من الهجوم إلى الدفاع.. كيف غيرت المقاومة بنية الإعلام العسكري للاحتلال؟

 

عماد عنان

لم تنحصر تفاصيل الحرب الدائرة الآن في غزة التي تشنها قوات الاحتلال ضد سكان القطاع منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، في المواجهات الميدانية فحسب، فهناك حرب من نوع آخر، من أمام الميكروفونات وشاشات التلفاز، حرب إعلامية عسكرية طرفاها الناطق باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي دانيال هاغاري، من جانب، والمتحدث باسم كتائب القسام، أبو عبيدة، من جانب آخر.

 

وفرضت الضربة التي تلقاها الكيان المحتل قبل 38 يومًا، وخلفت خسائر فادحة لم تشهدها دولة الاحتلال منذ نشأتها المزعومة عام 1948، واقعًا جديدًا ومعطيات مختلفة، أجبرته على إدارة المعركة عبر مسارات عدة، كان الإعلام العسكري إحداها، لا سيما بعد الأداء الإعلامي غير المتوقع للمقاومة على لسان أبو عبيدة الذي بات نجم الشارع العربي والإقليمي، كما فرض نفسه على الشارع الإسرائيلي الذي بات يتابعه بصورة كبيرة بحسب التقارير العبرية.

 

وحرصت حكومة الحرب الإسرائيلية على تقديم أداء إعلامي عسكري مختلف شكلًا ومضمونًا عما كان في الحروب السابقة، حيث التقرير شبه اليومي عما يدور في ميدان القتال، والتشديد على أن تكون الرواية العسكرية الإسرائيلية هي السردية الوحيدة المعتمدة لدى وسائل الإعلام الإسرائيلية والعالمية.. فما أبرز محددات وسمات الإعلام العسكري الإسرائيلي خلال تلك الحرب؟

 

عاطفي يفتقد للموضوعية

اعتمد خطاب الإعلام العسكري الإسرائيلي خلال حرب غزة الحاليّة على مخاطبة العاطفة أكثر من العقل، حيث التصريحات الشعبوية الرنانة التي يغازل بها الكيان جمهوره، فيما غابت بشكل كبير لغة الأرقام والإحصاءات.

 

وتضمنت معظم تصريحات الناطق باسم جيش الاحتلال الإشارة إلى تحقيق أهداف الاحتلال وإيقاع خسائر في صفوف المقاومة دون تفسير ذلك رقميًا، عكس ما تفعله المقاومة التي تحرص على تقديم المعلومات الدقيقة عن الخسائر التي توقعها في جانب قوات الاحتلال، وبتلك المقارنة يفقد الخطاب الإعلامي العسكري الإسرائيلي الكثير من تأثيره، لا سيما لدى الشارع الاستيطاني.

خطاب هاغاري يفتقد للكثير من المعلومات، بما يقلل من مصداقيته، مقارنة بخطاب أبو عبيدة، لافتًا إلى أنه لا يوجد تطابق بين تصريحات الناطق باسم جيش الاحتلال وما يجري على الأرض وما تؤول إليه النتائج.

إن ما تبثه كتائب القسام من مشاهد تدمير آليات ودبابات إسرائيلية تصل لكل بيت في العالم، ما يضفي مصداقية كبيرة لديها”، عكس هاغاري الذي لا يقدم ما يثبت كلامه وتصريحاته، مكتفيًا بلغة التصعيد والتهديد الوعيد، دون إثبات ذلك عمليًا رغم ما يمتلكه جيش الاحتلال من إمكانات تكنولوجية تسمح له بتصوير وتوثيق كل تحرك للقوات ميدانيًا.

 

في 30 أكتوبر/تشرين الأول الماضي حاول الناطق باسم جيش الكيان إيهام الشارع الإسرائيلي بإدارة ملف الأسرى والرهائن بشكل جيد، وفي بيانه اليومي قال إن المجندة التي ادعى جيش الاحتلال أنه حررها من قبضة المقاومة “تحدثت وأعطتنا معلومات بشكل مذهل، فلديها ذاكرة قوية ونحن بحاجة إلى تلك المعلومات وسوف نستخدمها بكل تأكيد”.

