“طوفان الأقصى”… وولادة العالم الجديد

أطاحت الملحمة كل الرهانات الأميركية، ودفعتها إلى إعادة التفكير من جديد، في كيفية التعاطي مع قوى المنطقة، على نحو يُبقي سياساتها هي الحاكمة، ومنعاً لتشكل فراغ إقليمي، تملأه القوى المناوئة لها.

أحمد الدرزي

قاربت الحرب الأطول في تاريخ الكيان الصهيوني خمسين يوماً، في ظاهرة قاهرة له، لم يعتد عليها من قبل، وهو الذي اعتاد قواعد الحرب السريعة والخاطفة، والتي لا تتجاوز عدة أيام، مرتكزاً على أسطورة معممة، كجيش لا يُقهر، تساعده على إنهاء حروبه، اعتماداً على الهزيمة الداخلية لمن يعدُّهم أعداءه.

 

على الرغم من أن المواجهة العسكرية داخل فلسطين محصورة بين المقاومة الفلسطينية والجيش الصهيوني، فإن المتابعة للمشهد العام، مع تصاعد الدخول المباشر في الحرب، لقوى المقاومة، في لبنان واليمن والعراق وسوريا، واستهداف الكيان، ومعه القواعد العسكرية الأميركية في سوريا والعراق، في مقابل وجود أكبر تجمع للقوى البحرية في شرقي المتوسط، منذ الحرب العالمية الثانية، تؤكد خطورة الحرب، وأبعادها الإقليمية والدولية، ويسمح بالتأكيد أن الولايات المتحدة هي من يقود هذه الحرب، وهي الحريصة على ألّا يُهزم هذا الكيان.

 

أصابت ملحمة “طوفان الأقصى” الولايات المتحدة، بصورة مباشرة، وأجبرتها على إسقاط اعتقادها السابق، ومفاده أن فلسطين كقضية في طريقها إلى التلاشي، بعد جملة من المتغيرات، التي تعدّها تصب في مصلحة استراتيجيتها العامة، بتمدد الاستيطان الصهيوني، في الضفة الغربية، واستمرار حصار غزة، واعتماداً على اتساع موجة تطبيع النظام العربي مع الكيان، في مقابل التفكك، سياسياً واجتماعياً، في لبنان وسوريا والعراق واليمن، وذهاب إيران نحو تفاهمات إقليمية ودولية، تخفف عنها حدة العقوبات عليها، وتمنحها دوراً إقليمياً، على نحو يجعلها قابلة للاحتواء.

 

أطاحت الملحمة كل الرهانات الأميركية، ودفعتها إلى إعادة التفكير من جديد، في كيفية التعاطي مع قوى المنطقة، على نحو يُبقي سياساتها هي الحاكمة، ومنعاً لتشكل فراغ إقليمي، تملأه القوى المناوئة لها، وخصوصاً بعد اقتراب الوصول إلى يقين الهزيمة، على رغم كل التدمير الهائل، وآلاف الضحايا المدنيين في غزة، ففرضت عليها أن تتصرف ضمن ثلاثة مستويات.

 

على المستوى الدولي، كان لقاء الرئيسين الأميركي بايدن، والصيني شي بينغ، في سان فرانسيسكو، على مدى أربع ساعات. وكان من جملة ما طلبه الأميركيون، أن تستغل الصين علاقتها المميزة بإيران، من أجل عدم تدخلها، وتوسع الحرب الإقليمية، كي لا تصل إلى مرحلة الانفجار، وهي بهذا الطلب تؤكد قابليتها للتفاوض مع إيران، على ملفات إقليمية، بما في ذلك ملفات سوريا والعراق واليمن بصورة أساسية، عدا عن مستقبل القضية الفلسطينية، التي حسمتها قواها المقاومة إلى حد كبير، على الرغم من عدم إدراكها حتى الآن طبيعة العلاقات التشاركية، في القرار والعمل وتحمل المسؤولية، بين دول المحور وقواه.

