البلقان في أوائل التسعينيات، كانت النتيجة في كثير من الأحيان الفوضى بدلاً من التماسك الاستراتيجي. كما كان الاتحاد الأوروبي منقسماً بشدة حول كيفية التعامل مع العملية الروسية حتى شباط/فبراير 2022، إلى أن أخذت واشنطن زمام المبادرة مبكراً لإمداد أوكرانيا بالمساعدات. وعليه، فإنّ الدرس المستفاد هنا هو أنّه من الصعب للغاية تنسيق العمل الجماعي بين العشرات من البلدان ذات المصالح والثقافات الاستراتيجية المتميزة، ما لم يكن هناك من يفرض سيطرته ويوفر القيادة.

 

وإذا كانت أوروبا المستقلة والقوية جيوسياسياً تبدو عظيمة، فلا أحد يمكنه أن يتفق على اسم لقيادتها. وفرنسا سريعة دائماً في التطوع، الأمر الذي يثير انزعاجاً كبيراً لدى الدول الأخرى، ولا سيّما في أوروبا الشرقية، التي لا تعتقد حقاً أنّ باريس لديها  الاستعداد أو القدرة على التعامل مع أمنها باعتباره أمنها الخاص. في المقابل، تتمتع برلين بالموارد الاقتصادية اللازمة لقيادة القارة، لكن الطبقة السياسية فيها تشعر بالقلق منذ فترة طويلة من أن القيام بذلك من شأنه ببساطة إحياء المخاوف من القوة الألمانية. وقد تكون محقة؛ فقد كان توحيد ألمانيا بعد الحرب الباردة مقبولاً من جانب جيرانها فحسب، لأنهم حصلوا على ضمانات بأنّ برلين، التي يدعمها كل من الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، لن يُسمح لها بالسعي وراء السيادة الأوروبية. من الصعب الهروب من الاستنتاج القائل إنّ الأوروبيين كانوا مستعدين للتسامح مع القيادة الأميركية تحديداً، لأنّ الولايات المتحدة ليست أوروبية، لذا يمكنها ممارسة السلطة من دون تجديد التوترات التي مزقت القارة ذات يوم.

 

وهذا الأمر مرتبط بمشكلة أخيرة. فأوروبا القادرة على التعامل مع شؤونها الأمنية ستكون أكثر تسليحاً مما هي عليه اليوم. ولا بد من أن يرتفع الإنفاق الدفاعي بمقدار ضعفين أو ثلاثة أضعاف في عدد من البلدان. كما ستستثمر الدول الأوروبية بكثافة في الأسلحة الأكثر فتكاً في العالم، منها الصواريخ، والطائرات الهجومية، وقدرات استعراض القوة المتطورة. ومع فقدان المظلة النووية الأميركية، يمكن لدول خط المواجهة التي تأمل في ردع روسيا، وأولها بولندا، أن تسعى إلى الحصول على أسلحة نووية خاصة بها.

 

فلنفترض أن أوروبا تسلحت بطريقة جادة. وفي غياب الغطاء الأمني ​​الأميركي، فإنّ قيام الدول الأوروبية بتطوير القدرات التي تحتاجها لمواجهة التهديدات الخارجية قد يثير المخاوف الناجمة عن الاختلالات العسكرية في الداخل. بعبارة أخرى، تشكّل الدبابات الألمانية في أوروبا التي تحميها القوة الأميركية مساهمة في الأمن المشترك. وفي أوروبا ما بعد الولايات المتحدة، قد تبدو هذه الدبابات أكثر خطورة بكثير.

 

أمّا السيناريو الثاني، فيتلخص في أوروبا ما بعد الولايات المتحدة الضعيفة والمنقسمة، القارة التي لا تتقاتل بلدانها مع بعضها البعض ولكنها لا تدعم بعضها البعض. ولن تكون أوروبا بمنزلة العودة إلى الفوضى بقدر ما ستكون استمراراً للسبات. وسيفشل الاتحاد الأوروبي في توليد القوة العسكرية اللازمة لتحرير أوكرانيا وحماية دول خط المواجهة الشرقية. وسيكافح من أجل التعامل مع التهديدات الاقتصادية والجيوسياسية التي تفرضها الصين. وعليه، قد تجد أوروبا نفسها واقعاً عالقة بين روسيا والصين والولايات المتحدة المعادية في عهد ترامب. ربما لم تعد أوروبا مركزاً للتنافس الجيوسياسي، لكنها ستفقد نفوذها وأمنها في عالم مضطرب.

 

وهذا هو السيناريو الدقيق الذي يقلق ماكرون وغيره من القادة الأوروبيين. إذ تهدف الكثير من المبادرات الدفاعية الأوروبية قيد التنفيذ أو قيد الدراسة إلى تجنبه. وعلى المدى القريب، سيصبح وجود أوروبا الضعيفة والمفككة أمراً شبه مؤكد.

