من يريد إعادة الاستيطان اليهودي إلى قطاع غزة ولماذا؟

(عن مدار: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية- وليد حباس)

في مساء يوم الأحد 28 كانون الثاني الحالي، انعقد مؤتمر استيطاني حضره وزراء «إسرائيليون»، وآلاف الناشطين اليمينيين، وعشرات المنظمات المدنية، ومجالس المستوطنات. وبينما أن التيار الاستيطاني في الكيان الصهيوني بدا في العقود الأخيرة تياراً توراتياً (أي: توراة إسرائيل تدعو إلى الاستيطان)، فإن هذا المؤتمر يشير إلى تحول نحو الخطاب القديم- الجديد الذي يعرفه الشارع «الإسرائيلي» منذ العام 1967 (أي: أمن دولة إسرائيل داخل 1948 يتحقق من خلال الاستيطان المدني).

بداية لا بد من التمييز بين نقاشين داخل الشارع «الإسرائيلي»: الأول، كيف يبرر الكيان استمرار سيطرته على الأرض المحتلة منذ العام 1967 (المقصود الضفة الغربية وقطاع غزة بدون القدس المحتلة)؟ أما النقاش الثاني فيتعلق بما إذا كان على الكيان أن يستوطن أيضاً داخل الأرض المحتلة بدلا من أن تحتلها فقط؟ والنقاش الثاني هو الذي يقع في صلب النقاش أدناه. صحيح أن الأدبيات تعرف الكيان بأنه دولة استعمار استيطاني توسعي، إلا أن هذه الاستيطان يتحقق من خلال أطراف وتيارات مختلفة، وكل تيار داخل الكيان لديه خطاب وتبرير خاص به حول ضرورة الاستيطان داخل الأرض المحتلة:

الخطاب الأول هو أن الاستيطان في الأرض المحتلة ضروري بهدف الوصول إلى أكثرية ديمغرافية. هذا خطاب متداول على نحو دقيق جدا، ولا يرد عادة في البرامج الانتخابية للأحزاب «الإسرائيلية» باعتباره السبب الحقيقي للاستيطان. في العام 2009 تم نشر استطلاع «إسرائيلي» يفيد بأن نسبة اليهود مقابل الفلسطينيين في كامل أرض فلسطين هو 67% إذا ما استثنينا سكان قطاع غزة الذين لا يريد هذا الاستطلاع احتسابهم. ويرى يورام أتينغر، وهو سياسي ورجل أعمال ېإسرائيلي» ومقرب من الإدارة الأميركية، بأن الاستيطان في الضفة الغربية وقطاع غزة مهم، وقد يساهم في إيصال نسبة اليهود في كل أرض فلسطين إلى حوالى 80% مقابل أقلية فلسطينية. ومن هنا، فإن مبررات ضم الأرض المحتلة إلى «إسرائيل» ستكون «أخلاقية» وستلقى قبولاً دولياً أكثر من إقامة دولة فلسطينية لأقلية عربية داخل «أرض إسرائيل».

لكن خطاب اليمين الليبرالي في الكيان يتأسس على رؤية مختلفة. يعود اليمين الليبرالي في الكيان إلى جابوتنسكي الذي اعتقد بأن هناك «شرعية دولية» للاستيطان في كامل أرض فلسطين بموجب قرارات مؤتمر سان ريمو (1920)، الذي منح اعترافاً دولياً بالحقوق القانونية وسيادة الشعب اليهودي على أرض فلسطين الكاملة وفقا للقانون الدولي في تلك الفترة (أي، قبل تشكيل الأمم المتحدة). والمقصود بالقانون الدولي هو أن هذا الاعتراف بحق اليهود في كل أرض فلسطين تمت المصادقة عليه في عصبة الأمم المتحدة (1922)، وجرى ذكره في اتفاق ترسيم الحدود البريطاني- الفرنسي (1920) واتفاق ترسيم الحدود البريطاني- الأميركي (1924). وبحسب هذا الخطاب الذي لا يزال حاضرا لدى تيارات واسعة داخل الليكود وأحزاب يمينية أخرى علمانية، فإن الشرعية الدولية للاستيطان تعني «حقاً سياسياً» وليس «حقاً توراتياً» وحسب، على الرغم من أن الشرعية الدولية اليوم تنظر إلى حدود «إسرائيل» بشكل مختلف.

