فك شيفرة الممر البحري في غزة: مساعدات استراتيجية أم طموحات جيوسياسية؟

سوات دلغن

إن مبادرة “الممر البحري” التي تقودها الولايات المتحدة في غزة، رغم تقديمها على أنها جهد إنساني، إلا أنها تمثّل مناورة استراتيجية تهدف إلى تعزيز السيطرة الجيوسياسية الأميركية والإسرائيلية على الأرض والبحر.

أثار إنشاء ممر المساعدات البحرية بقيادة الولايات المتحدة جدلاً وشكوكاً كبيرة بين المراقبين

الخسارة المأساوية لحياة أكثر من 30 ألف شخص، معظمهم من النساء والأطفال، نتيجة العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، ومنع دخول المساعدات الإنسانية إلى القطاع، واستخدام الولايات المتحدة حق النقض ضد قرارات مجلس الأمن التي تدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار، أثارت انتقادات عالمية كبيرة ضد إسرائيل والولايات المتحدة، أقواها في الجامعات الأميركية الكبرى.

 

وتزداد المخاوف من الضرر الذي قد يلحقه تفاقم حصيلة الضحايا المدنيين في غزة بصورة الولايات المتحدة عالميًا. ردًا على ذلك، قال الرئيس جو بايدن، في خطابه عن حالة الاتحاد في 7 آذار/مارس 2024: “الليلة، سأوجّه الجيش الأميركي لقيادة مهمة طارئة لإنشاء رصيف مؤقّت على ساحل غزة في البحر الأبيض المتوسط. سيسهل هذا الرصيف وصول السفن الكبيرة المحمّلة بالأغذية والماء والأدوية والملاجئ المؤقتة”.

 

لكن هذه المبادرة أثارت تساؤلات حول ما إذا كان إنشاء رصيف بحري مؤقّت في غزة جهدًا إنسانيًا يهدف فقط إلى تخفيف الانتقادات الدولية، أم يخدم أهدافًا جيوسياسية أوسع للولايات المتحدة في المنطقة.

 

يهدف الممر البحري إلى تسهيل إيصال المساعدات الإنسانية من قبرص إلى غزة عبر رصيف بحري جديد، بدءًا بـ 90 شاحنة تتّجه إلى غزة، ترتفع لاحقًا إلى 150 شاحنة. إلا أن هذا الحجم يبقى أقل بكثير من آلاف الشاحنات المطلوبة لتلبية الاحتياجات اليومية للقطاع. كما أن هناك عقبات ومخاوف مرتبطة بالممر البحري. إذ تنص الخطة على عمليات تفتيش إسرائيلية على المساعدات في قبرص، ما قد يؤدّي إلى تأخيرات وتعقيدات، خصوصًا في ما يتعلّق بالمواد التي تعتبر ذات استخدام مزدوج (للأغراض المدنية والعسكرية). كذلك، هناك توتّر سياسي كبير يحيط بالممر، مع شكوك بأنه قد يبطّئ الطرق البرية أو يُربط باستراتيجية الحصار. ويضيف تورّط الكيانات العسكرية والسياسة الدولية طبقات أخرى من التعقيد وإمكانية تأخير المساعدات أو تسييسها.

 

أمر آخر يلقي بظلال من الشك على فعالية ممر المساعدات الإنسانية، وهو اعتماده على ممر نتساريم المعروف باسم طريق 749. هذا الممر بين الشرق والغرب يفصل بين المناطق الشمالية والجنوبية من القطاع، وهو طريق محصّن أقامه الجيش الإسرائيلي بشكل أساسي لأغراض عسكرية. الموقع الاستراتيجي والأهمية العسكرية لهذا الطريق يعقّدان دخول المساعدات وتوزيعها في جميع أنحاء غزة. فمع تفريغ المساعدات التي تصل عبر الممر البحري على الرصيف، ستكون بحاجة إلى نقلها عبر غزة للوصول إلى السكان المحتاجين. وقد تصبح نقاط التفتيش في ممر نتساريم بمثابة نقاط اختناق بما يعرقل عمليات التسليم. ومن غير المؤكّد ما إذا كانت هذه النقاط ستسمح بالنقل السلس للبضائع من الممر البحري إلى الأجزاء الشمالية من غزة، حيث تشتد الحاجة إليها.

 

أثار إنشاء ممر المساعدات البحرية بقيادة الولايات المتحدة جدلاً وشكوكاً كبيرة بين المراقبين. المشروع الذي يُقدّم رسميًا على أنه جهد إنساني لتلبية الاحتياجات الملحة لسكان غزة، لا سيما في مواجهة المجاعة التي تلوّح في الأفق، أثار مخاوف بشأن أهدافه الجيوسياسية الحقيقية لمصالح استراتيجية أوسع. ويقول المنتقدون إن الممر يمكن أن يكون بمثابة ستار دخاني للمناورات السياسية، ولا سيما الغزو المحتمل لرفح من قبل القوات الإسرائيلية. وهناك شك في أن المشروع، رغم تسهيله إيصال المساعدات، قد يسمح أيضًا بإحكام السيطرة على المنطقة تحت غطاء المساعدة الإنسانية. وقد تؤدّي هذه السيطرة إلى تسهيل العمليات العسكرية للجيش الإسرائيلي وتحصين مواقعه الاستراتيجية داخل غزة، مما يؤثّر في نهاية المطاف على الديناميات الجيوسياسية الأوسع في المنطقة.

