عن آخر أوضاع “البؤر الاستيطانية” في الضفة الغربية: ما بين الماضي والحاضر

 

وليد حباس

في شهر آذار 2024، أعلنت الولايات المتحدة فرض عقوبات على بؤرتين استيطانيتين في الضفة الغربية.  وهي المرة الأولى على الإطلاق التي تفرض فيها الولايات المتحدة قيودا اقتصادية على بؤر استيطانية إسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

 

كان الدافع وراء هذا القرار هو أعمال الإرهاب (أو العنف بلغة الموقف الأميركي) التي ينفذها المستوطنون من سكان هذه البؤر ضد الفلسطينيين. والبؤر الاستيطانية التي تستهدفها هذه العقوبات هي مزرعة موشيه (الموجودة بالقرب من فروش بيت دجن) ومزرعة تسفي (المقامة على أراضي قرية أم صفا شمالي رام الله)، وكلتاهما تعتبران غير قانونيتين بموجب القانون الإسرائيلي، مما يميزهما عن مستوطنات الضفة الغربية الأخرى التي تسمح بها الحكومة الإسرائيلية وتمنحها التصاريح اللازمة. تستعرض هذه المقالة آخر مستجدات أوضاع البؤر الاستيطانية في الضفة الغربية.

 

ما هي البؤرة الاستيطانية؟

 

على خلاف المستوطنة التي تبنيها الحكومة الإسرائيلية في الضفة الغربية، فإن البؤرة الاستيطانية يتم تشييدها بدون الحصول على التصريح المطلوب. في بداية العام 2024، هناك تقدير بأن عدد البؤر الاستيطانية قد يصل إلى 160-180 بؤرة.

 

لماذا يتم تمييز البؤرة الاستيطانية عن المستوطنة؟

 

من ناحية القانون الدولي، لا يوجد تمييز بين البؤرة الاستيطانية والمستوطنة، فكلتاهما تعتبران انتهاكا للقواعد التي يجب أن تحكم إسرائيل باعتبارها قوة احتلال “مؤقت”. إذ إنه حسب القانون الدولي، لا تملك إسرائيل الحق بإجراء تغييرات على وضع الأرض المحتلة بما يشمل نقل سكانها الإسرائيليين للعيش هناك. ومع ذلك، عادة ما يقيم المجتمع الدولي، والمنظمات المراقبة سواء الدولية أو المحلية (أهمها: الأمم المتحدة ومنظماتها، منظمتا “السلام الآن” و”بتسيلم” الإسرائيليتان، وجهاز الإحصاء الفلسطيني، وغيرها)، تمييزا بين المستوطنة (settlement) والبؤرة الاستيطانية (Israeli outpost).

 

ما هي سمات البؤرة الاستيطانية؟

 

عادة ما تتشكل البؤرة من كرافانات (أو منازل متنقلة)، وتضم بداخلها عدداً قليلاً من السكان يتراوح ما بين عشرات قليلة إلى نحو 400 شخص. في بؤر استيطانية مضت عليها عدة سنوات، وتوسعت، يمكن أيضا ملاحظة وجود مرافق عامة مثل كنيس للصلاة، حضانة، مساحات لعب وترفيه، ومستوصف، أو حتى مصانع صغيرة ومعامل يدوية ومناطق سياحية تستقطب الجمهور الإسرائيلي للتنزه والاندماج مع الطبيعة من خلال توفير نشاطات مغامرة، ورحلات، وتخييم.

 

كيف تتعامل الإدارة المدنية مع البؤرة الاستيطانية؟

 

على الرغم من أن البؤرة مصنفة منطقة سكنية غير مصرح بها من قبل الإدارة المدنية، فإن الجيش يسمح بوضع شوارع اسفلتية في بعض البؤر، ويتيح موقفاً للمواصلات العامة بالقرب منها. لكن، في كل الحالات يفرز الجيش الإسرائيلي قوة عسكرية لحماية المستوطنين في المكان إلى حين البت في وضعية هذه البؤرة.

