عن جوهر المعسكرات السياسية المتنافسة في الانتخابات «الإسرائيلية» القريبة

(أنطـوان شلحـت – مدار للدراسات الإسرائيلية)

في العام 2018 صدر في إسرائيل كتاب بعنوان “يهودية إسرائيلية: صورة ثورة ثقافية” حاول مؤلفاه، البروفسور كميل فوكس والصحافي شموئيل روزنر، أن يفحصا من ناحية إحصائية من هم الإسرائيليون وما هي مواقفهم العامة، وبالأساس السياسية. وتمثّل أحد الادعاءات الرئيسة في الكتاب، والذي استند من بين أمور أخرى إلى استطلاع للرأي العام شارك فيه ثلاثة آلاف شخص، في أن الصراع بين اليمين واليسار هو صراع وهمي. وبرأي المؤلفين، يعود ذلك إلى سبب بسيط فحواه أن 5 في المئة من الإسرائيليين فقط باتوا يعتبرون أنفسهم يساراً، وأن 11 في المئة فقط يعتبرون أنفسهم وسطاً- يساراً، وبالتالي فالمجموع هو 16 في المئة. وهذا يعني أن اليسار آخذ بالتلاشي من ناحية عددية منذ فترة طويلة. ومنذ الاستطلاع الذي أجراه فوكس وروزنر أظهرت فحوصات ومتابعات مثابرة أجراها المعهد الإسرائيلي للديمقراطية أنه لا يوجد أي تغيير في مواقف الجمهور الإسرائيلي العريض، بما يؤكد أن الطريقة الأكثر واقعية لعودة حزب العمل، باعتباره الرمز الأبرز لهذا اليسار، إلى السلطة في المستقبل القريب هي فقط “اختراع آلة للسفر عبر الزمن” (“هآرتس”، 26/7/2022).

تثبت الناحية الإحصائية المجرّدة أن انحسار نفوذ اليسار يعكس في العمق سيرورة انزياح المجتمع الإسرائيلي في معظمه نحو اليمين، كما لا ننفك نبرهن على مدار أعوام طويلة. غير أن هذا الانحسار يتوازى في الوقت عينه مع ما يمكن توصيفه بأنه انزياح اليسار الإسرائيلي، وتحديداً ذلك الذي كان يجسده حزب العمل، عن قيم اليسار الكونية. وما يتعيّن أن نعيد التذكير به أن هذا الانزياح عن قيم اليسار لم يظهر في الفترة الأخيرة بل بدأ منذ أعوام عديدة.

 

وربما من المفيد أن نستعيد ما قال به بعض أقطاب أحزاب هذا اليسار حيال هذا المآل. فقد ذهب بعضهم إلى أن اليسار الإسرائيلي كان أحد أبرز المدفونين في ما وُصف بأنه “قبر جماعي” حفرته الحرب الإسرائيلية على لبنان في صيف 2006 (“حرب لبنان الثانية”) وأهالت التراب فيه على مجموعة من ساسة إسرائيل وعسكرها وإعلامييها. ومردّ ذلك أن هذا اليسار لم يفعل ما كان ينبغي به أن يفعله، وهو معارضة الحرب بصريح العبارة من دون أدنى تلعثم، وبقي يمارس “الرقص على حبلين”، بين معارضة الحرب وبين تأييدها، بمسوّغ أنها “عادلة” و”مبرّرة”… إلخ. وأكد بعض آخر أن تلك الحرب على لبنان دقّت المسمار الأكبر في نعش اليسار، الذي كان يعتبر نفسه “معسكر السلام الإسرائيلي”، وأن الحديث لم يدر في ذلك الوقت حول ردات فعل عاطفية عابرة، قد تعدّ “نتيجة مطلوبة ومفهومة لمشاعر الغضب والإحباط والخوف”، وإنما دار حول “مرحلة إضافية في سيرورة عميقة ومتصلة من فقدان البوصلة واللهاث وراء حلول انعزالية وأحادية الجانب، لا بُدّ من أن تكون نهايتها الطريق المسدودة وتكريس الصراع (مع الفلسطينيين)”. وجرى لفت الأنظار إلى أنه قبل تلك الحرب فإن السهولة أو الخفّة، التي هضم فيها “معسكر السلام” هذا ذرائع رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق، إيهود باراك، عندما كان رئيساً لحزب العمل، بشأن إخفاقه في مسار المفاوضات السوري- اللبناني والمسار الفلسطيني، في العام 2000، وعقابيل ذلك كله، كانت بمنزلة أول شهادة على هشاشته. وما اتضح لاحقاً هو أن أغلبية الإسرائيليين الذين يتفاخرون بحمل لقب “يساريين” هم ليسوا أكثر من “حمائم تُغرّد داخل السرب” لا “حمائم ذات قيم عالمية” (تتجاوز الإطار المحليّ الضيق). وهؤلاء يؤيدون عملية السلام من منطلق اعتبارات براغماتية تحيل فقط إلى ما يندرج في إطار مصلحة الشعب اليهودي، مثل الميزان الديموغرافي، أو ضمان أمن إسرائيل، أو دفع ازدهارها الاقتصادي قدماً. أما الصنف الذي يؤيد السلام بدوافع أخلاقية عالمية فقد بات صنفاً نادراً، وهذا الصنف هو الذي لا يبحث عن ملاذٍ في حضن الوطنية العمياء والإجماع القومي.