وفي 9 نوفمبر/تشرين الثاني الحاليّ، قال هاغاري: “حماس فقدت السيطرة على شمال قطاع غزة”، وأن سلاح المهندسين الإسرائيليين نجح في تدمير شبكة الأنفاق التي بنتها حماس وتمتد لمئات الكيلومترات تحت القطاع، وهي التصريحات التي تتضارب شكلًا ومضمونًا مع ما بثه أبو عبيدة على مدار الأيام الثلاث الأخيرة.

المتحدث باسم كتائب القسام في تسجيل صوتي له بث أمس، 13 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، كشف عن تدمير 20 آلية عسكرية إسرائيلية خلال الـ48 ساعة الأخيرة، “تدميرًا كليًا أو جزئيًا”، كما توعد قوات الاحتلال بمزيد من الخسائر، وهي التصريحات التي تنسف الرواية الإسرائيلية من جذورها، وهنا يتساءل الدويري: لو كانت مزاعم “إسرائيل” عن تدمير الأنفاق صحيحة، “لماذا يخرج المقاتل من الأنفاق حتى الآن؟ ولماذا تنطلق الصواريخ نحو المدن والبلدات الإسرائيلية حتى الآن؟”.

خطاب رد الفعل

وضعت المقاومة بخطابها الإعلامي المُدار بشكل احترافي جيش الاحتلال في مأزق كبير، حيث التصدير المستمر لنتائج العمليات عبر الأدلة والصور ومقاطع الفيديو التي توثق حجم الخسائر في صفوف المحتل، الأمر الذي مثل ضغطًا كبيرًا على الكابينت في ظل تصاعد الاحتقان الشعبي الإسرائيلي.

وأمام تلك البيانات التوثيقية التي تبث بصورة مباشرة أو عبر تسجيلات صوتية، كان على الإعلام العسكري الإسرائيلي أن يخرج للرد، أملًا في تفنيد روايات المقاومة الموثقة، أو على الأقل تقديم روايات جديدة تخفف من وطأة تلك البيانات وتأثيرها على الرأي العام الإسرائيلي.

وهنا تجبر المقاومة الاحتلال على أن تكون بياناته الإعلامية الصادرة عن الناطق باسم الجيش الإسرائيلي مجرد رد فعل لتسجيلات أبو عبيدة التي في الغالب تُحدد مواقيتها وأهدافها بعناية فائقة، تربك حسابات الكابينت وحكومة الحرب المشكلة لإدارة المعركة، وتضعهما في مواجهة قاسية مع الشارع الغاضب.

 

المفارقة هنا أن الخطاب القسامي يستند إلى نقاط محددة تتفق شكلًا ومضمونًا مع ما يستعرضه من أدلة ثبوتية لتصريحاته، وهو ما يرفع درجة مصداقيتها، مقارنة بالخطاب العام الصادر عن الناطق باسم جيش الاحتلال، وهو التباين الذي يصب في صالح المقاومة بطبيعة الحال ويجعلها محط أنصار وثقة الجميع في الداخل والخارج.

 

سياسي أكثر منه عسكري

لا تخلو بيانات أبو عبيدة من ضربات سياسية للجبهة الداخلية لكيان الاحتلال، ورغم غموض شخصيته وتغييب وجهه خلف اللثام، فإنه ناجح حتى الآن في تقديم خطاب ثقيل، من حيث المحتوى والشكل معًا، وهو ما يكون له أثره الكبير في خلخلة الداخل الإسرائيلي وبث الرعب في نفوس المستوطنين، لا سيما حين يتوعد جيش الصهاينة بالهزيمة والانكسار في المعارك البرية.

خطابات أبي عبيدة وتصريحاته تُتداول بشكل كبير بين الإسرائيليين بعد أن يتم ترجمتها للعبرية، رغم الرقابة العسكرية التي تحذر من نشر تلك البيانات والمقاطع التي تضرب الجبهة الداخلية الإسرائيلية، ما يعني باختصار أن الإسرائيليين لديهم ثقة كبيرة في المعلومات الواردة بتصريحات المقاومة أكثر من ثقتهم في بيانات حكومتهم الرسمية.