 

وذلك لأنّ انسحاب الولايات المتحدة من شأنه أن يضعف حلف “الناتو”. إذ سيخسر التحالف أقوى أعضائه وأكثرهم خبرة في المعارك، وهو الدولة التي تمتلك حصة الأسد من قدراته المتقدمة وتهيمن على ترتيبات القيادة والسيطرة الخاصة فيه. في الحقيقة، تُعد الولايات المتحدة الدولة الوحيدة في حلف شمال الأطلسي التي تتمتع بالقدرة الاستراتيجية والبراعة اللوجستية اللازمتين للتدخل بشكل حاسم على الجبهة الشرقية لأوروبا وخارجها. وما تبقى من التحالف سيكون مزيجاً من الجيوش الأوروبية التي تم تأسيسها عموماً للقتال بالتنسيق مع القوات الأميركية والتي تفتقر إلى القدرة على العمل بفعالية من دونها. وستحظى هذه القوات بدعم قاعدة صناعية دفاعية ضعيفة ومجزأة، إذ يمتلك أعضاء “الناتو” الأوروبيين مزيجاً متداخلاً يضم أكثر من 170 نظام أسلحة أساسياً، غير قادرة على توفير دعم سريع ومنسق.

 

وعقب انسحاب الولايات المتحدة، ستواجه أوروبا المنهكة عسكرياً روسيا التي وصلت إلى مستوى تعبئة أعلى من أي وقت مضى منذ عقود من الزمن، مع وجود خيارات شحيحة أمام أوروبا لمعالجة ضعفها في أي وقت قريب.

 

إنّ تحقيق التوازن مع روسيا من دون قوة الولايات المتحدة سيتطلب زيادات هائلة ومرهقة مالياً في النفقات العسكرية الأوروبية، بل وأكثر من ذلك إذا نجحت روسيا في إخضاع أوكرانيا ودمج سكانها واقتصادها في آلة الكرملين العسكرية. ومع افتقارها إلى “الامتياز الكبير” الذي تتمتع به حكومة الولايات المتحدة والمتمثل في إدارة عجز ضخم إلى أجل غير مسمّى، ستضطر الدول الأوروبية إلى فرض زيادات ضريبية ضخمة لا تحظى بشعبية أو خفض برامج الرعاية الاجتماعية. وبالتالي، قد تدفع بعض الدول، مثل بولندا ودول البلطيق، هذا الثمن للحفاظ على استقلالها، بينما قد يقرر آخرون أنّ الاستعداد العسكري لا يستحق تمزيق العقد الاجتماعي، وأنّ استيعاب روسيا يُعد المسار الأكثر حكمة.

 

أو ربما تختلف الدول الأوروبية حول التهديدات التي يجب مواجهتها. فحتى خلال الحرب الباردة، هدد الاتحاد السوفياتي، على سبيل المثال، ألمانيا الغربية بشكل أشد بكثير من التهديد الذي هدد به البرتغال. ومع نمو الاتحاد الأوروبي، أصبحت مشكلة التصورات المتباينة للتهديد أكثر حدة. فالدول في الشرق والشمال تشعر بالخوف من روسيا في ظل حكم فلاديمير بوتين، وربما توحد قواها للدفاع عن بعضها البعض. أمّا الدول الواقعة في أقصى الغرب والجنوب، فقد تقلق أكثر بشأن الإرهاب والهجرة الجماعية وغيرها من التهديدات غير التقليدية. لقد لعبت واشنطن منذ فترة طويلة دور الوسيط النزيه في مثل هذه النزاعات داخل حلف شمال الأطلسي أو وفّرت ببساطة هامش القوة الذي يسمح لمجتمع متنوع عبر المحيط الأطلسي بالقيام بأشياء متعددة في وقت واحد. ومن دون هذه القيادة، قد تتفتت أوروبا وتتعثر.

 

وهذه نتيجة سيئة، لكنها ليست الأسوأ. وفي السيناريو الثالث، قد يبدو مستقبل أوروبا مشابهاً إلى حد كبير لماضيها.

 

وفي أوروبا هذه، يُعَد الضعف حالة مؤقتة، والفشل في التغلب على مشكلات العمل الجماعي مثل أمن الاتحاد الأوروبي ليس سوى البداية. فمع انحسار نفوذ واشنطن المعزز للاستقرار، تبدأ العداوات الوطنية المكبوتة منذ فترة طويلة في الظهور من جديد، ربما ببطء في البداية. فيتصدّع المشروع الأوروبي مع اندلاع المعارك على القيادة الاقتصادية والسياسية في القارة، ويعود السلوك الانتقامي إلى الظهور بتحريض من الشعبويين المحليين والتدخل الأجنبي. وبالتالي، فإنّ الافتقار إلى قوة مهيمنة معتدلة يعيد النزاعات الإقليمية القديمة والأحقاد الجيوسياسية إلى الواجهة. وفي بيئة الاعتماد على الذات، تبدأ الدول الأوروبية في تسليح نفسها بشكل أكبر، ويسعى بعضها إلى تحقيق الأمن الذي لا يمكن أن توفره سوى الأسلحة النووية. وتتراجع الديمقراطية مع انتشار النزعة القومية غير الليبرالية، التي تتسم في كثير من الأحيان بكراهية الأجانب. وبمرور الوقت، وقد يستغرق الأمر أعواماً وربما عقوداً، تصبح أوروبا ما بعد الولايات المتحدة مرتعاً للتطرف والمنافسة. وهذا ما توقعه بعض المراقبين البارزين في أوائل التسعينيات.

