قوى محور المقاومة أكثر حضورًا في شرق سوريا .. واشنطن تسلّم بأمر واقع صعب

لقد أرست عمليات قوى المقاومة في شرق سوريا قواعد جديدة للاشتباك تقيّد حرية كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، التي كانت غير مقيّدة ذات يوم من العمل في هذا المسرح الاستراتيجي.

خليل نصر الله

تختلف قواعد الاشتباك شرق سوريا، عن تلك القائمة بين محور المقاومة من جهة وإسرائيل من جهة أخرى في غرب ووسط البلاد

طوال سنوات خلت، كان وجود قوى المقاومة بمختلف أطيافها في سوريا، عرضة للهجمات الأميركية والإسرائيلية، إن في شرق البلاد أو غربها. حاول الأميركيون بشتى السبل عرقلة طرق الوصل بين دول محور المقاومة أو ما يصطلح على تسميته إسرائيليًا وأميركيًا “طريق طهران – بيروت”.

 

بدءًا من عام 2017، جهد القيمون في محور المقاومة على حماية منجز فتح طريق القائم – البوكمال. نجحوا في فرض قواعد اشتباك شرق سوريا، منعت مع مرور الوقت واشنطن من هامش مناورة وتفوّق، خصوصًا أن التموضع غرب نهر الفرات وصولًا إلى أقصى جنوب شرق سوريا كان ولا زال حاجة استراتيجية.

 

مؤخرًا، مع تصاعد عمليات المقاومة العراقية في استهداف القواعد الأميركية في كل من سوريا والعراق، والوصول في بداية شباط/فبراير إلى نوع من التهدئة، سجّلت قوى المقاومة نقاط جديدة ومتقدّمة سمحت لها بتثبيت حضورها خصوصًا مع إرغام واشنطن على القبول بالأمر الواقع.

 

صحيح أن واشنطن شنّت ضربات انتقامية، وبنظر كثيرين نجحت بالوصول إلى تهدئة غير معلنة، لكن تلك التهدئة انطوت عليها تنازلات جوهرية.

 

وفق معطيات نجحت قوى المقاومة مجتمعة من تثبيت الحضورين العسكري والسياسي، وأن واشنطن سلّمت مرغمة بعدم التعرّض للتموضعات في تلك المنطقة. يمكن ملاحظة ذلك مع انكفاء الجيش الإسرائيلي عن تنفيذ أي غارات معادية – حتى الآن – في منطقة شرق سوريا، وهو الذي نفّذ سابقًا عددًا منها أسفر عن استشهاد مقاومين في حزب الله.

 

ويندرج الإنكفاء الإسرائيلي ضمن حسابات أميركية لاعتبار أن الإستهداف هناك لا يمكن أن يتمّ دون إسناد معلوماتي أميركي وضوء أخضر من واشنطن، لذا تتجنّب الأخيرة حتى الآن تغطية أي عمل إسرائيلي سيحسب عليها، وهو ما يعيد مشهد تعرّض قواعدها لضربات قد تكون أكثر قسوة.

 

قواعد الاشتباك شرق سوريا

 

تختلف قواعد الاشتباك شرق سوريا، عن تلك القائمة بين محور المقاومة من جهة وإسرائيل من جهة أخرى في غرب ووسط البلاد.

 

في الشرق، يعدّ الوجود الأميركي غير الشرعي اللاعب الرئيس في مواجهة قوى المقاومة المتموضعة بمختلف تشكيلاتها وبحضور المستشارين الإيرانيين والجيش السوري، وتحديدًا عبر نهر الفرات وصولًا إلى معبر القائم – البوكمال، الأمر الذي يعتبر منّجزًا استراتيجيًا بدأ عام 2017 مع نجاح قوى المقاومة والجيش السوري وروسيا في عمليات “الفجر الكبرى” بمراحلها الثلاث.

 

نجحت قوى المقاومة في سوريا والعراق إضافة إلى الجيش السوري في الوصول إلى البوكمال وتحرير معبر القائم من تنظيم داعش. وعليه تم وصل البلدين ببعضهما البعض لأول مرّة منذ عام 2011، مع مزايا جديدة.

 

نظر الأميركيون والإسرائيليون إلى ما جرى على أنه ضربة استراتيجية لها تبعاتها، ووصفوا الأمر على أنه فتح “طريق طهران – بيروت”، وبالتالي عملت واشنطن لاحقًا على المشاغبة هناك عبر الإغارة والضغط ودعم هجمات لخلايا داعش ومجموعات أخرى من أجل منع قوى المقاومة من التموضع والتثبيت.

