ملامح المخاطر العالمية المحتملة في 2024

(عن إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية بتصرف)

تراجع أفريقي

 

تواجه الدول الأفريقية العديد من التحديات، وفي مقدمتها أزمة الديون المستعصية، وتراجع تدفقات رأس المال، والتأثيرات المتزايدة لتغير المناخ، والجفاف الشديد، والصراع وعدم الاستقرار السياسي عبر مساحة كبيرة من القارة. ومن مؤشرات الأزمات في القارة الأفريقية في 2024 ما يأتي:

 

1- تحول الثروة الديموغرافية في أفريقيا إلى عبء كبير: بحسب التقرير، فإنه بحلول عام 2050، سيكون ربع سكان العالم من الأفارقة، ومن المتوقع أن يصل عددهم إلى مليار نسمة في سنوات عمر العمل الأولى التي تتراوح بين 25 و59 عاماً، وهو ما يعني مضاعفة حصتهم من القوى العاملة لسكان العالم من 12% إلى 23%، وفقاً لتقديرات عام 2050 التابعة للأمم المتحدة. وفي غياب المزيد من النمو الاقتصادي وزيادة فرص العمل، فإن خطر تحول الثروة الديموغرافية في أفريقيا إلى عبء على المنطقة والعالم سوف يستمر في النمو.

 

2- تباطؤ النمو الاقتصادي وتزايد مشكلة الديون: شهدت أفريقيا نمواً اقتصادياً متواضعاً في التسعينيات عندما بلغ معدل النمو 2.5%، ثم ارتفع إلى 5.1% في العقد التالي، لكنه تباطأ حتى قبل ظهور جائحة كوفيد-19 في عام 2020. وبحسب التقرير، تضخمت الديون مع ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية بسبب الوباء، وأصبحت الآن عائقاً رئيسياً لنمو أفريقيا. ووفقاً للتقرير، فإن هذا النمو أصبح الآن في خطر؛ فوفقاً للبنك الدولي، تواجه 21 دولة أفريقية ضائقة الديون أو أخطارها. وقد تضاعف الدين العام للقارة ثلاث مرات تقريباً منذ عام 2010 ليصل إلى 656 مليار دولار، كما تبلغ خدمة الدين السنوية نحو 23% من الناتج المحلي الإجمالي لأفريقيا.

 

3- معضلة التوافق مع القوى الكبرى الدائنة: لكي تتمكن أفريقيا من تحقيق مسار تنموي جديد، بحسب التقرير، ستحتاج دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى تكثيف جهود مجموعة العشرين لتخفيف ضغط الديون. ولكن الانهيار الأخير في اتفاق هيكلة ديون زامبيا يبشر بالسوء بالنسبة إلى أي تخفيف سريع؛ فقد أجبرت الصين – بجانب دائنين رسميين آخرين – الدولة الغنية بالمعادن على تعليق صفقة بقيمة 4 مليارات دولار تقريباً من السندات الدولارية التي حصلت على موافقة صندوق النقد الدولي.

 

4- تراجع منحنى التعافي الاقتصادي في أفريقيا: مع تزايد تفتيت الاقتصاد العالمي ونزعته إلى الحمائية، فإن التنمية في أفريقيا سوف تصبح أكثر صعوبةً، وهو ما يؤدي إلى زيادة الفجوة بين الدول الصناعية والدول النامية. وبحسب التقرير، يحتاج أعضاء المجتمع العالمي إلى النظر إلى أفريقيا باعتبارها جزءاً أساسياً من مستقبلهم، ومن ثم الاتجاه نحو الاستثمار والتجارة مع الدول الأفريقية بشكل أكبر؛ فهذه الدول لديها بعض النفوذ لجذب المزيد من المساعدة الاقتصادية، كما يعتقد التقرير أن تنويع التجارة مع آسيا من شأنه أن يوفر فرصاً جديدة لا تتنافس بالضرورة مع أنماط التجارة الحالية التي تركز على أوروبا والأمريكتين، لكن الصراعات، وتغير المناخ، ومشاكل البيئة العالمية المتزايدة، تزيد من انحدار منحنى التعافي الاقتصادي والتنمية.

