دراسات وتقارير:تقرير «إسرائيلي» رسمي عن أحداث هبة أيار 2021 (1)

هشام نفاع

يسلط التقرير الذي أصدره مكتب مراقب الدولة الإسرائيلي حول هبّة أيار 2021 – والمعروفة في المعجم الإسرائيلي بما يوصف كـ “أعمال شغب” رافقت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في 2021، أو كما أسمتها السلطة الإسرائيلية “عملية حارس الأسوار”، وأسمتها الفصائل الفلسطينية “معركة سيف القدس” – كل الضوء على المسائل الأدائية المتعلقة بمدى استعداد وتنظّم واستشراف جهاز الشرطة الإسرائيلية و”جهاز الأمن العام” (الشاباك) للأحداث المتزامنة مع ذلك العدوان الإسرائيلي، في عدد من المدن التاريخية أو المسماة المدن المختلطة، وعلى وجه الخصوص في كل من اللد، يافا وعكا. وفي طيّاته يقدم التقرير صورة عن “الفجوات” في الميزانيات والخدمات ما بين السكان اليهود والسكان العرب في هذه المدن، والواقع الاجتماعي الاقتصادي، وواقع العنف والجريمة، ضمن مقارنة بين المجموعتين القوميتين.

 

سيتم استعراض هذا التقرير بمضامينه الأبرز في جزأين، يقدّم الجزء الأول منهما التقرير بلغة معدّيه وما اختاروه كخلفية، مسبب ودافع لأحداث أيار 2021، على أن يقدّم الجزء الثاني قراءة نقدية على مستوى المضمون و “السردية” التي يقدمها مكتب مراقب الدولة الإسرائيلي للحدث، والتي وإن كانت نقديّة لسلوك مؤسسات الدولة الرسمية فإنها تظل تتراوح في حدود الخطاب الرسمي، فلا تضع الاحتلال والحصار والقضية الفلسطينية عموماً كإطار لقراءة ما حدث، بل تختزله في جوانب أدائية وإحصائية، مهما بلغت أهمية عرضها ستظل تعاني من قصور في التوصيف والتحليل.

 

يقول التقرير في مقدمته إن “المدن المختلطة هي جزء من المشهد الإسرائيلي، وعالم مصغر للمجتمع الإسرائيلي ككل، على كل تعقيداته. يعرض هذا التقرير الخاص نتائج الرقابة التي تم اجراؤها في مسألتين تتعلقان بالمدن المختلطة: الشرطة وتطبيق القانون في المدن المختلطة خلال أحداث حارس الأسوار وفي الحياة الروتينية، والخدمات البلديّة في المدن المختلطة”.

 

وعن المدن التي شهدت الهبّة في أيار 2021، يضيف التقرير أنه “وفقاً لتعريف مكتب الإحصاء المركزي، فإن البلدة المختلطة في إسرائيل هي منطقة ذات أغلبية ساحقة من السكان اليهود وأقلية كبيرة من السكان العرب. في إسرائيل، هناك تسع بلدات تعرف بأنها “مختلطة”، بما في ذلك ثماني مدن (القدس، تل أبيب – يافا، حيفا، عكا، الرملة، اللد، معالوت- ترشيحا، ونوف هجليل) وبلدة قروية واحدة (نافيه شالوم). في العام 2020، بلغ عدد السكّان في المدن المختلطة حوالي مليوني نسمة، منهم حوالي 500 ألف من السكان العرب – 370 ألفاً في القدس و130 ألفاً في المدن المختلطة الأخرى”. هنا يجب الاستباق والإشارة إلى اعتبار القدس ضمنياً “موحدة” أي محو حدود احتلال حزيران 1967.

 

ثغرات في تقسيم المسؤوليات بين الشرطة وجهاز “الشاباك”

 

يصف التقرير ما حدث كما يلي: “في أيّار 2021، اندلعت أعمال شغب قاسية في عدة مدن مختلطة، بينها حيفا واللد وعكا وتل أبيب – يافا. خلال أعمال الشغب، قُتل ثلاثة مواطنين إسرائيليين وأصيب العشرات ولحقت أضرار جسيمة بالممتلكات. وقد أبرزت هذه الأحداث التوترات القائمة بين مختلف الفئات السكانية وشهدت على الحاجة إلى اتخاذ إجراءات على المستويين القطري والمحلي لخلق حيز عام محترم ومشترك ولمنع تكرار مثل هذه الأحداث. كما أظهرت هذه الأحداث تحديات الحفاظ على الأمن الشخصي وضمان النظام العام في المدن المختلطة وأبرزت الحاجة إلى فحص جوانب متعلقة بالشرطة وتطبيق القانون في هذه المدن”.

