79 يوماً من فشل الكيان الصهيوني: غزة لن تكون مكاناً غير قابل للحياة

الشعب الفلسطيني لن يترك القطاع يتحوّل إلى بقعة جغرافية غير جديرة بالحياة، وإلا ما معنى أن يتمسّك أكثر من 800 ألف فلسطيني بالبقاء في شمال القطاع رغم آلاف القنابل التي أسقطتها الطائرات الصهيونية.

زياد غصن

على خلاف جميع الحروب أو لنقل معظمها، تعمد “إسرائيل” في عدوانها المستمر على قطاع غزة إلى تدمير واسع ومتتابع للبنى التحتية والمرافق الخدمية والمقوّمات الاقتصادية.

 

فالجرافات التي يفترض أن وظيفتها أثناء المعارك إزالة الركام وفتح الطرق أمام العربات العسكرية وقوات المشاة، تنشغل في الأراضي الفلسطينية بتجريف الأراضي الزراعية، تخريب الطرق والممتلكات العامة والخاصة، هدم المراكز الصحية والمستشفيات وغيرها. وهذا ما يحدث أيضاً في الاقتحامات شبه اليومية، التي تقوم بها قوات الاحتلال لمناطق الضفة الغربية ومخيماتها الثائرة منذ عملية “طوفان الأقصى”.

 

وإذا كان ذلك يبدو طبيعياً مقارنة بالسلوك “الإسرائيلي” الاعتيادي المتحرر من كل القيم والمبادئ الإنسانية والأخلاقية، والذي أنتج آلاف المجازر والجرائم، التي ذهب ضحيتها إلى اليوم ما يزيد على 100 ألف فلسطيني منذ حدوث النكبة ولغاية العام الماضي، فإن ممارسات الآلة العسكرية في قطاع غزة في العدوان المستمر منذ السابع من أكتوبر الماضي تبدو مختلفة لاعتبارات كثيرة، أهمها أن عدد الشهداء الذين سقطوا خلال شهرين ونصف الشهر تقريباً من العدوان الحالي على القطاع بات يشكّل ما نسبته 25% من إجمالي عدد الشهداء الفلسطينيين المسجّل في داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة وخارجها، وذلك خلال الفترة المذكورة سابقاً وفقاً لتقديرات جهاز الإحصاء الفلسطيني.

 

أكثر من أرض محروقة

تنظر “إسرائيل” إلى عمليتها العسكرية الحالية في قطاع غزة على أنها مسألة حياة أو موت، سواء على المستوى الشعبي العام أو على المستوى الشخصي لحكومة نتنياهو.

 

ذلك أن عملية “طوفان الأقصى” شكّلت ما يمكن اعتباره التهديد الأخطر على وجود الكيان منذ النكبة قبل نحو 75 عاماً من حيث مستوى العملية وجرأتها ودقتها، الخسائر البشرية الصهيونية التي نجمت عنها، وحجم الضرر الذي لحق بثقة المستوطنين بمستقبل “دولتهم”، والانعكاس المباشر لذلك في تزايد أعداد الهاربين من الكيان.

 

ولهذا فإن طبيعة التدمير الممارس في القطاع وحجمه يعكسان الهستيريا الصهيونية الساعية لاستعادة هيبة “الجيش” المنكسر من جهة، ومحاولة مسح الأثر المتحقّق والمتبقّي داخلياً وخارجياً من عملية “طوفان الأقصى” من جهة ثانية. وعليه فإن هدف العملية يتمثّل في اقتلاع جذور الحياة من قطاع غزة، وليس فقط القضاء على حركة حماس، وإلا ما معنى ما يلي:

 

– الاستهداف المباشر والمكثّف للمدنيين في القطاع من خلال إسقاط ما يزيد على 25 طناً من المتفجرات على التجمّعات والأحياء السكنية أسفرت بعد 79 يوماً من العدوان عن ارتقاء أكثر من 26 ألف شهيد ومفقود، وهو رقم يزيد بنسبة 1192% مقارنة بعدد شهداء القطاع خلال عدوان العام 2014، وهو العام الذي صنّف قبل السابع من أكتوبر الماضي كأكثر الأعوام دموية منذ حدوث النكبة، وسقط فيه نحو 2181 شهيداً في قطاع غزة لوحده.