 

وأمام تلك المعضلة اضطر جيش الاحتلال عبر الناطق باسمه إلى تبني خطاب إعلامي سياسي أكثر منه عسكري، يحاول من خلاله الحفاظ على تماسك الجبهة والحيلولة دون تفسخها بسبب خطاب المقاومة ذي التأثير الكبير، ومن هنا حمل الخطاب الكثير من الشعارات والعبارات التي يحاول بها هاغاري إيهام الشارع الإسرائيلي بأن الوضع تحت السيطرة وأن الأمور تسير وفق ما هو مخطط لها سلفًا.

ورغم هذا الخطاب السياسي المكثف، المليء بالمغالطات والخروقات العسكرية والمعلوماتية، فإنه غير مقنع للمستوطن الإسرائيلي، فـ”الإسرائيليون يثقون بـ”أبو عبيدة” ويصدّقون بياناته، أكثر مما يصدقون جيشهم وحكومتهم”.

 

ومما زاد من وطأة الأمر إجادة المقاومة اللعب بورقة الأسرى والرهائن، حيث صور أبو عبيدة في خطابه الأخير حكومة الاحتلال بأنها غير معنية بأسراها وترفض كل الصفقات التي تعلن عنها كتائب القسام لإطلاق سراحهم، وهو الخطاب الذي يربك حسابات الناطق باسم جيش الاحتلال ويضعه دومًا في مأزق حقيقي أمام أسئلة الصحفيين وعائلات الأسرى.

 

طوفان الأقصى وتغير قواعد اللعبة

في دراسة بعنوان (الإعلام الحربي الإسرائيلي ودوره كأداة في دعم سياسات الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين) منشورة في مجلة كلية الحقوق والعلوم السياسية بجامعة الجزائر، في يونيو/حزيران 2021، حاول الباحث جلولي رضا سيف الدين، كشف الدور الذي يؤديه الإعلام الحربي الإسرائيلي كأداة في دعم وتبرير ممارسات الجيش الإسرائيلي في فلسطين، من خلال حزم من الأدوات والمحددات والمؤشرات.

 

الدراسة توصلت إلى أن الإعلام الإسرائيلي، العسكري والمدني، يؤدي دورًا كبيرًا في خدمة مصالح الاحتلال في فلسطين وتغطية ممارسات الجيش العنصرية، من خلال بعض الأدوات: الترويج للموقف الرسمي الإسرائيلي مع تغييب الرواية الفلسطينية، استخدام البعد الديني كمبرر للاحتلال الإسرائيلي في فلسطين، ممارسة حرب المصطلحات، الدفاع عن سياسة الاغتيالات، توصيف الانتفاضات الفلسطينية سلبًا، التحريض ضد الفلسطينيين، واستهداف وسائل الإعلام الفلسطينية والأجنبية المناصرة للحق الفلسطيني.

 

كما أحدثت عملية طوفان الأقصى تغييرًا جذريًا في قواعد اللعبة السياسية والعسكرية في ملف الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، فتلك الارتدادات طالت الخطاب الإعلامي كذلك، حيث تحول الإعلام العسكري الإسرائيلي من الهجوم المستمر إلى الدفاع معظم أوقات المباراة، وهو التحول الذي يجيب عن الكثير من التساؤلات بشأن المسكوت عنه ميدانيًا بعيدًا عن انتشار الرواية الإسرائيلية وتبني الإعلام الغربي لها.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز الإعلام والدراسات الفلسطينية، وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصرا

عن علي محمد

مدير التحرير

شاهد أيضاً

19 عملًا للمقاومة بالضفة الغربية خلال 24 ساعة

وثّق مركز المعلومات الفلسطيني “معطى”، خلال الـ 24 ساعة الماضية، 19 عملًا مقاومًا نفذتها المقاومة …

آخر الأخبار