 

ويتابع: “تشير الرقابة في موضوع الشرطة وتطبيق القانون في المدن المختلطة خلال أحداث ’حارس الأسوار’ وفي الحياة اليومية، والخدمات البلديّة في المدن المختلطة، إلى أوجه قصور في عمل الشرطة قبل وأثناء أحداث ’حارس الأسوار’، وفي استعدادها وجاهزيتها في حال حدوث مخالفات مخلّة بالنظام في عدّة أصعدة بشكل عام وفي المدن المختلطة على وجه الخصوص. عكست أحداث ’حارس الأسوار’ ضعفاً ملحوظاً وتقصيراً في استعداد نظام خدمة وحدات الاحتياط في شرطة حرس الحدود. تم اكتشاف ثغرات في تقسيم المسؤوليات بين الشرطة وجهاز الأمن العام (الشاباك) فيما يتعلق بالاستخبارات في مجال النظام العام، مما ساهم في وجود فجوات استخباراتية كبيرة انعكست في التعامل مع أحداث ’حارس الأسوار’. كشف التقرير أنه في ذروة أحداث ’حارس الأسوار’ في مدينة اللد، لم تتم الاستجابة إلى آلاف المكالمات من السكان (حوالي 2836 مكالمة بين 11 إلى 13 أيّار 2021) – الذين توجهوا إلى مراكز الشرطة، وذلك بسبب مضايقات واجهوها أو للإبلاغ عن أحداث شهدوها. أما آلاف التوجهات الأخرى (حوالي 4059 حادثة)، التي تم الرد عليها والتي أدت إلى فتح سجلات حوادث، فلم تتلق رداً مناسباً من الشرطة. وتجدر الإشارة إلى أنه خلال أحداث ’حارس الأسوار’، كان هناك ضغط كبير في التوجهات من السكان إلى المركز الهاتفي القطري للشرطة 100 في جميع أنحاء البلاد، مّما أدى إلى صعوبة في تقديم رد فعال للمتوجهين”.

 

كما كشف التقرير “عن فجوات في استعدادات الشرطة للتعامل مع التحديات الماثلة أمامها وتطبيق القانون، وكيفيّة تطبيقها في الحياة اليومية. من بينها أنه في إطار التعامل مع التحديات الماثلة أمام الشرطة وتطبيق القانون بشكل عام وفي المدن المختلطة على وجه الخصوص، تمت الاستعانة بتعزيزات من مناطق أخرى على نطاق واسع، كحل للثغرات في قدرة الوحدات الشرطية المحلية على التعامل مع الحوادث المختلفة. هذه الحاجة المتكررة إلى التعزيزات تثير التساؤل حول ما إذا كانت الموارد المخصصة للوحدات مناسبة للتحديات التي تواجهها الشرطة”.

 

أضرار مادية تُقدّر بعشرات ملايين الشواكل

 

يقدر تقرير مراقب الدولة الإسرائيلي “أضرار أعمال الشغب التي لحقت بالجسد والممتلكات بعشرات ملايين الشواكل. وتبين أنه في حوالي 880 حالة تم دفع تعويضات للمتضررين من خزينة الدولة بمبلغ 33 مليون شيكل، ولاحقا تم تقديم لوائح اتهام ضد 574 متورطاً. ومقابل الأضرار التي بلغت عشرات ملايين الشواكل، تبين أنه بحسب موقف وحدة إنفاذ القانون المدنية، في موعد انتهاء الرقابة، يقدر حجم الضرر الذي يمكن المطالبة به في إطار الإجراءات القضائية المدنية من قبل حوالي 55 مواطناً بحوالي 4.5 مليون شاقل، وفي موعد انتهاء الرقابة، لم يتم رفع أي دعاوى مدنية لتعويض الأضرار التي لحقت بممتلكات الدولة واستعادة أموال التعويض المدفوعة للمتضررين”.

 

يقول مكتب المراقب في باب التوصيات إن “نتائج هذا التقرير والظروف التي تعمل فيها الشرطة ستلزم رئيس الحكومة ووزير الأمن الداخلي، ومن خلالهما حكومة إسرائيل، الشرطة، الشاباك وجهاز الأمن بأكمله، بالتطرق إلى هذه القضايا الرئيسة. فيوصى بأن تعمل الشرطة وجهاز الأمن العام (الشاباك) على تحسين أنشطتهما في المدن المختلطة خلال الحياة اليومية وزيادة استعدادهما للأحداث المتطرفة، وفقاً للتهديدات والسيناريوهات المرجعية. يوصى أيضاً بأن يقوم مكتب المدعي العام بصياغة سياسة ردع واتخاذ إجراءات مدنية، خاصة في حال وجود متضررين من الحوادث الإرهابية والجرائم المرتكبة بدافع الكراهية والعنصرية – لتعزيز الإجراءات اللازمة لإتمام التحقيق في تلك القضايا واتخاذ قرار بشأن إمكانية رفع دعاوى مدنية”. ويوضح مكتب المراقب فيما يمكن اعتباره إطراءً لضرورات التوازن “أن أوجه القصور والثغرات التي وُجدت في هذا التقرير لا تقلل من تقييم تفاني شرطة إسرائيل وضباطها، المقاتلين وضباط شرطة حرس الحدود وجهاز الأمن العام (الشاباك)، الذين يعملون في ظروف لا يستهان بها، ويخاطرون ويضحون بأنفسهم للحفاظ على أمن الجسد والممتلكات وتطبيق القانون.