 

علاوة على ذلك، هناك اتجاهات سياسية مثيرة للقلق. فالأحزاب مثل حزب التجمع الوطني في فرنسا تصعد وفق استطلاعات الرأي وتتاجر بالقومية الواقعية التي يمكن أن تتحول بسهولة إلى تفكير جيوسياسي محصلته صِفر، مع استعداد قرون من المظالم التاريخية للاستيقاظ. ويظل حزب البديل اليميني المتطرف في ألمانيا منافساً سياسياً حتى مع تحوّله إلى حزب أكثر تطرفاً.

 

إنّ أوروبا الممزقة التي تسيطر عليها شياطينها القديمة هي السيناريو الكابوس، والكوابيس عادة لا تتحقق. وستختفي أدوات امتصاص الصدمات الجيوسياسية التي توفرها القوة الأميركية ومظلتها فوق أوروبا. وستعود حالة عدم اليقين المزعزعة للاستقرار بشأن الوضع والأمن. ولن تشعر البلدان بعد اليوم بالثقة الكافية في قدرتها على ضمان بقائها من دون اللجوء إلى السلوك الذي ميز العصور السابقة، من التعزيزات العسكرية والمنافسات الشديدة. إنّ أوروبا اليوم هي نتاج تشكيل مميز تاريخياً وغير مسبوق من القوة والنفوذ أنشأته الولايات المتحدة. فهل يمكننا حقاً أن نكون على يقين من أنّ الأساليب القديمة السيئة لن تفرض نفسها من جديد بمجرد سحب الضمانات ذاتها التي قمعتها على مدى 75 عاماً؟

 

لا ينبغي لنا أن نخطئ حين نتصور أن تحوّل أوروبا إلى الاتحاد الأوروبي المسالم اليوم لا يمكن التراجع عنه أبداً. ففي نهاية المطاف، شهدت أوروبا فترات من السلام النسبي قبل عام 1945، في العقود التي تلت هزيمة نابليون على سبيل المثال، ولكن هذا السلام انهار بمجرد تحوّل ميزان القوى. ولا تظنّن أن المأساة لا يمكن أن تحل بقارة تبدو مستنيرة للغاية. فتاريخ أوروبا، قبل التدخل الأميركي، كان تاريخ القارة الأكثر تقدماً اقتصادياً والأكثر حداثة في العالم التي تمزق نفسها مراراً وتكراراً إلى أشلاء. وإذا كان هناك درس نستقيه من ماضي أوروبا، فهو أن السقوط قد يحدث في وقت أقرب وبطريقة أكثر انحداراً مما يبدو من الممكن تصوّره حالياً.

 

وقد يتصور مناصرو “أميركا أولاً” أن الولايات المتحدة قادرة على الحصول على كل الفوائد المترتبة على استقرار أوروبا من دون دفع أي من التكاليف. بيد أن سياساتها تخاطر بتذكيرنا بأنّ أوروبا لديها معيار تاريخي أكثر شراً بكثير. وهذا من شأنه أن يشكّل كارثة، وليس بالنسبة إلى أوروبا فحسب. فأوروبا الأضعف والأكثر تشرذماً من شأنها أن تُصعّب التعامل مع التحديات التي تفرضها روسيا أو الصين أو إيران. وأوروبا العنيفة وشديدة التنافس قد تتسبب بحصول تداعيات على نطاق عالمي.

 

وإذا كانت أوروبا قد استفادت من كونها جزءاً من نظام ليبرالي مزدهر في العقود الأخيرة، فإنّ هذا النظام الليبرالي قد استفاد من وجود اتحاد أوروبي سلمي يتوسع تدريجياً في صميمه. وفي حال تحوّلت أوروبا إلى الظلام والشر مرة أخرى، فقد تقوم بتصدير صراعاتها إلى العالم مرّة جديدة. وفي اليوم الذي تنسحب فيه الولايات المتحدة عبر المحيط الأطلسي، فإنّها بذلك تعرض ما هو أكثر بكثير من مستقبل أوروبا للخطر.

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز الإعلام والدراسات الفلسطينية، وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

عن علي محمد

مدير التحرير

شاهد أيضاً

قوى محور المقاومة أكثر حضورًا في شرق سوريا .. واشنطن تسلّم بأمر واقع صعب

لقد أرست عمليات قوى المقاومة في شرق سوريا قواعد جديدة للاشتباك تقيّد حرية كل من …

آخر الأخبار