 

نهاية عام 2019 وبداية عام 2020، وبعد تذرّع واشنطن بتعرّض قوات لها في كركوك لهجوم، شنّت غارات عنيفة استهدفت تموضعًا لفصيل مقاومة عراقي أسفر عن استشهاد ما لا يقل عن خمسين مقاتلًا في القائم، بعدها بأيام كانت عملية اغتيال الشهيدين الجنرال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس.

 

أحد أسباب ذلك التصعيد، كان بهدف منع المشروع الذي تثبّته قوى المقاومة، وتحديدًا قطع طرق التواصل بين طهران – بغداد – دمشق – بيروت، لتشكيله خطرًا على الوجود الأميركي نفسه وكذلك “أمن إسرائيل”.

 

بدءًا من ما بعد ضربة عين الأسد، جنحت قوى المقاومة لوضع قواعد اشتباك. فقامت بالتصعيد عبر استهداف القواعد الأميركية، إن بصواريخ مباشرة أو مسيّرات، وشنّت أكثر من عملية في البادية لحماية الطرق بوجه التنظيمات الإرهابية التي تدعمها وتديرها واشنطن، وتشكّل لها مظلة حماية في التنف.

 

تباعًا، نجحت قوى المقاومة في فرض أكثر من معادلة، على قاعدة الضربة بالضربات، والبوكمال – القائم مقابل ضربات قاسية للقواعد الأميركية.

 

نتيجة تلك الضربات، لوحظ ابتعاد أميركي عن الاشتباك المباشر إلا ما ندر، مع تصعيد دعم خلايا داعش لتضرب في سوريا والعراق. استمر الحال إلى حين بدء المقاومة العراقية تنفيذ ضربات ضاغطة ضد القواعد الأميركية في سوريا والعراق إسنادًا للمقاومة الفلسطينية في قطاع غزة.

 

الواقع المستجد

 

ما بين قواعد الاشتباك التي سبقت أحداث السابع من أكتوبر، والقواعد التي تلت عملية استهداف القواعد الأميركية ثمّة متغيّرات جمّة، ويمكن تقدير النتائج أو الواقع المستجد على الشكل التالي:

 

-نجاح قوى المقاومة في تثبيت حضورها وتعزيز الوجود بما يخدم التوجّه الاستراتيجي لقوى ودول محور المقاومة.

 

-تحصيل تهدئة تخدم قوى المقاومة على المدى البعيد في الأبعاد كافة، عسكريًا، اقتصاديًا وسياسيًا.

 

-عمل قوى المقاومة بأريحية أكبر في ملاحقة فلول وخلايا داعش المدعومة أميركية في عمق البادية السورية، حيث تعمد تلك الخلايا على تنفيذ عمليات مشاغبة بشكل دائم، مع العلم أنها لا تشكّل تهديدًا استراتيجيًا.

 

-تكريس الجهد تجاه المعركة الأساس القائمة الآن في فلسطين المحتلة، وهذه مسألة جوهرية.

 

-تعزيز قواعد الاشتباك بمواجهة الأميركيين بما يمكن تطويره بشكل أوسع في مراحل لاحقة.

 

وعليه، إن تعزيز الحضور من قبل قوى المقاومة يأتي كنتيجة جهد تراكمي، بدأ ما قبل عام 2017، وكرّس ما بعد عام 2020، ليثبّت نفسه الآن ويخلق تحدّيات أكثر خطورة أمام الوجود الأميركي في المنطقة، إلى جانب الحضور الروسي في سوريا.

 

وهنا يجب لفت النظر إلى أن الأميركيين وبعد اشتعال الحرب في أوكرانيا، لمسوا تعاونًا روسيًا – إيرانيًا متصاعدًا ومتمدّدًا في سوريا ما استدعى منهم تعزيز وجودهم العسكري وإعادة سلاح متطوّر إلى المنطقة كان قد سحب أواخر عام 2022، لينتهي بهم الأمر قبل أحداث السابع من أكتوبر بالتسليم بإعادة خط منع التصادم في الأجواء السورية مع روسيا.

 

إن مشهد الواقع في سوريا، إذ يميل بشكل واضح لمصلحة قوى المقاومة وشركائها، فهو حتمًا لا يلعب لمصلحة كل من واشنطن وتل أبيب، والمؤشّرات على ذلك كثيرة.

عن علي محمد

مدير التحرير

شاهد أيضاً

الممر الهندي الشرق أوسطي الأوروبي: بين هشاشة «إسرائيل» وجهوزية محور المقاومة

إن محور المقاومة لا يسعى إلى “غلي الضفدع الإسرائيلي” فحسب، بل يسعى أيضًا إلى ضرب …

آخر الأخبار