الاحتلال الصهيوني يواجه سيلًا من الدعاوى القضائية دوليًا.. ماذا عن دور العرب؟

أكد الادعاء العام السويسري، الجمعة 19 يناير/كانون الثاني 2024، تقديم شكوى جنائية ضد رئيس دولة الاحتلال إسحاق هرتسوغ، المشارك في المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس، بسبب جرائم الحرب التي ترتكبها بلاده ضد الفلسطينيين في قطاع غزة منذ 8 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وأسفرت عن ارتقاء أكثر من 24 ألف فلسطيني معظمهم من النساء والأطفال وتشريد ما يزيد على نحو 1.8 مليون مواطن، فضلًا عن تدمير قرابة ثلثي البنية التحتية والمعمارية لقطاع غزة.

 

وأشار مكتب الادعاء في بيان له إلى أن الشكاوى المقدمة – غير المعروف أصحابها – سيتم فحصها وفق اللوائح المعمول بها وأنه سيجري التواصل مع وزارة الخارجية السويسرية لبحث مسألة الحصانة التي يتمتع بها هرتسوغ، لاتخاذ ما يمكن بشأن تطورات سير التقاضي.

 

ومنذ الدعوى التي رفعتها جنوب إفريقيا ضد الاحتلال في محكمة العدل الدولية بتهمة ارتكاب إبادة جماعية في قطاع غزة، وعُقدت أولى جلساتها في 11 يناير/كانون الثاني الحاليّ، وتنهال الملاحقات القضائية ضد تل أبيب في تحرك يعكس الكثير من الدلالات ويُرسخ لمرحلة جديدة من واقع القضية الفلسطينية، في الوقت الذي يجلس فيه العرب في مقاعد المتفرجين، في انتظار ما يمكن أن تسفر عنه مثل تلك التحركات الدولية.

 

الاحتلال في مرمى الملاحقات القضائية

تواجه “إسرائيل” أزمة وجودية عالمية لم تختبرها منذ نشأتها في قلب الأراضي العربية، فلأول مرة يجد نفسه أمام أكثر من دعوى جنائية أمام المحاكم الدولية في نفس الوقت ولذات السبب ومن خلال قوى مختلفة ليس من بينها طرف المعركة، فلسطين أو الدول العربية الداعمة لها.

 

فبعد قص جنوب إفريقيا شريط هذا الماراثون من الملاحقات من خلال دعواتها المرفوعة أمام العدل الدولية قبل عشرة أيام، انضمت لها في تلك الدعوة بشكل رسمي ناميبيا التي أعلنت دعمها الكامل للحراك الجنوب إفريقي لوقف حرب الإبادة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني على أيدي قوات الاحتلال.

 

وبالتوازي مع هذا الحراك، أعلنت إندونيسيا رفعها هي الأخرى دعوى مماثلة جديدة ضد الاحتلال في محكمة العدل، فيما أوضحت وزارة الخارجية الإندونيسية أنها شكلت فريقًا من خبراء القانون لصياغة الدعوى وتدعيمها بالوثائق والمستندات، بحسب موقع “جاكرتا بوست” الذي نقل عن وزيرة الخارجية ريتنو مرسودي قولها إن القضية ستساعد في دعم النظام العالمي القائم على القانون الدولي، فضلًا عن دعم الفلسطينيين.

 

 

وفي ذات السياق أحالت المكسيك وتشيلي، الخميس 18يناير/كانون الثاني 2024، المشهد الكارثي في قطاع غزة إلى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، للتحقيق في جرائم الحرب المحتملة التي شنتها قوات الاحتلال بحق المدنيين في القطاع، فيما أوضحت الخارجية المكسيكية أن تلك الخطوة استندت إلى المادتين 19-14 من نظام المحكمة الذي يسمح لأي دولة طرف بها إحالة أي ملف للمدعي العام عند وجود جريمة أو أكثر تدخل ضمن الاختصاص.

