العراق والولايات المتحدة: بين عمليات المقـاومة واختبارات السيادة

 (عن موقع The Cradle الالكتروني بتصرف)

(مجلة فتح العدد – 764)

دخل العراق بعد بيان تعليق العمليات ضد القوات الأميركية في أزمة تتعلّق بطبيعة هوية قوات التحالف الدولي وتعقيدات وجودها مع غياب الاجماع الوطني على إخراجها، بينما يصمّم رئيس الوزراء العراقي على إنجاز ما تعهّدت به حكومته، من جلاء القوات الأجنبية دون أن تثار الحساسية الأميركية فيرتد القرار سلبًا من قبل واشنطن.

يصمّم السوداني على إيجاد حل يضمن به إنجاز ما تعهّدت به حكومته من جلاء القوات الأجنبية دون أن تثار الحساسية الأميركية

تقول الولايات المتحدة إن الغارات الجوية الأخيرة في العراق وسوريا كانت رسالة ردع قوية لحلفاء إيران وللحرس الثوري ولكل طرف يمكن أن يستهدف جيشها. لكن في المقابل، أحرجت واشنطن الحكومة العراقية مع حلفائها في الداخل، وأعادت فتح ملف دور قوات التحالف الذي تقوده وأهدافه في العراق، فاقتضى الأمر إعادة تفاهم حول شكل العلاقة التي تدهورت سريعًا.

يؤكد قيادي بارز في المقاومة الإسلامية في العراق أن «طوفان الأقصى» كعملية أمنية تدل على تطور في إمكانية الفصائل الفلسطينية التي تقاوم الكيان الصهيوني على مستوى التجهيز والتنفيذ وهذا سبّب صدمة للكيان وأميركا وحلفائهم.

ويضيف القيادي «من الطبيعي أن تبدأ أجهزة مخابراتهما بجمع المعلومات عن الطريقة التي مكّنت هذا التشكيل من امتلاك القدرة والجهات التي ساعدته، وفي الحقيقة كانت عملية تاريخية مهمة لإفهام الجيل الجديد في الكيان بأنهم ليسوا أصحاب الأرض وإعادة تصفير إعدادات المواجهة الاجتماعية والأمنية والعسكرية طوال العقود السبعة الماضية دون الركون لحساب ردة الفعل التي يحاول الاعلام الغربي والخليجي تحديدًا التركيز عليها إذ أن الموت قتلًا من سلاح «إسرائيلي» هو مرتبة اجتماعية مهمة على الغرب أن يفهم هذا الأمر حتى لا يبقى يسوق أفكارًا سطحية عن خسارة 29 ألف (فلسطيني) مقابل ألفي «إسرائيلي».

وعليه كان خيار فصائل المقاومة العراقية الانخراط تدريجيًا في المعركة دون الالتفات بتاتًا نحو التهديدات والتهويل الأميركي، أو حتى بعض اللوم في الداخل العراقي ممن يبحث عن براغماتية واسعة من القوى السياسية لتدوير زاوية محرجة حشرت فيها رسميًا بغداد وواشنطن.

ضغط على واشنطن

دخول الفصائل العراقية على خط «طوفان الأقصى» يندرج في إطار قضيتها العامة باعتبار هدف تحرير فلسطين واحد من أهم الشعارات الأساسية التي تؤمن بها، وهدف المشاركة العسكري كان بداية تشكيل ضغط للمباشرة بعده والانخراط عمليًا في جبهة تولاها العراقيون، وحدّدوا أهدافها التي امتدت من العراق وسوريا الى الأرض المحتلة.

وتركت المقاومة الإسلامية في العراق للموقف الرسمي العراقي أن يتولى ما أمكن من ضغط يمكن أن تمارسه بغداد على واشنطن لتمرير هدنة سواء بدورها السياسي أو بمجلس الأمن.