 

– القيام بتجريف واسع ومتعمّد للأراضي الزراعية واقتلاع الأشجار وتدمير الممتلكات الزراعية، والتسبب تالياً بخسارة تراكمية للقطاع الزراعي في غزة تقدّر بنحو 265 مليون دولار منذ بدء العدوان، إذ إن تقديرات جهاز الإحصاء الفلسطيني تتحدث عن خسارة يومية قدرها مليونا دولار من جراء توقّف الإنتاج الزراعي، وترتفع إلى ما متوسّطه يومياً نحو 3.5 ملايين دولار، فيما لو أضيفت الخسائر الناجمة عن تجريف الأراضي واقتلاع الأشجار وتدمير الممتلكات والأصول الزراعية.

 

مع الإشارة إلى أن مساهمة القطاع الزراعي في غزة من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي على مستوى القطاع تشكّل ما نسبته 11%.

 

– إخراج أكثر من 56 ألف منشأة إنتاجية تابعة للقطاع الخاص في القطاع عن الخدمة والإنتاج، والتسبّب بخسائر قدّرتها مصادر رسمية فلسطينية مع نهاية الشهر الأول للعدوان بأكثر من 713 مليون دولار على مستوى المنشآت الاقتصادية في قطاع غزة والضفة الغربية، وتالياً فهي بعد مرور 75 يوماً تكون قد أصبحت في حدها الأدنى نحو 1.8 مليار دولار على اعتبار أن متوسط الخسائر تبلغ يومياً نحو 24 مليون دولار، هذا إضافة إلى الخسائر المباشرة المترتّبة على ما لحق بالممتلكات والأصول من أضرار جزئية أو كلية، وهي قدّرت رسمياً مع نهاية شهر تشرين الأول/أكتوبر الماضي بنحو 2.5 مليار دولار.

 

وتظهر البيانات الرسمية أن تقديرات الخسائر الإنتاجية للقطاع خلال الشهر الأول من العدوان الإسرائيلي تتجاوز 200 مليون دولار.

 

– تدمير وهدم ما يزيد على 40 ألف وحدة سكنية في القطاع، وإلحاق الضرر الجزئي بنحو 220 ألف وحدة سكنية، وهي خسائر تمثّل في النهاية نحو 60% من إجمالي عدد الوحدات السكنية. الأمر الذي تسبّب بنزوح أكثر من مليون ونصف المليون شخص عن منازلهم ومناطقهم داخل القطاع المحاصر بالقصف المستمر.

 

– إفقاد أكثر من 147 ألف عامل في القطاع لأعمالهم ووظائفهم، الأمر الذي زاد من التداعيات السلبية الخانقة للحصار الصهيوني، المفروض على القطاع منذ العام 2007، وتحوّل إلى حصار مطبق منذ السابع من أكتوبر لدرجة منع دخول الشاحنات الأممية المحمّلة بالمساعدات الإغاثية الطارئة، قطع المياه والكهرباء عن القطاع بشكل نهائي.

 

إذ باستثناء بعض العاملين في قطاعي الصحة والمساعدات الإنسانية، والذين باتوا يعملون بفعل الواجب الوطني والأخلاقي والإنساني فقط ومن دون أن يتقاضوا أي أجر، فإن معدلات البطالة وصلت إلى معدلات شبه تامة، خاصة وأنها كانت في القطاع تتجاوز 45%. والسبب في ذلك المعدل المرتفع ليس فقط الحصار الصهيوني للقطاع، وإنما أيضاً الشريط الأمني الذي أقامته “تل أبيب” في القطاع حماية لمستوطناتها.