 

جدير بالذكر أن محكمة العدل الدولية تنظر في النزاعات القانونية بين الدول فيما تختص الجنائية الدولية بمحاكمة الأفراد المتهمين بارتكاب جرائم دولية، بمعنى أن دعوى جنوب إفريقيا وإندونيسيا تستهدف معاقبة دولة الاحتلال فيما تستهدف دعوتا المكسيك وتشيلي محاكمة قادة الاحتلال المسؤولين عن تلك الجرائم أو أصحاب المواقف التحريضية إزائها.

دلالات رمزية وانتصار سياسي

– ربما لا تسفر تلك التحركات القضائية عن إجراءات رسمية عاجلة بحق الكيان المحتل، فالدعوات أمام العدل الدولية تحتاج إلى وقت طويل ومداولات متشعبة، كذلك الجنائية الدولية، وفي النهاية كلاهما خاضع بشكل كبير لحسابات سياسية تهيمن عليها الولايات المتحدة وحلفاؤها في أوروبا.

 

الأمر ذاته مع الدعوات الجنائية داخل بعض الدول كما هي الحالة السويسرية، فالحصانة التي يتمتع بها رئيس الاحتلال، فضلًا عن تقديم الدعوى من جهات ليست طرفًا مباشرًا في الأزمة (الصراع العربي الإسرائيلي)، ربما يقلل من فرص الإدانة القضائية، وهو ما قد يفسر اطمئنان الجانب الإسرائيلي نسبيًا إزاء تلك الدعوى خاصة بعد عودة هرتسوغ للأراضي المحتلة.

 

– لكن في الجانب الآخر، فإن مجرد مثول الكيان المحتل – المتغطرس بطبيعة الحال – أمام منصات التقاضي الدولية، وزيادة رقعة الاستهدافات القضائية وتعدد الدعاوى المرفوعة من أكثر من دولة في أماكن شتى من الكرة الأرضية، هو في ذاته انتصار يحسب للقضية الفلسطينية ومسارها الإقليمي والدولي.

 

– يرى أستاذ القانون الدولي في جامعة كوبنهاغن، مارك شاك، أن دعوى جنوب إفريقيا أمام العدل الدولية خطوة محورية قد تغير قواعد اللعبة في الحرب على غزة بصفة عاجلة، كما أنها في العموم تعد تحولًا مذهلًا “لناحية انتهاك اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الإبادة، التي اعتمدت في العام 1948 بعد الجرائم التي ارتكبت خلال الحرب العالمية الثانية”.

 

– ومما يضفي تلك الدعوى وغيرها أهمية محورية أن الأمر يتعلق بأسوأ ما يمكن أن تُتهم به دولة الاحتلال، كونها دولة أنشئت في الأصل على أساس الإبادة الجماعية – بحسب الخبير الدنماركي الذي اعتبر أن الدعوى ليست مهمة فقط من الناحية القانونية، لكن أيضًا تمس الشرعية السياسية لدولة الاحتلال وما إذا كان بإمكان الدول الأخرى الاستمرار في دعمها “إسرائيل”، بحسب تصريحاته لصحيفة “إنفورماسيون” الدنماركية.

 

– تسمح تلك الدعاوى المقدمة ضد دولة الاحتلال بتعريتها أمام المجتمع الدولي، وفضح جرائمها، وكشف زيف ادعاءاتها التي روجتها الآلة الإعلامية الصهيونية، وذلك بالأدلة الموثقة بالصوت والصورة، وهو ما يسقط القناع عن ذلك الكيان الحضاري الديمقراطي الذي ينتصر للمبادئ الإنسانية، وهي الصورة المضللة التي نجحت الصهيونية في داخل الأراضي المحتلة وخارجها الترويج لها.

