الإثنين , 12 أبريل 2021
مجلة فتح
الرئيسية 10 شؤون فلسطينية 10 استيطان 10 تسوية أراضي الضفة الغربية (مناطق “ج”) مشروع إسرائيل القادم
تسوية أراضي الضفة الغربية (مناطق “ج”) مشروع إسرائيل القادم

تسوية أراضي الضفة الغربية (مناطق “ج”) مشروع إسرائيل القادم

 ( مجلة فتح – العدد 742 )

نشرت القناة 12 العبرية شريط فيديو تدعي فيه أن السلطة الفلسطينية هدمت موقعا أثريا- دينيا يهوديا (مذبح يوشع) بالقرب من مدينة نابلس أثناء تشييدها لطريق إسفلتي يصل المدينة بقرية عصيرة الشمالية. ورغم أن الموقع الأثري يقع في المنطقة المصنفة “ب”، إلا أن الطريق الجديد يمر في قسم منه بالمنطقة “ج”. وأثار الحدث جدالات واسعة داخل السلطات الإسرائيلية، بيد أن القناة المذكورة لم تتطرق لها، على ما يبدو، لسببين: اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية والتأثير المباشر لهذه القضية على مخرجاتها لصالح الأحزاب الصهيونية الدينية؛ وحالة الانتظار المشوب بالحذر فيما يتعلق بموقف الإدارة الأميركية الجديدة من قضية ضم الضفة الغربية.

في الواقع، تقف الأحزاب الصهيونية الدينية، ومجالس إقليم المستوطنات بالإضافة إلى جمعيات استيطانية، وراء إثارة قضية الشارع ليس بسبب الموقع الأثري- الديني وإنما لأنه كشف إمكانية السلطة التصرف بأراضي المناطق “ج”. في صيف 2020، ادعت جمعية “ريغافيم” الإسرائيلية بأن السلطة الفلسطينية ستقوم “بضم زاحف” لأن الشارع المخطط له سوف يمر في مناطق “ج” ومن شأنه أن يلحق، بشكل فعلي، مساحات منها إلى أراضي المنطقة “ب”. “ريغافيم” هي جمعية إسرائيلية أقيمت العام 2006 لضمان وجود خطة إسرائيلية صهيونية تتعلق بوضعية الأراضي في إسرائيل والضفة الغربية من خلال ملاحقة وتوثيق نشاطات الفلسطينيين “غير القانونية”. وعلى ما يبدو، فإن نفوذ هذه الجمعية دفع إلى عقد جلسة خاصة في لجنة الخارجية والأمن في الكنيست في آب 2020، بحيث طُلب من الإدارة المدنية حينها عرض خطتها للجم “السيطرة الزاحفة” للسلطة الفلسطينية على أراضي المنطقة “ج”. قد تبدو هذه الجلسة مدعاة للسخرية في ظل السيطرة شبه الكاملة للسلطات الإسرائيلية على مناطق “ج”، بيد أن المشهد الحقيقي معقد قليلا.

بعد احتلال إسرائيل للضفة الغربية العام 1967، أصدر الحاكم العسكري في حينه قراراً بتجميد مشاريع تسوية الأراضي وتطويبها والذي بدأ في فترة الانتداب البريطاني وتم استئنافه من قبل السلطات الأردنية بعد العام 1948. هذه القرار العسكري (رقم 291 للعام 1968) لم يلغ التسويات التي حصلت حتى حينه وطالت 33 بالمئة من أراضي الضفة، وإنما جمدها وأتاح الإمكانية للتنازع على ما تبقى (66 بالمئة من أراضي الضفة). في ظل غياب تسوية رسمية للأراضي، فإن التنازع القضائي يتيح، نظرياً، إمكانية الاعتراف بملكية طرف ما لأي قطعة أرض (حتى في ظل انعدام وجود شهادة ملكية) في حال أثبت ذلك من خلال طُرق قضائية معقدة، ليس هنا مجال الخوض فيها. لكن سيطرة الاحتلال الفعلية مكنته من وضع اليد على العديد من الأراضي، وفي نهاية السبعينيات بدأ بمصادرة أجزاء واسعة من خلال إعلانها مناطق عسكرية مغلقة أو أراضي دولة. وبناء على ذلك تم تخصيص أراضي لبناء المستوطنات وتوسيعها. بعيدا عن الحق التاريخي والبعد السياسي، فإن هذا التوسع الفعلي للاستيطان والذي تدعمه جمعيات ذات تبرعات سخية ويحرسه الجيش الإسرائيلي، يبدو من الناحية القانونية “سطوا” طالما لم يتم تسوية ملكيات الأراضي بشكل نهائي وقاطع. من الناحية النظرية (والتي قد تكون حاليا بعيدة عن الواقع المعاش) فإن أراضي المستوطنات عُرضه للتنازع عليها من قبل أي شخص قادر على إظهار وثائق بسيطة كإيصالات قديمة لدفع ضرائب أو ما شابه. خاصة وأن مثل هذه الإيصالات يسهل تزويرها لأنها تعود إلى فترات ما قبل الاحتلال عندما كانت تكتب بخط اليد. ولئن كان مثل هذا السيناريو الذي يقوم فيه طرف فلسطيني باسترجاع أراضي مستوطنات مستبعداً في الوقت الحالي بسبب اختلال موازين القوى، إلا أن طرح خطة ترامب (صفقة القرن) دفعت العديد من الجهات الإسرائيلية إلى إعادة نبش موضوع التسوية القانونية لأراضي الضفة الغربية.