 

عودة ترامب

 

بحسب التقرير فإن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب لديه احتمال كبير للفوز في الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2024، ومن المرجح أن تؤدي إعادة انتخابه إلى إحداث فوضى في الديمقراطية الأمريكية وزيادة زعزعة استقرار النظام العالمي، وهو الأمر الذي يستدعي مجموعة من الأبعاد المتمثلة فيما يأتي:

 

1- تعزيز سياسات الانعزالية الأمريكية: يتنافس ترامب مع الرئيس جو بايدن، ويتقدم في معظم الولايات المتأرجحة الرئيسية، وفقاً لاستطلاع واحد على الأقل من نوفمبر الماضي. وعلى الصعيد الداخلي، فإن لدى ترامب طموحات استبدادية واسعة، بحسب التقرير. وعلى المستوى الدولي، يهدف ترامب إلى ملاحقة أجندته “المناهضة للعولمة”، التي تتسم بقدر أكبر من الانعزالية؛ ولذا من المحتمل أن يلغي ترامب تعهدات الولايات المتحدة بشأن المناخ، كما يقول مستشاروه إنه سيلغي قانون الحد من التضخم ويعزز إنتاج الوقود الأحفوري.

 

2- وقف الدعم الأمريكي لأوكرانيا: يشير التقرير إلى أنه في ظل رئاسة ترامب، من المحتمل أن توقف الولايات المتحدة المساعدات لأوكرانيا، وتجدد العلاقات مع موسكو، وتسعى إلى التوصل إلى اتفاق مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشأن أوكرانيا. وفي الوقت نفسه، قد يحاول ترامب مرة أخرى التوصل إلى اتفاق مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونج أون بشأن الأسلحة النووية.

 

3- تعزيز صعود الشعبوية واليمين المتطرف في الغرب: فقد يؤدي انتخاب ترامب إلى تغذية موجة القومية الشعبوية في أوروبا؛ إذ تظهر النجاحات الانتخابية الأخيرة التي حققتها الأحزاب اليمينية المتطرفة في ثلاث دول (هولندا وسلوفاكيا وإيطاليا) توجهات شعبية داعمة للنفوذ اليميني في الدول الأوروبية، وتغييراً كبيراً في المشهد السياسي.

 

4- تراجع الدور العسكري الأمريكي في أوروبا وآسيا: إذا وصل ترامب إلى السلطة، فقد ينحرف الغرب بأكمله عن مساره الدولي؛ فلقد ألمح ترامب إلى أنه يريد أن تغادر الولايات المتحدة دورها في حلف الناتو أو تقلل منه، إذا لم تتم تلبية مطالب الولايات المتحدة بإنفاق أوروبي أكبر بكثير. وبالمثل قد يحاول ترامب سحب القوات الأمريكية من كوريا الجنوبية واليابان إذا لم توافق هذه الدول على تقاسم المزيد من الأعباء في التكاليف المرتبطة بتمركز القوات الأمريكية في آسيا.

 

5- الاتجاه نحو حرب تجارية واسعة والحد من دعم المؤسسات الدولية: اقترح ترامب، على نطاق أوسع، فرض تعريفة بنسبة 10% على جميع الواردات. ومن شأن هذه الخطوة أن تعزز حرباً تجارية، كما سيواصل ترامب سياساته التي دشنها خلال فترة ولايته السابقة، الخاصة بتخفيض الدعم للمؤسسات الدولية. وبحسب التقرير، فمن الممكن تخفيف أجندة ترامب إذا استعاد الديمقراطيون مجلس النواب و/أو احتفظوا بمجلس الشيوخ.

