شفافية الغياب.. عن محمود درويش وسميح القاسم

أحمد علي هلال

( مجلة فتح العدد – 755 )

ليس من المصادفة بمكان أن يلتقي اسم محمود وسميح القاسم بوصفها شاعران مقاومان، في سفر رسائلهم المشتركة، أبعد من بث لواعج الحنين، والكتابة عن معنى التجربة الإبداعية وطقوسها ومناخاتها وكل ما تجهر به من هواجس عليا، بل أبعد من ذلك كله، لأنها كتابة نبوئية استشرفت الانتفاضة الفلسطينية الأولى في ثمانينيات القرن الماضي، ففي ذاكرة الشعر ظل اسميهما متواشجاً بوصفه شقي البرتقالة، أي الداخل والخارج، فإن ما انطوى عليه كتابهما/ أي الرسائل لا يكثف رحلتيهما في الزمان والمكان والقصيدة الوطن والوطن القصيدة، ورحلة المنافي البعيدة والقريبة، وممالك الشوك والملح التي قدّر لهم أن يطأوا أرضها، أرضها المترعة بالينابيع والحالمة بشمس مشرقة تهتك حجب العتمة والظلام، وهذان الصديقان في حواريتهما المشتركة وفي حزم رسائلهما، أسسا لما يعرف بالأدب الفلسطيني المعاصر لأدبية الرسائل كشكل من أشكال المقاومة وهذا هو الجوهر، فالدال المشترك بينهما هو فلسطين، أرض الحلم، فلسطين الفكرة والموت والميلاد والذاكرة ونقش الهوية، فكيف نستحضرهما من الغياب في ذهابهما إلى الأبدية كلها، بفائض ما استبقياه من ظلال مضيئة في الآثار الإبداعية الجمة، أم في سيرهم الملونة، فهما قصيدة لا تنتهي، لأنها وطن بأرض سماء وهوية، وإيقاع أرواح حالمة بغدها وجسارة لغة ضارعت المنفى طويلاً حتى ذوبته بجمر حنينها وملكوت خيالها، وهما القنطرة التي عبر الشعر الفلسطيني من خلالها إلى العالم كله، عبوراً إلى مستحيل ظل الفلسطيني يهزمه ويناوشه على تخوم حلمه وامتداد إرثه شعراً وحياةً ومقاومةً، وسيلمس النقاد في مقاربتهم لتلك الرسائل كيف اتسعت تلك التجربة وكيف تصادت في متونها أسفارهم الشعرية، من رومانسيتها إلى واقعيتها مستبطنة حس النبوءة الذي حمله الخطاب الشعري الفلسطيني في تحولاته وانعطافاته الكبرى، فكيف تكون القصيدة وطناً لتستعيده بخفقات الأيائل واحتراقات الندى، وكيف لنا في الحاضر الممتد على إيقاع التراجيديا الفلسطينية الضارية، إلا أن نذهب في غوايات الشعراء، غوايات التأويل لممكناتهم الشعرية/ الوجودية، التي وسمت خطابهما الشعري المتجاوز للراهن والمشتبك معه بآن، والمتخطي لكل متعالياته صوب قصيدة عالية اسمها فلسطين.

يصدح سميح القاسم «إلى الجحيم أيها الليلك» وهو يوشي بالرمز قناعاً، ويجب العائد من المنفى –درويش- «لغتي منفاي»، قريباً مما قاله ذات يوم فيلسوف باهر اسمه مارتن هايدغر «اللغة مثوى الكينونة».

إذن تلك الكينونة الفلسطينية وصولاً إلى الكيانية الفلسطينية، كانت كلمة السر فيمن أرسو مصفوفة من القيم الفنية في مقابل قيم نضالية راسخة سداها ولحمتها التجذر في الأرض، والأرض هنا هوية مطلقة.

ليس الغياب إلا حضور آخر يقول درويش «تلك أرواح تغير شكلها والمقام»، وفي استحضار الأرواح استحضار مسيرة لامعة مترعة بأساطير الشعر ويومياته النازفة وهواجسه الطليقة وافتراعاته للمعنى، وتشكيل حدوسه رؤيا، كأنما قدر الشعراء هنا أن يذهبوا إلى المستقبل من منصات حاضرهم ليعودوا أكثر اكتمالاً في الذاكرة الثقافية الفلسطينية والعربية والإنسانية، فإرث شعراء فلسطين الراحلين وببلاغة ما كتبوا لأزمنة قادمة، سياقات جمالية وفكرية مازالت تلهم الحاضر لنقول كم خرجت من معاطفهم أجيال من الشعراء والكتاب، تحايث تجربتهم وتتجاوزها إلى المعنى الدال الأبقى في الذاكرة الجماعية فلسطين.

عن نور الدين رديني

مدير التحرير

شاهد أيضاً

أدب السجون أم أدب الحياة !(1)

أحمد علي هلال (مجلة فتح العدد – 756) إذا كان اصطلاح أدب السجون يحيلنا بالبداهة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

آخر الأخبار