وبعد قرار الحكومة الإسرائيلية رقم 145 للعام 1979 والذي حدد أماكن بناء المستوطنات بالأراضي التابعة (بموجب قرارات المصادرة) لملكية الدولة، أنشأت الإدارة المدنية الإسرائيلية في العام 1983 “وحدة التفتيش المركزية”. هدف الوحدة هو التفتيش على الأراضي، ومراقبة البناء غير القانوني، وبحث وضعية الأراضي. كما أن “وحدة التفتيش” من شأنها أن تبحث عن ثغرات ومسوغات قانونية تتيح مصادرة أراضي أخرى لصالح الدولة، أو أن تخلق مسوغات للحفاظ على الأراضي المصادرة سابقا أمام أي نزاع قانوني في المستقبل. وعليه نهجت الإدارة المدنية في إعلان مصادراتها للأراضي في الصحف لإتاحة المجال للتنازع القانوني عليها. وإن كانت نتائج النزاعات القانونية أو الاحتجاجات معلومة مسبقاً، إلا أن هذه السياق أتاح للحكومة الإسرائيلية إضفاء صبغة شبه قانونية على عملية المصادرة.

تحدد عمل هذه الوحدة في مناطق “ج”، بعد توقيع اتفاق أوسلو، لكنها بقيت تفتقر إلى خطة منهجية لتسوية الأراضي بشكل نهائي. وخلال سنوات أوسلو، تقلص الكادر البشري التابع للإدارة المدنية، وهبطت ميزانيتها إلى حوالي الربع. وشهدت السنوات الثلاث الأخيرة صراعات حامية بين الإدارة المدنية ووزارة المالية الإسرائيلية حول ميزانية الإدارة المدنية المتدنية.

في معظم الجلسات التي عقدت في لجنة الخارجية والأمن للبت في هذه النزاعات، عرض ممثلو الإدارة المدنية قضية تسوية الأراضي والميزانيات الضخمة اللازمة لتنفيذها كأحد أسباب احتجاجهم على ميزانيتهم المنخفضة. في إحدى الجلسات المنعقدة العام 2020، قام غسان عليان (رئيس الإدارة المدنية والمرشح الأقوى لشغل منصب منسق شؤون الاحتلال في العام 2021) بمقارنة أداء الادارة المدنية مع السلطة الفلسطينية: لدى السلطة الفلسطينية 500-600 موظف مخصصين لتسوية الأراضي، خاصة في منطقة “ج”، بينما لا يتجاوز عدد موظفي الإدارة المدنية العاملين في نفس المجال 25 موظفاً.

وأضاف أنه مع أن مناطق “ج” تقع تحت السيادة الإسرائيلية الكاملة، إلا أن السلطة تمضي بخطى حثيثة (بدون مشاورة الإدارة المدنية) في التدخل في قضية تسوية أراضي المناطق “ج”، حتى لو داخلياً وبشكل غير ملزم للقانون الإسرائيلي. وقد أثارت أقوال عليان قلقاً داخل الجلسة، سيما وأنها جاءت بعد ثلاث سنوات من إعلان الإدارة المدنية في العام 2017 نيتها المضي بتسوية قانونية كاملة لمجمل أراضي الضفة الغربية، على أن تكون بشكل تدريجي وحذر. في تلك الفترة قالت أييلت شاكيد (كانت في حينه وزيرة العدل عن حرب البيت اليهودي) إنها مهتمة خصيصا بمشروع تسجيل أراضي الضفة، لكن الملف وصل عند مكتب نتنياهو وظل عالقاً هناك.

وبعد مداخلة غسان عليان في جلسة العام 2020، قام مئير دويتش، ممثل عن جمعية “ريغافيم” والحاضر الدائم في مثل هذه جلسات، بالتقدير التالي: السلطة الفلسطينية نجحت بشكل أو بآخر بوضع اليد على حوالي 30-40 بالمئة من الأراضي التي كانت تعتبر “مناطق مفتوحة” في منطقة “ج”، وتستخدمها إما للبناء أو لمشاريع زراعية.

تنذر هذه النقاشات، سواء داخل مجالس أقاليم المستوطنات أو لجان الكنيست، بنية إسرائيل المضي قدما في هجمتها الاستيطانية على أراضي المنطقة “ج” من خلال الإسراع في إضفاء صبغة قانونية على مصادراتها. ويعتبر مشروع تسوية أراضي الضفة الغربية من قبل الإدارة المدنية هو المشروع الأهم منذ الاحتلال، لأنه يهيئ الأرضية القانونية للضم الفعلي.

حالياً، هناك معركة خفية بين السلطات الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية على سير عملية التسجيل. ويبدو أن لا أحد من طرفي المعركة يمتلك خطة استراتيجية، كما أن محاولات الفلسطينيين (سواء المواطنين أو السلطة الفلسطينية) مبعثرة وتعتمد على الوصول إلى الممكن والمتاح بدلا من اتباع خطة منهجية.

في آب 2020 أصدر مراقب الدولة الإسرائيلية تقريرا حمل انتقادات لاذعة تجاه الإدارة المدنية لقصورها في مشروع تسجيل الأراضي في الضفة. فحتى اللحظة تعتمد الإدارة المدنية على الأوراق والمستندات القديمة، وتفتقر إلى نظام محوسب، الأمر الذي يسهل عمليات التزوير ويعقد المنازعات القانونية في حال التفتت السلطة الفلسطينية إلى هذا الأمر.

عن علي محمد

مدير التحرير