 

علاوة على ذلك، فقد خضع اختيار موقع الرصيف وإطاره التشغيلي للتدقيق. فوضع نقاط دخول المساعدات في المناطق التي تسيطر عليها القوات الإسرائيلية، بعيدًا عن الأجزاء الشمالية حيث تشتد حدة المجاعة، يشير إلى توافق مع الأهداف العسكرية الاستراتيجية بدلًا من الأهداف الإنسانية البحتة. وقد يؤدّي هذا التوافق إلى إبقاء الحدود البرية مع غزة مغلقة لفترة أطول من اللازم، مما يجعل توزيع المساعدات أكثر محدودية وخاضعًا لرقابة أكبر.

 

دور الجهات الفاعلة الدولية، بما في ذلك الأمم المتحدة والحكومات المختلفة المتعاونة في هذه المبادرة، أمر بالغ الأهمية. إذ إن هؤلاء مكلّفون بضمان عمل الممر بشفافية والالتزام الصارم بالمبادئ الإنسانية. ومع ذلك، فإن مشاركة هذه الجهات الفاعلة أمر معقّد، نظرًا إلى الحساسيات السياسية والتأثير الكبير للسياسات الإسرائيلية على العملية.

 

في جوهر الأمر، ورغم أن الممر البحري يمكن أن يلبّي بالفعل بعض الاحتياجات الإنسانية الملحّة في غزة، فإن التداعيات الأوسع تشير إلى شبكة متشابكة من النوايا الإنسانية والاستراتيجيات الجيوسياسية. وترمز هذه المبادرة إلى العلاقة المعقدة والمثيرة للجدل في كثير من الأحيان بين تقديم المساعدات وإدارة المشهد السياسي في مناطق الصراع.

 

بدل إنشاء رصيف عائم للمساعدات الإنسانية، فإن أحد الحلول الأكثر عملية يتلخص في إرسال المساعدات مباشرة إلى ميناء أشدود الإسرائيلي ومنه إلى غزة تحت إشراف الأمم المتحدة. لكن، تماشيًا مع الإستراتيجية العسكرية الإسرائيلية، فإن إرسال المساعدات عبر ممر نتساريم الخاضع لسيطرة الجيش الإسرائيلي إلى مناطق التجميع في جنوب غزة، وتوجيه الفلسطينيين إلى نقاط المساعدات، سيسهل عملية رفح. ومن حيث التوقيت، فإن تفعيل الممر الإنساني هذا الأسبوع وتسريع الاستعدادات لعملية رفح يؤكّدان هذا التحليل.

 

من أجل فهم أعمق للأهداف الجيوسياسية التي تسعى الولايات المتحدة إلى تحقيقها، قد يكون من المفيد مراجعة التصريحات التالية التي أدلى بها الرئيس بايدن في 20 تشرين الأول/أكتوبر 2023 بعناية، والتي طلب فيها مساعدة من الكونغرس من أجل أمن إسرائيل. “هذا استثمار حكيم. فهو سيفيد الأمن الأميركي لأجيال قادمة”، و”سنجعل إسرائيل أقوى من أي وقت مضى”، و”سنبني مستقبلًا جيدًا في الشرق الأوسط”. يمكن القول إن فلسطين، الواقعة على مفترق الطرق بين آسيا وأفريقيا وعلى حدود المحيط الهندي والبحر الأبيض المتوسط، كانت مصدر خلاف بين أقدم القوى العظمى المعروفة في التاريخ. لذلك، يمكن اعتبار أن هذا المعبر يمثّل نقطة اهتمام استراتيجية. بالنسبة للقوى العظمى القائمة في أفريقيا أو المسيطرة على مصر، كانت فلسطين مفتاحًا للاستيلاء على نقطة السويس ذات الإستراتيجية العسكرية. وبالمثل، بالنسبة للقوى العظمى القائمة في آسيا أو القادمة من هناك، كانت فلسطين بمثابة مفتاح للاستيلاء على نقطة السويس الاستراتيجية.

 

في ظل الوضع الحالي، تنظر الولايات المتحدة، التي تقترب من فقدان مفتاح مضيق باب المندب، إلى احتمال خسارة مفتاح نقطة مضيق السويس الاستراتيجية باعتباره تحديًا استراتيجيًا كبيرًا. ومن المرجّح أن يكون لمثل هذه الخسارة تأثير كبير على توازن القوى ليس فقط في منطقة البحر الأحمر الاستراتيجية، ولكن أيضًا في منطقة غرب آسيا الأوسع.

 

وعندما ننظر إلى الصراعات عبر التاريخ المعروف إلى يومنا هذا، يصبح واضحًا أن الربح الكبير الذي يمكن أن تجنيه الولايات المتحدة، كما ذكر الرئيس بايدن، هو استخدام إسرائيل للسيطرة على قناة السويس. من المحتمل أن تسمح سيطرة إسرائيل على القطاع والسيطرة الأميركية على المياه البحرية قبالة غزة بذريعة المساعدات الإنسانية، بتحكم الولايات المتحدة بمخرج قناة السويس، وكذلك بمنافذ إيران وروسيا إلى البحر الأبيض المتوسط ​​عبر لبنان وسوريا.

 

ويبدو أن الأهداف العملياتية لإسرائيل في غزة تتماشى مع الأهداف الإستراتيجية للولايات المتحدة. في ضوء ردود الفعل المختلفة، من الواضح لماذا تستمر واشنطن في دعم إسرائيل.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز الإعلام والدراسات الفلسطينية، وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصرا

عن علي محمد

مدير التحرير

شاهد أيضاً

خطّة سموتريتش لتعزيز سيطرة “إسرائيل” على الضفّة: ضمّ دون إزعاج دولي

صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية كشف تعن مقطع مصوّر لوزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش يُفصح فيه …

آخر الأخبار