شجون فلسطينية: في ذكرى حريق المسجد الأقصى ذاكرة الحريق والحريق ما يزال

 ( مجلة فتح العدد – 755 )

أحمد علي هلال

حينما أشعل من وسم بالجنوب جدران المسجد الأقصى، لم يكن فرداً بعينه كان مشروعاً يهدد هوية الأقصى وما يشير إليه بنيانه التاريخي وعمارته الموغلة في التاريخ والحضارة ونقش الهوية… كان مايكل دنيس روهن الإرهابي الأسترالي، وما زال التاريخ شاهداً على تواتر ما فعله روهن غير مرة عبر ما واجهه المسجد الأقصى من موجات استيطانية ومحاولات لم تتوقف منذ 1969، أمام عين التاريخ وذاكرة الجغرافيا، لكن الشهود/ المرابطين مازالوا  ينافحون عن رمزية المسجد الأقصى وقدسيته بكل ما امتلكوا من قوة الأرواح وقوة الحق أمام حق القوة، فمن  الذكرى إلى الذاكرة تعبر السنون لتجعل من الأقصى عمارة روح كل من دافع عنها من التاريخ إلى التاريخ، ومن الذاكرة إلى الذاكرة.

إذ لم يكن ما فعله روهن مجرد حادث عادي/ فردي، بل كان في صلب المشروع الصهيوني لتهويد الأقصى وتبديد هويته الإنسانية والحضارية والقيمية والعقيدية، ذلك درس من الماضي، لكن الماضي يُستعاد بطريقة أو أخرى في راهن القضية الفلسطينية ومستقبلها، فما يعنيه والأقصى في الذاكرة والوجدان الجمعي الإسلامي والمسيحي والإنساني، هو أكثر من كونها قطعة فوق جغرافيا سليبة مهددة على الدوام بالمحو والإلغاء والاستبدال، تلك هي مقومات المشروع الذي تمدد فوق الأرض كلها، قضماً للجغرافيا وتزييفاً للتاريخ.

وكم للشهود المرابطين أن يرووا تلك الوقائع اليومية/ المستقبلية، التي تجعل من الأقصى خط الدفاع الأمامي عن المقدس وعن النص وعن الحقيقة الشاهدة على صعود الأرواح، فتحت كل حجر من حجارة الأقصى تنمو الحكايات خضراء بما يكفي امتدادها في الزمان والمكان، هنا حراس الذاكرة شهوداً وشهداء، هنا القدس المحور والقدس أقرب… هي حبل الوريد في جسد فلسطيني من رأس الناقورة إلى رفح ومن الماء إلى الماء، ومن ذؤابات الشجن إلى نهايات الأرض، وتحدثكم القدس عن يومياتها وعن فجرياتها الطالعة وردة في النشيد، وفاتحة الأزمنة القادمة ذات تحرير للأرض والإنسان.

حريق مديد أشعلته أكاذيب التوراة وبهتان التلمود، في اللاوعي الصهيوني وأساطيره الزائفة ليمتد عبر يوميات ومحكيات متواترة، أي في المشهد اليومي الفارق بعلاماته ووقائعه وبكل ما امتلك الفلسطيني من جسارة الوجود ونضارة الرؤيا، بأن هذه الأرض أرضه، أرض أحلامه، أرض الإسراء المعراج، وليست أرض «اللبن والعسل»، التي حملت أوهام الغزاة طويلاً ليجرؤوا عليها ولكن شبه لهم، لأنها أرض الأرواح العالية، أرض الشمس التي تغيب، شمس بألف نهار، وعبر أجيال مديدة منغرسة هناك كالرماح، تستنهض الأمة لتصبح على وطن جدير بالشهداء والأسرى ومن ظل مرابطاً على أبواب القدس في صباحات فلسطينية، لتقوم الرواية فلسطينية بما يكفي مضارعة لرواية الغزاة، رواية المتجذرين في الأرض وحقائقها المطلقة في وضوحها وتوهجها، ولم يطأ الحريق أرض الذاكرة، لأنها نسيج تلك الأرواح الممتلئة بيقين الشمس لا بعراء الحريق، ولم ينقش روهن سوى ذاكرة للجريمة فحسب في الماضي الغابر، الجريمة التي تتعدد وتتسع لتطاول الإنسان الفلسطيني وجوداً ومصيراً كما الأرض والذاكرة والهوية وتعبيراتها في وعينا الجمعي، ولأن القدس مهماز العودة وعبر بواباته –الأقصى- الحارسة مجد أولئك الطالعين كوردة الصباح مزنرين بالعلم الفلسطيني الذي لم تجف دماءه وحبره مرفوعاً على سارية بحجم البلاد، هناك هناك فوق الأقصى يخفق كما أرواحنا التي تعود صباح مساء.

 

 

عن نور الدين رديني

مدير التحرير

شاهد أيضاً

أدب السجون أم أدب الحياة !(1)

أحمد علي هلال (مجلة فتح العدد – 756) إذا كان اصطلاح أدب السجون يحيلنا بالبداهة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

آخر الأخبار