وكانت تجربة المقاومة الإسلامية في العراق أكثر وضوحًا لمفهوم وحدة الساحات مع فتح جبهة اليمن. في العراق وضع الحمل الأكبر على عاتق أربعة من فصائل المقاومة التي حدّدها أمين عام كتائب حزب الله أبو حسين الحميداوي، وهي: كتائب حزب الله، حركة النجباء، كتائب سيد الشهداء، أنصار الله الأوفياء.

«تفتح الجبهات بتقدير القادة أنفسهم انطلاقًا من التزامين شرعي عقائدي ديني وأيضًا التزام أخلاقي نابع من طبيعة الشخصية العراقية أصلًا»، هذا ما يؤكّده مسؤول في المقاومة الإسلامية.

هذا الأمر قد لا يكون قد تم توضيحه إذ إن الاختزال غير الدقيق الذي تسوّقه أجهزة المخابرات الكسولة والصحافة الخاملة عن تبعية قرار الفصائل هو تضليل للحقيقة المجردة لفهم ما يحصل، فالمعلومات المؤكدة أن قادة المحور أنفسهم يقرون بصعوبة التعامل مع العراقيين لاستقلالية قرارهم وصعوبة مراسهم، وهذا الأساس والاطلاع عليه، مهم في فهم معادلة جبهة العراق.

188 عملية – صواريخ متنوعة

لكن مع «طوفان الأقصى» تدحرجت الأمور سريعًا وطفى للسطح ما هو غير المتوقّع: فترسبات الاحتلال الأميركي للعراق راسخة في أدبيات الفصائل، وقد استفزها التأييد والدعم الأميركي للكيان، وهو الأمر الذي حمل بعدين : الأول رابطة الدين والقومية مع الفلسطينيين ومبدأ النخوة الراسخة في الشخصية العراقية، أما  الثاني فهو أخذ زمام المبادرة بتوسيع الساحة للضغط على إصبع أميركا لتضغط باتجاه وقف قصف غزة.

فانخرطت المقاومة ونفّذت 188عملية تنوّعت فيها أساليب وأهداف وسلاح التنفيذ، فهي قصف بمختلف أنواع الصواريخ وصولًا إلى استهداف القوات الأميركية في قواعد عين الأسد وحرير في العراق وحقل كونيكو والعمر والتنف وتل البيدر ومطار أبو حجر والشدادي والقرية الخضراء وهيمو وخراب الجير والمالكية والركبان وغيرها في سوريا، بالطائرات المسيّرة، مضافًا لقصف في الأرض المحتلة في أسدود والجولان والبحر الميت وحيفا.

إلا أن المنعطف الأكثر خطورة كان مقتل الأميركيين الثلاثة في «برج 22» في المثلث العراقي السوري الأردني وفي الداخل الأردني تحديدًا، حيث شكّل ذلك استفزازًا للإدارة الأميركية بكونه تعديًا على صورة واشنطن القوية التي لا تقهر، إذ لا تسمح بهذا الأمر حتى تمنع أي تعد لاحق على مصالحها وتبدأ كسلوك معلوم لديها باستهداف من تعتقده أنهم وراء العمل وهو ما كان.. أما الآن، فموقف المقاومة من الميدان في فلسطين هو موقف الأمين العام لكتائب حزب الله من استمرار الدعم لغزة.

“اتفاق غير مكتوب”

كان جيدًا أن تنتظر الفصائل وتحديدًا الفصيلان المتصدّيان فعليًا – كتائب حزب الله والنجباء – ردة فعل أميركا على خطوة تعليق العمليات العسكرية، لكنهما كانا يتوقّعان أن واشنطن لن تلتزم فعمدت إلى تنفيذ غارة اغتالت فيها أبو باقر الساعدي وتسبّبت بإحراج أكبر هذه المرة للحكومة العراقية التي تقدّمها على أنها حليف، وعلى إثر ذلك صدر بيان المقاومة الإسلامية ليحذّر ويتوعّد أميركا ويعلن عودة العمليات، ولاحقًا، كأن اتفاقًا غير مكتوب قد دخل حيز التنفيذ تنتظر الأطراف فيه الخطوة التالية، فدخلنا في مرحلة اللا حرب واللا سلم، وهذا الموقف فيه خطوة ذكية متقدّمة من الفصائل، فهي لم تتوقّف عند بيان الكتائب، وتقدّمت خطوة على قرار إيقاف العمليات واعتبرته لاغيًا، ولكنها نفّذت عملية واحدة بعد ذلك استهدفت الأرض المحتلة وكالعادة «بالسلاح المناسب»، تاركة الساحة لإجراءات الحكومة .