 

فجوات في الخدمات المدنية التي يتلقاها اليهود مقابل العرب

 

في الفصل المتعلق بموضوع “الخدمات البلدية في المدن المختلطة في إسرائيل” توقف التقرير عند جوانب اجتماعية- اقتصادية، بالقول: “تواجه هذه الناحية العديد من التحديات: يتطلب تاريخ العلاقة بين الشعب اليهودي والسكان العرب (بمصطلحات التقرير) بذل جهود كبيرة من كلا الجانبين لتأسيس بنية تحتية تعزز نسيج حياة مشترك. يجب على البلديات تقديم خدمات مدنية بشكل مساوٍ لجميع الفئات السكانية، مع مراعاة خصائصهم المختلفة، والعمل على زيادة الشعور بالانتماء والاندماج لدى جميع سكان المدينة. إلى جانب ذلك، تتمتع المدن المختلطة أيضاً بالعديد من النقاط الإيجابية من حيث التعاون بين السكان اليهود والعرب وإمكانيات كبيرة للتعارف والحوار، وخلق حيز عام متسامح ومحترم ونسيج حياة مشترك”.

 

مثلا، أشار التقرير إلى “وجود فجوات بين الخدمات المدنية التي يتلقاها السكان اليهود وتلك التي يتلقاها السكان العرب في المدن المختلطة التي تم فحصها، بما في ذلك أنه: من بين 500 عقار خصصتها المدن المختلطة التي تم فحصها في العام 2021، تم تخصيص خمسة منها فقط لهيئات عامة تابعة للسكان العرب؛ وكانت نسبة الدعم المقدم للهيئات العامة في المجتمع العربي من ميزانية دعم بلديات حيفا ونوف هجليل وعكا والرملة أقل من 6% من مجمل الميزانية المخصصة لهذا الغرض”.

 

ويضيف التقرير أنه “لم تدرس بلديات المدن المختلطة التي تم فحصها احتياجات السكان العرب الذين يعيشون في مناطق نفوذها، بما في ذلك أمور خدمات الدين والرفاه والشباب والثقافة؛ كما لم تدرس أسباب قلة تقديم طلبات الدعم نيابة عنها والعقبات في هذه المسألة. من ناحية أخرى، تبين أن نسبة ضريبة الأملاك (الأرنونا) التي تمت جبايتها في الأحياء العربية في الرملة العام 2020 بلغت 26% فقط، بينما كانت النسبة الإجمالية 87%”.

 

توصية باتخاذ خطوات عملية لتقليص الفجوات

 

يوصي التقرير في هذا الجانب “باتخاذ خطوات عملية لتقليص الفجوات بين الفئات السكانية وتحديد الميزانيات لهذا، وذلك في إطار الخطة متعددة السنوات للبلدات المختلطة والتي تقوم وزارة المساواة الاجتماعية ومكتب رئيس الحكومة ببلورتها. يوصى أيضاً بأن تقوم بلديات المدن المختلطة بفحص الخدمات البلدية التي تقدمها، والعمل على توفير تلبية احتياجات مناسبة لكل واحدة من الفئات السكانية، جنباً إلى جنب مع ضمان تحصيل الضرائب البلدية من جميع السكان، واتخاذ إجراءات تهدف إلى انشاء أسس قوية لبنية تحتية لنسيج حياة مشترك. يجب على جميع السلطات المحلية استخلاص العبر من نتائج هذا التقرير، لا سيما في ضوء التغيرات الديموغرافية المتوقع حدوثها في السنوات القادمة في التركيبة السكانية في مختلف السلطات المحلية، وملائمة خدماتها مع المزيج السكاني الناشئ”.

 

ويضيف المراقب أن “الدولة ملزمة بتقديم مختلف الخدمات الأساسية لمواطنيها والمقيمين فيها، قسم منها من خلال الوزارات الحكومية والقسم الآخر من خلال السلطات المحلية والهيئات الإدارية العامة. يتوجب على الدولة أيضاً ضمان تحمل المواطنين عبء الالتزامات المدنية وأن تهتم جهات تطبيق القانون بذلك. ويشدد على أن الثغرات التي نشأت في الخدمات البلدية في المدن المختلطة لا تبرّر أي نشاط عنيف من أي نوع. في الختام، هناك قنوات عمل على المستويات الحكومية والبلدية والجماهيرية والشخصية في المدن المختلطة والتي قد يؤدي الاستثمار فيها إلى التخفيف من حدة التوتر الداخلي وتجهيز بنية تحتية من العلاقات القوية بين سكان المدن المختلطة”.

 

 

عن علي محمد

مدير التحرير

شاهد أيضاً

دائرة العنف: لماذا تتصاعد الصراعات المُسلحة حول العالم؟

  (الإيكونوميست) يشهد العالم عودة مقلقة للصراعات المسلحة والحروب الأهلية في مناطق مختلفة، إذ تتضافر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

آخر الأخبار