 

جمود أوكراني

 

يرجح أن يتجه الوضع في أوكرانيا نحو الجمود وعدم وضوح الرؤية؛ وذلك على النحو التالي:

 

1- عدم القدرة على التنبؤ بمسارات الحرب العسكرية: شهد عام 2023 تحول الهجوم المضاد الأوكراني إلى حرب استنزاف مع القليل من المكاسب. لكن بحسب التقرير، لا يمكن التنبؤ بمسار الحرب خلال العام الجاري؛ فقد يشهد عام 2024 نجاحات أوكرانية أعظم. ولكن من جانب آخر، شعرت واشنطن بخيبة أمل؛ لأن القوات الأوكرانية تجاهلت النصيحة الأمريكية بشأن حشد القوات في الجنوب، وهي خطوة كان من الممكن أن تهدد سيطرة روسيا على شبه جزيرة القرم.

 

2- الضغط على أوكرانيا لقبول وقف إطلاق النار: من المرجح أن تتزايد الضغوط الغربية على كييف لإجراء محادثات وقف إطلاق النار. وسيجني بايدن فائدة سياسية في حملته المقبلة من خلال إنهاء القتال. ولكن بعيداً عن الهزيمة العسكرية، من غير الواضح إذا ما كان بوتين يريد فعلاً إجراء محادثات لوقف إطلاق النار؛ فربما يريد بوتين انتظار احتمال وصول ترامب إلى الرئاسة، وفي هذه الحالة قد يتعرض لضغوط أمريكية قوية لوقف القتال، لكنه يمكن أن يتوقع معاملة أفضل ضمن اتفاق سلام.

 

3- احتمالية تكثيف الهجمات الروسية على البنية التحتية الأوكرانية: ربما تركز استراتيجية بوتين على تكثيف الهجمات الصاروخية والمُسيرات على المدن والبنية التحتية والموانئ الأوكرانية في محاولة لتدمير أوكرانيا بصفتها دولة قومية فاعلة بدلاً من الاستيلاء على المزيد من الأراضي. ومن غير الواضح – بحسب التقرير – كيف سترد الولايات المتحدة أو حلف الناتو على مثل هذا النهج.

 

 

الوفاق الأوراسي

 

يجادل التقرير بأن محاولات وصف التحول العالمي الحالي بأنه تحول بين الاستبداد والديمقراطية، أو حتى تصور عالم متعدد الأقطاب باعتباره عالماً ثنائي القطب، تفشل في فهم التعقيد الذي ينطوي عليه التحول في المشهد الجيوسياسي؛ إذ أضحت القوى العظمى الآن متعددة الانحيازات في السعي لتحقيق مصالحها. وفي هذا العالم المتشرذم، تنشأ مجموعة كبيرة من التحالفات الجديدة التي لا ترقى بعد إلى مستوى التحالفات الاستراتيجية، ولكنها تثير القلق، ومن أبرزها “الوفاق الأوراسي” الذي يضم عضوين نوويين يتمتعان بحق الفيتو في مجلس الأمن: روسيا والصين، بجانب “كوريا الشمالية وإيران”. إن هذا التحالف مثير للقلق لأسباب عدة، من أبرزها:

 

1- ترقية التحالف نحو التعاون والمساعدات العسكرية المتبادلة: اتجهت بكين لدعم شراكتها مع موسكو “بلا حدود”؛ إذ إن روسيا والصين تتعاونان بشكل متزايد في استراتيجية لمواجهة الولايات المتحدة. وتستخدم كوريا الشمالية وإيران تفاعلات ومعاملات جديدة لتتماشى بشكل أكبر مع المصالح الصينية الروسية. وقد أثبتت الطائرات بدون طيار الإيرانية أهميتها في حرب روسيا ضد أوكرانيا. ومن جانبها، تقدم كوريا الشمالية المزيد من الأسلحة بعد زيارة كيم جونج أون إلى روسيا. علاوة على ذلك، ساعدت تكنولوجيا الصواريخ الروسية كوريا الشمالية في إطلاق أول قمر صناعي عسكري ناجح في نوفمبر.