 

هل هناك دور للوزارات الإسرائيلية في إنشاء البؤرة؟

 

المستوطنات معتمدة رسميا من قبل دولة إسرائيل، وبالتالي لها بنية تحتية واسعة وأعداد كبيرة من السكان (غالباً بالآلاف). في المقابل، فإن البؤر الاستيطانية، التي تم تشييدها بدون تصريح من الدولة، عادة ما تكون أصغر وأقل تطوراً، وتفتقر إلى البنية التحتية الرسمية والخدمات الموجودة في المستوطنات. ومع ذلك، لا بد من التشديد  على أنه بالرغم من “لا-شرعية” البؤرة حسب القانون الإسرائيلي، فإن مجرد بنائها يحتاج إلى دعم وإشراف “غير مباشر” من وزارة الإسكان والبناء، وقسم الاستيطان في المنظمة الصهيونية العالمية والإدارة المدنية الإسرائيلية التابعة للجيش الإسرائيلي (أي وزير الدفاع بشكل أساس).

 

في 19 تشرين الثاني 2021، خصصت حكومة بينيت-لبيد نحو 60 مليون شيكل لتصرف بين 2022-2024 بهدف “دعم مجموعات المتطوعين في التجمعات الريفية الذين يقومون بأعمال زراعية في مناطق ذات أولوية قومية”. وبحسب تحقيق لمنظمة السلام الآن، فإن جزءاً كبيراً من هذه الأموال ذهب إلى جمعيات ومنظمات ترعى وتمول البؤر الاستيطانية، سواء السكنية أو الزراعية.

 

كم عدد البؤر الاستيطانية في بداية 2024؟

 

التقدير يتراوح بين 160-200 بؤرة استيطانية. وقد يختلف عددها بناء على طبيعة تعريفها، وهي مسألة إجرائية غير متفق عليها. صحيح أن “البؤرة الاستيطانية” هي مستوطنة أقيمت بدون تصريح من الحكومة الإسرائيلية، إلا أن عدم القدرة على حصر عددها بشكل دقيق ومتفق عليه يعود إلى سببين:

 

موقع البؤرة الاستيطانية: في بعض الحالات، يتم اعتبار البؤرة الاستيطانية مجرد حي (neighborhood) من أحياء مستوطنة قائمة ومصرح بها. في هذه الحالة، تحاول إسرائيل أن تطلق عليها “حي غير شرعي تابع لمستوطنة شرعية”، وليس مستوطنة غير شرعية.

عادة ما يتم تعريف البؤرة على أنها تجمع مستوطنين لغرض السكن وبناء حي جديد. لكن في الواقع، هناك بؤر استيطانية وهمية (Dummy outpost) أي لا يوجد فيها سكان بتاتا، وبؤر زراعية Farmland outpost)) أي مقامة لغرض سرقة ارض وحراثتها كتكتيك سيطرة، وبؤر رعوية (Shephard outpost) أي السيطرة والبقاء في مناطق معينة باعتبارها أراض مخصصة لرعاية مواشي مجموعة من المستوطنين.

من يقيم البؤر الاستيطانية؟

 

عادة تشرف التيارات المتطرفة من الصهيونية الدينية على إنشاء البؤر الاستيطانية، لكنها تقيمها من خلال منظمات، وجمعيات، وهيئات معروفة ومسجلة. ولا بد من التأكيد على أن كل بؤرة استيطانية تقع ضمن حيز أحد مجالس الاستيطان، وبالتالي تكون تابعة له كونها مقامة على أراضيه، وإن كانت خارج حدود المستوطنات المعروفة.

 

وتعتبر منظمة “أمانا” المشرف المباشر والمبادر لإقامة نحو نصف البؤر الاستيطانية. كما أن هناك منظمة “نحالا” التي أسستها دانييلا فايس العام 2005. ومنظمة أخرى مهمة، تعتبر الأكثر راديكالية عنفا، وهي منظمة “أري يشآغ”، تابعة لشبيبة التلال وانشقت عن نحالا العام 2015.