يعبر الخطاب الثالث عن تيار يميني آخر وواضح المعالم داخل الكيان وهو التيار المتدين. ويرى المتدينون أن الاستيطان في الأرض المحتلة هو واجب ديني وحق «سماوي» انطلاقا من قناعة بأن آباء شعب «إسرائيل» عاشوا في مناطق يهودا والسامرة (الضفة الغربية) قبل ألفي عام، بغض النظر عن موقف المجتمع الدولي «الدنيوي». يمثل هذا التيار الصهيونية الدينية، والمستوطنين المتدينين، وعشرات المنظمات المدنية في الكيان وصناديق تبرع ومنح، ورجال أعمال صهيونيين في الولايات المتحدة. ومنذ عقود، هناك تحولات داخل مجتمع اليهود الحريديم نحو هذا الخطاب الذي يجمع بين الديني (الاستيطان واجب ديني) والسياسي (الاستيطان هو قلب الصهيونية). على الرغم من أن هناك قاعدة عريضة داخل الكيان تتبنى مفهوم «الاستيطان واجب ديني»، فإن هذا الخطاب بدا إشكالياً في العقدين الأخيرين، لأنه طرح قضية الاستيطان بشكل «مقدس» لا يمكن الاستئناف عليه. وبات العلمانيون والليبراليون من خارج معسكر اليمين يشعرون بأن الصهيونية الدينية وضعتهم في معادلة أن «دولة إسرائيل» (غربي الخط الأخضر) يجب أن تكرس نفسها لخدمة الاستيطان في الأرض المحتلة (شرقي الخط الأخضر)، أو باختصار «1948 في خدمة 1967».

الخطاب الأخير ينظر إلى الاستيطان في الأرض المحتلة باعتباره «ضرورة أمنية». يقدم هذا الخطاب نفسه على أساس أن «أمن إسرائيل داخل 1948 يتحقق من خلال الاستيطان في أراضي 1967»، أو بكلمات أخرى: «1967 في خدمة 1948». هذا خطاب يلقى قبولا أكثر داخل الكيان كونه يتقاطع مع اليمين المتدين واليمين العلماني والليبراليين ويمكن حتى نقاش «اليسار الإسرائيلي» حول جدواه طالما أن «الأمن القومي» هو صلب الموضوع. خصوصا وأن تفكيك الاستيطان في غزة قد جلب برأيهم الصواريخ، والحروب، وأضر بأمن «إسرائيل»، ثم أوصلها إلى هجوم 7 تشرين الأول. ولا بد من الإشارة إلى موقف العقيد أمير أفيفي، وهو صاحب خطة «حل الدولة الجديد» الذي يقترح دولة فلسطينية في غزة وشمال سيناء. في العام 2022، كتب أفيفي أن يهودا والسامرة هي الكنز الأهم لدى «إسرائيل» من وجهة نظر الأمن القومي، وأنه لا وجود لدولة «إسرائيل» من دون سيطرة أمنية مطلقة وشمولية على مناطق يهودا والسامرة بأكملها، لكنه أكد أيضاً أنه لا توجد سيطرة أمنية من دون استيطان مدني.

يبدو أن هذا الخطاب الأخير، أي «لا سيطرة أمنية من دون استيطان مدني»، تحوّل إلى نقطة التقاء تجمع أطيافاً عديدة داخل المجتمع «الإسرائيلي» بعد 7 تشرين أول، بمن فيهم الصهيونية الدينية التي عادة ما تفسر استيطانها من منطلق الواجب الديني. ولا بد من الإشارة إلى أن أفيفي يترأس اليوم «منتدى الأمنيين»، وهو أكبر تجمع لرجال الأمن «الإسرائيليين»، بمن فيهم قادة سابقون في الجيش، والإدارة المدنية، وجهاز الشاباك، ومؤسسات الأمن القومي، والموساد. وقد تم اختيار أفيفي أيضا كواحد من أكثر 50 يهودياً مؤثراً في العالم من قبل صحيفة «جروزاليم بوست»، وفي العام 2022 حصل على تكريم من «المنظمة الصهيونية الأميركية» («منتدى الأمنيين» في الكيان. لكن عمليا، هناك أصوات متصاعدة داخل الكيان تتبنى موقف أنه «لا سيطرة أمنية من دون استيطان مدني». وبينما أن أفيفي يركز في نقاشه على الضفة الغربية ويدعو إلى الاستيطان فيها بشكل شامل (في مقابل بناء دولة فلسطينية في قطاع غزة)، فإن هناك أصواتاً أخرى تدعو إلى السيطرة على قطاع غزة أيضاً من خلال الاستيطان المدني.

فمثلا يرى حاييم كاتس، وهو وزير السياحة «الإسرائيلي» الحالي من حزب الليكود، أن «الاستيطان وحده هو الذي يجلب الأمن». أما ميكي زوهر، وهو وزير الثقافة «الإسرائيلي» الحالي عن الليكود أيضا، فقد قال: «نحن نعقد مؤتمرا مهما، سنشرح فيه جيدا لكل من يريد أن يسمع لماذا الاستيطان مهم ولماذا منع إقامة دولة فلسطينية مهم». وقد لخص يوسي داغان، رئيس مجلس الاستيطان في منطقة شومرون (شمال رام الله)، الموضوع كالتالي: «أوسلو والانسحاب من غزة جلبا على رأسنا هذه المحرقة [يقصد 7 أكتوبر]… إن تجديد الاستيطان في قطاع غزة، وفي البداية من شمال قطاع غزة سيوفر لنا الأمن»!

عن علي محمد

مدير التحرير

شاهد أيضاً

فك شيفرة الممر البحري في غزة: مساعدات استراتيجية أم طموحات جيوسياسية؟

سوات دلغن إن مبادرة “الممر البحري” التي تقودها الولايات المتحدة في غزة، رغم تقديمها على …

آخر الأخبار