 

عوامل أخرى مساعدة!

تعوّل “تل أبيب” في تحقيق تلك الممارسات والأعمال لهدفها الوحيد، والمتمثل في مسح أو إلغاء أي مؤشرات للحياة في القطاع، على مجموعة من العوامل الأخرى، والتي يمكن إيراد أهمها:

 

– الدعم الأميركي غير المحدود، والذي لا يزال إلى الآن يبرّر “للجيش” الصهيوني كل ما يرتكبه من جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ويوفّر له كل ما يحتاجه من معدات وذخائر وأسلحة فتاكة، تدرك الإدارة الأميركية أنها في النهاية تستخدم ضد الأحياء السكنية والمدنيين. وهذا ما خلصت إليه التحقيقات المنشورة في كبريات الصحف الأميركية.

 

– الموقف الإقليمي والدولي المتخاذل والعاجز عن نصرة سكان قطاع غزة. وهذا الموقف وإن بدا رسمياً متعاطفاً مع المدنيين الأبرياء ويطالب إعلامياً بوقف الحرب، إلا أنه عملياً يحافظ على علاقاتها السياسية والاقتصادية مع الكيان الصهيوني ويمده بما يحتاجه من سلع وبضائع في هذا المرحلة. كما هو موقف تركيا ودول أخرى كثيرة.

 

– يقين الكيان الصهيوني أن عملية إعادة إعمار قطاع غزة لن يكتب لها النجاح لأسباب متعددة، من أبرزها عدم التزام الدول العربية والإسلامية بالتعهدات المالية التي قد تطلقها لتمويل إعادة الإعمار، فضلاً عن تجنّب تلك الدول الدخول في مواجهة مباشرة مع “إسرائيل” بدليل عجز تلك الدول عن إدخال المساعدات الإغاثية للقطاع منذ بدء العدوان عليه.

 

– عجز السلطة الوطنية الفلسطينية عن القيام بمهامها سواء نتيجة الوضع الراهن لمؤسساتها وأجهزتها أو بفعل الإجراءات الإسرائيلية الرامية لمحاصرة السلطة وتقويض صلاحياتها ومسؤولياتها ومنع تحويل مستحقاتها المالية وتنشيط اقتصادها. وعليه فإن السلطة لن تكون قادرة على دعم القطاع بعد انتهاء العدوان، وبما يمكّنه من تجاوز الآثار الواسعة للعدوان.

 

هل ستنجح “إسرائيل” في جعل القطاع مكاناً غير ملائم للحياة؟

بعد حصار مستمر منذ خمسة عشر عاماً، تفاجأ الشارع العربي بمحافظات القطاع ومدنه عمرانياً واقتصادياً واجتماعياً. فالحصار على شدّته وسلبياته المتنوّعة تحوّل إلى “فرصة” جعلت الغزيين يحوّلون القطاع إلى مكان ينبض بالحياة والتطور على الأقل مقارنة بما أرادات “إسرائيل” وبعض الدول فعله بهذا القطاع.

 

ولذلك فإن الشعب الفلسطيني لن يترك القطاع يتحوّل إلى بقعة جغرافية غير جديرة بالحياة، وإلا ما معنى أن يتمسّك أكثر من 800 ألف فلسطيني بالبقاء في شمال القطاع رغم آلاف القنابل التي أسقطتها الطائرات الصهيونية، وما معنى أن تدفن الأسر شهداءها ثم تعود إلى حيث قصفت، وما معنى الرفض الشعبي للتهجير الداخلي والخارجي؟

عن علي محمد

مدير التحرير

شاهد أيضاً

وخزات سياسية

 (مجلة فتح العدد – 764) لقد مر على معركة طوفان الأقصى خمسة أشهر ونيف، ولم …

آخر الأخبار