 

وعملت على المستوى الثاني الإقليمي، من خلال المفاوضات غير المباشرة، مع قادة حركة حماس، من خلال قطر ومصر، على نحو يدفع نحو إيجاد مخارج للهزيمة العسكرية الإسرائيلية في غزة، وهي مفاوضات شملت كل الأطراف الإقليمية، بتوافقاتها وتناقضاتها، وعبر إطلاع كل الأطراف على الخط العام للمفاوضات، بغية إخراج الحل المتلائم مع نتائج الحرب، وكمرحلة أولى للإقرار بواقع الخسارة الكبيرة، التي تحاول تفاديها بهذه المفاوضات.

 

والمستوى الثالث كان في العمل على الكيان نفسه، والذي تبوأ فيه قادة اليمين المتطرف إدارته، الأمر الذي انعكس سلباً على السياسات الأميركية، التي تعمل على إدماج الكيان، ضمن المنظومة الإقليمية العربية. وهم، بهذه السياسات، يسعون لتدمير بناء هذا الكيان، على نحو يُحدثه من ردود أفعال، تشكل مخاطر على الكيان نفسه، وعلى مصالح الولايات المتحدة، ليس في المنطقة الأهم في العالم فقط، بل على مستقبل النظام العالمي، الذي تهيمن عليه.

 

قد يكون ما كتبه جدعون رتشمان، في “فايننشال تايمز”، هو الأكثر دقة عما يحدث على مستوى العالم، ومخاطر ذلك على الولايات المتحدة، وبطبيعة الحال النظام الدولي، بحيث حدد ثلاث مناطق في العالم، تواجه فيها قوى نشطة، حريصة على إخراجها منها، فهي تواجه روسيا التي تعمل على إخراجها من أوروبا، وتواجه الصين، التي تعمل على إخراجها من من جنوبي آسيا وشرقيه، وتواجه إيران التي تعمل على إخراجها من “الشرق الأوسط”، وفقاً لتعبيره.

 

أصبح من الواضح للجميع أن الهدنة الأولى ستتحقق، ووفقاً لشروط حركة حماس، التي يقودها في غزة يحيى السنوار، بجناحها العسكري، ورضوخ نتنياهو لكل الشروط، بعد أن بدأ استنفاج الفرصة الزمنية المديدة بالقتل والتدمير، والعجز عن تحقيق صورة انتصار، يبحث عنها لاهثاً، تقيه عواقب السجن، بعد خروجه من الحياة السياسية.

 

والهدنة هنا هي الخطوة الأولى نحو الإقرار بالهزيمة ليس للكيان فقط، بل لكل الأطراف الغربية والعربية، التي راهنت على الفرصة الأخيرة، لإبقاء منطقة غربي آسيا، ضمن صيغة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وأن هناك حاجة إلى الأطراف المهزومة، كي تعيد النظر في سياساتها الحالية، وتقرأ متغيرات قوة المقاومة المتصاعدة كما هي، بما أنجزته على مدى أربعة وأربعين عاماً، بعد خروج مصر من المعادلة الإقليمية.

 

وعلى رغم الخسائر المدنية الهائلة، نتيجة الإجرام الصهيوني، المغطى أميركياً وأوروبياً، فإن كل يوم يمرّ من الملحمة، هو بمثابة مزيد من الهزيمة للغرب بكيانه المصطنع، ويدفع المزيد من رفع مستوى المواجهة العسكرية على مستوى منطقة غربي آسيا، على نحو يعزز تسارع ولادة النظام الدولي متعدد الأقطاب، الذي استطاع أن يكبح الاجتياح الغربي في سوريا، وبعدها في أوكرانيا، ثم ليحقق الانتصار الأول في فلسطين، ابتداءً من معجزة 365 كم، ستترك آثارها الجيوسياسية على مستوى العالم أجمع، وتسرّع ولادة نظام دولي جديد، محكوم بقواعد جديدة، تنعكس على منطقة غربي آسيا، بنظام إقليمي جديد، يفترض تغييرات بنيوية داخلية لدولها، تنسجم مع حاجات شعوبها، للعدالة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وعلى نحو ينسجم مع التنوع الكبير لعناصر نسيجها الاجتماعي.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز الإعلام والدراسات الفلسطينية، وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

عن علي محمد

مدير التحرير

شاهد أيضاً

79 يوماً من فشل الكيان الصهيوني: غزة لن تكون مكاناً غير قابل للحياة

الشعب الفلسطيني لن يترك القطاع يتحوّل إلى بقعة جغرافية غير جديرة بالحياة، وإلا ما معنى …

آخر الأخبار