 

تحويل البؤرة الاستيطانية إلى مستوطنة

 

منذ بدء ظاهرة البؤر الاستيطانية العام 1993، تمت تسوية أوضاع نحو 28 بؤرة وتحويلها إلى قانونية. وقد تم الأمر إما من خلال ادعاء إسرائيل بأن البؤرة هي مجرد “حي سكني” جديد تابع لمستوطنة مصرح بها و”قانونية”، وإما من خلال تحويل البؤرة إلى مستوطنة جديدة: في العام 2023، أي خلال حكومة نتنياهو الحالية، تمت شرعنة 11 بؤرة هي أبيجيل (تحولت إلى حي من أحياء مستوطنة معاليه عاموس)، بيت حجلة (أقيمت كبؤرة العام 1983، وفي 22 شباط 2023 تم وضع حجر الأساس لها كمستوطنة مصرح بها)، بؤرة تلة آرون (شرق نابلس)، وبؤرة “التلال المروية” (وهي أكثر من تلة يراد منها إحداث تواصل جغرافي بين مستوطنة شيلو وعيلي ما بين رام الله ونابلس)، وبؤرة ملاخي السلام (بالقرب من مستوطنة شيلو)، وبؤرة مطل يهودا (بالقرب من معاليه أدوميم)، وبؤرة حراس يهودا بالقرب من العبيدية شرقي بيت لحم، وبؤرة بنيه كيديم (تحولت إلى حي تابع لمستوطنة ميتساد)، وبؤرة عاسيئيل، وبؤرة حقل بوعز (أو ما يعرف باسم واحة دانييل الشمالية)، وبؤرة شحريت إلى الغرب من قرية برقين.

 

وتشير التقارير إلى أنه تم بناء 3-5 بؤر جديدة فقط خلال العام 2024.

 

ما هي العقوبات الأميركية، ولماذا الآن؟

 

تأتي العقوبات الأميركية وسط تصاعد التوترات بين إدارة بايدن وحكومة رئيس الوزراء نتنياهو، لا سيما بسبب عنف المستوطنين في الضفة الغربية والأزمة الإنسانية التي تفرضها الحرب الإسرائيلية على غزة. وبشكل حاسم، أثارت العقوبات ردود فعل داخل إسرائيل. أدان وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، وكلاهما من الشخصيات اليمينية المتطرفة، القرار الأميركي، حيث ادعى بن غفير أن الولايات المتحدة فشلت في معرفة من هم أصدقاؤها ومن هم أعداؤها. وعلى العكس من ذلك، رحبت جماعة “السلام الآن” الإسرائيلية بالعقوبات، مشددة على الحاجة إلى مساءلة المستوطنين حول أعمال العنف.

 

وقد صدرت العقوبات الأميركية بموجب أمر تنفيذي وقعه الرئيس بايدن، يهدف إلى استهداف الأفراد الذين “يقوضون السلام والأمن والاستقرار في الضفة الغربية ويتناقضون مع أهداف السياسة الخارجية الأميركية”، بما في ذلك السعي لحل الدولتين. ولا بد من القول بأن الولايات المتحدة أبدت لهجة أكثر معارضة لبناء المستوطنات في الضفة الغربية، وأعادت التأكيد على أنها غير شرعية. ومع ذلك، فإن إدارة بايدن بفرضها عقوبة على اثنتين من البؤر الاستيطانية وحسب، قد تترك انطباعا بأنه لا موقف حاليا لها من باقي البؤر الاستيطانية طالما أن سكانها لا يستخدمون العنف، مع العلم أنها ترى أن كل المشروع الاستيطاني الإسرائيلي لا يتناسب مع الشرعية الدولية.

عن علي محمد

مدير التحرير

شاهد أيضاً

“محرقة الشفاء”.. إستراتيجية الاحتلال في كيّ الوعي تتهاوى أمام صمود غزة

على الرغم ممّا أراده الاحتلال الصهيوني النازي من المشاهد النازية التي خلفها بعد انسحابه من …

آخر الأخبار