 

2- سعي بكين نحو نظام عالمي بديل للأحادية الأمريكية: تسعى بكين إلى بناء نظام عالمي بديل يتمحور حول الصين، وتستفيد بطرق متعددة من الشراكات القوية مع جيرانها في أوراسيا. وفي إطار ذلك، تدعو بعض الأصوات داخل واشنطن بالفعل إلى زيادة الأسلحة النووية الأمريكية لمواجهة التحالف الصيني الروسي.

 

3- احتمالية توسع الصراعات الأمريكية مع دول الوفاق الأوراسي: بحسب التقرير، تختلف العلاقات بين الدول الأربع، لكن بالنسبة إلى واشنطن، التي استخفت بقوة الروابط الروسية الصينية وكثيراً ما تخيلت حدوث انقسام متجدد بين موسكو وبكين، فإن توسيع هذا التحالف ليس جيداً؛ لأنه يزيد احتمالات نشوب صراع أكبر.

 

التهديدات النووية

 

انهار إطار «الاستقرار الاستراتيجي لفترة ما بعد الحرب الباردة» بشكل مباشر مع تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وروسيا. علاوة على ذلك، فإنه في الذكرى السنوية الأولى لغزو أوكرانيا، أعلنت موسكو أنها علقت مشاركتها في اتفاق ستارت الجديد الذي يقيد الولايات المتحدة وروسيا بعدد 1550 رأساً نووياً منتشراً وينتهي العمل به في عام 2026؛ ما ينذر بعصر نووي جديد، ومن مؤشرات ذلك:

1- توسع احتمالية انتشار الأسلحة النووية في مناطق مختلفة

2- تسابق القوى الكبرى على تحديث القدرات النووية

3- تحديث القدرات الأمريكية النووية تحسباً لمواجهة نووية محدودة مع روسيا

4- إنتاج تقنيات الذكاء الاصطناعي نقاط ضعف جديدة للقوى النووية

مخاوف تكنولوجية

لا يزال الذكاء الاصطناعي يشكل أحد التحديات العالمية الصاعدة، التي تثير مجموعة من المخاوف؛ وذلك في ضوء عدد من الاعتبارات:

  • تراجع الدور البشري مع التقنيات المتطورة للذكاء الاصطناعي
  • غياب التشريعات حول معايير السلامة مع استخدام الذكاء الاصطناعي

3-تزايد الانقسام العالمي حول الذكاء الاصطناعي

4-قلة الأبحاث العلمية السليمة حول سلامة الذكاء الاصطناعي

وختاماً، يشير التقرير إلى أن جميع الأخطار التي نوقشت أعلاه هي – على حد تعبير وزير الدفاع الأمريكي السابق دونالد رامسفيلد – أحداث أو اتجاهات واضحة يمكننا تقييم مساراتها. ولكن أحد المحركات غير الملموسة للعديد من هذه الاتجاهات هو «الاستبداد الأخلاقي»؛ إذ تنظر هذه العقلية إلى القضايا من خلال عدسة «نحن» في مواجهة «هم»، والخير في مواجهة الشر، وتميل نحو التعصب وسياسات الهوية. ويتميز هذا النهج بما يسميه علماء النفس «التحيز المعرفي»، وهو الميل إلى تصفية كل الأحداث من خلال معتقد جامد شبه ديني أو مجموعة من المعتقدات والسلوكيات المحفزة، كما تميل هذه العقلية أيضاً إلى التشبث بافتراضات عفا عليها الزمن؛ ما يؤدي إلى الاعتماد على القرارات والإجراءات السابقة لتحقيق الأهداف بدلاً من تقييم الظروف والاتجاهات الحالية. وقد تؤدي مثل هذه الأفكار الثابتة إلى نتائج مأساوية، إن لم تؤد إلى حرب عالمية ثالثة.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز الإعلام والدراسات الفلسطينية، وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصرا

عن علي محمد

مدير التحرير

شاهد أيضاً

السيد خامنئي: شعور الغرب بخطر انهيار “إسرائيل” دفعهم للمسارعة إلى جولاتهم التضامنية

قال قائد الثورة والجمهورية الإسلامية في إيران، السيد علي خامنئي، إنّ الأميركيين عملياً هم من …

آخر الأخبار