الحكومة بشخص السوداني تبدو قد حقّقت مكسبًا من العمليات فبعد أن تأخّر لقاء «السوداني – بايدن» سابقًا، ها هي نائبة الرئيس الأميركي كامالا هاريس قد قدّمت دعوة لرئيس الحكومة العراقية لزيارة واشنطن ولاحقًا بعد العودة من ميونخ التقت السفيرة الأميركية به وظهرت من جديد لتنسيق ملفات سيناقشها خلال زيارته لواشنطن.

لكن لا يمكن إغفال أن ذلك تم بعد سلسلة إجراءات من الخزانة الأميركية، وتلويح أميركي بما يتعلّق بسعر صرف العملة المحلية إزاء الدولار. فيما القناعة العراقية رسميًا وفصائليًا أن الرهان على حجم تصدير النفط العراقي كورقة ابتزاز للسوق العالمية ليس لها أي وزن تفاوضي وغير مؤثّرة بل العكس تمامًا هناك من ينتظر شح الأسواق ليضيف مليونا برميل لحصته.

يصمّم رئيس الحكومة العراقية على إيجاد حل يضمن به إنجاز ما تعهّدت به حكومته من جلاء القوات الأجنبية دون أن تثار الحساسية الأميركية فيرتد القرار سلبًا من واشنطن ويكون إحدى أوراق ضغطها الجديدة خصوصًا وأن ودائع بدلات النفط العراقية لم تتحرّر بعد من أن تمر بالبنك الفيدرالي الأميركي قبل نقلها لبغداد.

وللجانبين تاريخ لا يغري بهذا الشأن. تفيد التسريبات، أن محمد شياع السوداني هو من توصّل إلى اتفاق مع المقاومة الإسلامية من أجل تعليق عملياتها العسكرية ضد القواعد الأميركية، للسماح لحكومته بالانتهاء من الحوار بخصوص انسحاب كامل لقوات التحالف الدولي من العراق.

موسكو تدخل على الخط

وأبدت وزارة الخارجية الروسية استعداد موسكو لتعزيز قدرات القوات العراقية بعد إخراج القوات الأجنبية من العراق. دخلت روسيا على خط الأزمة، وأكّدت وزارة الخارجية الروسية أن «موسكو مستعدّة لتقديم الدعم بغرض تقوية القوات العسكرية في العراق في ظل مطالب بغداد بخصوص إخراج القوات الأجنبية».

ودخل عرض موسكو على خط ساخن وضاغط على واشنطن، ما يدفع بأوراق قوة عديدة كما يؤكد باحثون مقرّبون من قوى الإطار التنسيقي – المشّكلة للحكومة – يمكن استثمارها مضافة للقوة النارية التي ضغطت بها المقاومة على الجيش الأميركي والتي منحت قوة للموقف الرسمي العراقي وأجبرت الأميركيين على التعامل والاصغاء لحكومة السوداني.. وما تنادي به.

عن علي محمد

مدير التحرير

شاهد أيضاً

تغيير موقف الکيان الصهيوني تجاه حزب الله… من اللفتة العدوانية إلى دبلوماسية التوسل

(عن موقع الوقت الالكتروني) تزايدت في الأيام الماضية حدة وحجم الصراعات على حدود لبنان وفلسطين …

آخر الأخبار