 

ولكي تكتمل الصورة حول جوهر المعسكرات السياسية المتنافسة في الانتخابات العامة القريبة، نشير إلى أن الفراغ الناجم عن انحسار هذا اليسار، وعن عدم التماهي المطلق من طرف قوى سياسية إسرائيلية مع طروحات اليمين الذي يتزعمه بنيامين نتنياهو ويوصف، لأسباب شتى، بأنه يمين جديد شعبوي وأقل ليبرالية من اليمين الإسرائيليّ التقليدي، تملأه أحزاب وسط موسمية، كما يمثل عليها حزبا “أزرق أبيض” برئاسة وزير الدفاع الحالي بيني غانتس، و”يوجد مستقبل” بزعامة رئيس الحكومة الانتقالية الراهنة يائير لبيد، وقبلهما حزب كديما الذي وقف على رأسه كل من رئيسي الحكومة السابقين أريئيل شارون وإيهود أولمرت ووزيرة الخارجية السابقة تسيبي ليفني ووزير الدفاع السابق شاؤول موفاز.

 

في واقع ألمر فإنه منذ العام 1996 يتسم المشهد السياسي الإسرائيلي بنشوء أحزاب وسط جديدة تم انتخابها لعضوية الكنيست، غير أنها سرعان ما كانت تعود وتختفي من الخريطة السياسية الحزبية بعد دورة واحدة، أو دورتين، أو ثلاث دورات على الأكثر، ما أمكن توصيفها بأنها “أحزاب موسمية”. وكان هذا هو مصير أحزاب الوسط “الطريق الثالث”، و”شينوي”، وحزب المتقاعدين، و”كديما”. وكذلك مصير حزب “الحركة (هتنوعا)” الذي انتُخب للكنيست في قائمة مستقلة في العام 2013، ثم في إطار تحالف “المعسكر الصهيوني” مع حزب العمل العام 2015 (أسست حزب “الحركة” تسيبي ليفني التي انشقت عن حزب “كديما”)، وحزب كلنا (كولانو) الذي انتُخب لعضوية الكنيست أول مرة العام 2015 (أسّسه موشيه كحلون الذي انفصل عن حزب الليكود)، وفي المقابل كان ثمة حزب واحد استطاع حتى تلك الانتخابات تثبيت حضوره في السياسة الإسرائيلية، هو حزب “يوجد مستقبل”.

 

وفي رأي عدة أبحاث يشكل نجاح أحزاب الوسط واختفاؤها أحد الأعراض الأساسية لأزمة الأحزاب في إسرائيل، ذلك بأن كثرة أحزاب الوسط الجديدة التي تُقام ويُحقّق بعضها مكاسب كبيرة في الانتخابات تدل على عدم رضى الجمهور العريض من الأحزاب الموجودة بما في ذلك العريقة، ومن السياسيين الذين يقودونها، ومن إخفاقها في حل مشكلات أساسية في المجتمع الإسرائيلي. ويمسّ التبدل السريع في الأحزاب الممثلة في الكنيست، أكثر فأكثر، بثقة الجمهور بالسياسة والعمل السياسي، وبالسياسيين والأحزاب، علماً بأن هذه الثقة هي في الحضيض عموماً. والناخبون أنفسهم الذين خاب أملهم من الأحزاب الكبيرة يعودون فيُصابون بخيبة أمل أُخرى من أحزاب الوسط، المرة تلو الأُخرى، الأمر الذي ربما يعرضهم، كما يزعم عدد من الباحثين، إلى اليأس التام والنهائي من المنظومة السياسية، ومن “الديمقراطية الإسرائيلية” المنقوصة أصلاً.

(إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي « مركز الإعلام والدراسات الفلسطينية وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً)

 

عن نور الدين رديني

مدير التحرير

شاهد أيضاً

فشل السياسة «الإسرائيلية» تجاه الأزمة الروسية الأوكرانية

(عن الميادين نت ) سعت “إسرائيل” لإقناع القيادة الروسية بأنها مارست سياسة الحياد الإيجابي عند …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

آخر الأخبار