 

– في ذات السياق يضع هذا الحراك الولايات المتحدة في مأزق إنساني وأخلاقي كبير، إذ تظهر بوجهها الحقيقي كدولة داعمة للإرهاب الإسرائيلي وجرائم الإبادة المرتكبة بحق شعب مدني أعزل، وهو ما قد يعرض سمعة واشنطن الخارجية للتشويه، وعليه يضع مصالحها الإقليمية والدولية في خطر، الأمر الذي بدأت إرهاصاته تلوح في الأفق مؤخرًا.

 

 

– تعرية دولة الاحتلال أخلاقيًا وسياسيًا وعسكريًا وإنسانيًا أمام المجتمع الدولي سيكون لها تبعاتها بلا شك على علاقتها بدول الجوار خصيصًا وجميع بلدان العالم بوجه عام، فما حققته تل أبيب على مدار السنوات السبعة الماضية من تكسير لجبال التطبيع الجليدية، ها هي تخسره في غضون أقل من 100 يوم فقط، حيث بات استمرار قطار التطبيع بنفس السرعة مسألة صعبة.

 

– على الجانب الدولي فإن الملاحقات القضائية المتتالية لدولة الاحتلال قد تدفع الكثير من البلدان إلى إعادة النظر في سياسات الدعم العسكري والسياسي المقدم لتل أبيب، وتضعها في مأزق كبير أمام شعوبها من جانب وأمام المؤسسات القضائية والحقوقية الدولية من جانب آخر، وهو ما سينعكس بطبيعة الحال على الكيان المحتل الذي بدأ يفقد كثيرًا من أوجه الدعم الدولي المقدم له بداية الحرب.

 

– بالتوازي مع كل هذا، فإن تعدد المنصات التي تبحث ملفات جرائم الحرب التي ترتكبها دولة الاحتلال، سيعيد بطبيعة الحال القضية الفلسطينية إلى الأضواء مرة أخرى، ليتردد اسم دولة فلسطين على الألسنة مجددًا، وتخرج حقوق الشعب الفلسطيني من أدراج النسيان بعد سنوات من التجهيل والتسطيح والغياب، ليعاد طرحها على طاولة النقاشات داخل أروقة المحاكم الدولية وعلى شاشات ومنصات الإعلام في الداخل والخارج.

إصرار عربي على الخذلان

 

من المثير للدهشة أن قطار ملاحقة دولة الاحتلال قضائيًا أمام المحاكم الدولية لم يمر من أي بلد عربي، بداية من محطة الانطلاق في جنوب إفريقيا ثم إلى ناميبيا مرورًا بإندونيسيا والمكسيك وتشيلي وصولًا إلى المحطة السويسرية.

حزمة من السياقات يستند إليها البعض لتبرير الغياب العربي عن مضمار الشرف هذا، على رأسها وأكثرها ترويجًا أن الأنظمة العربية التي تلعب دور الوسيط لحلحلة الأزمة لا يمكنها الإقدام على هذا الأمر الذي يجهض دورها الدبلوماسي بعدما يحولها إلى طرف في الأزمة.

غير أن هذا المبرر لم يقنع الكثيرين من المراقبين، فها هي الولايات المتحدة، الوسيط الأبرز في كل مسارات التفاوض منذ بداية الحرب، تمارس كل ما يمكن ممارسته لدعم الاحتلال، عسكريًا وسياسيًا ولوجستيًا، في العلن وأمام الجميع، ومع ذلك لم يجرؤ أحد على أن يتخلى عنها كوسيط ممثل عن تل أبيب، ترسيخ ممنهج لحالة الخذلان إزاء القضية الفلسطينية تصر عليها الأنظمة العربية.

عن علي محمد

مدير التحرير

شاهد أيضاً

إعلام إسرائيلي: محور يتبلور.. ضبط سلاح صيني بكميات كبيرة في غزة

وسائل إعلام «إسرائيلية» تقول إنه عُرض، أمام المستوى السياسي في «إسرائيل»، سلاح صيني ضُبطت كميات …

آخر الأخبار