الجمعة , 5 مارس 2021
مجلة فتح
الرئيسية 10 ثقافة وفنون 10 شجون فلسطينية
شجون فلسطينية

شجون فلسطينية

أحمد علي هلال

( مجلة فتح – العدد 741)

أطفالنا الأسرى … لقد كبر طفل الخريطة

ربما تمر أسماءهم طي خبر في جريدة أو «مانشيت» عاجل، يتوسل تعاطفاً ما عابراً، لكن الحقيقة في مكان آخر، ليس بوصف أطفال فلسطين الأسرى جزءاً من الحركة الأسيرة بأجيالها شباباً ورجالاً ونساءً وحسب، بل لأنهم عصافير النهارات التي تطير في فضاءات فلسطين، تماماً كالأرواح، فمن يعرفهم أكثر وهم يواجهون قهر سجانيهم، وأولئك السجانين لطالما سعوا إلى اغتيال الطفولة ووئد برائتها لأن أطفال فلسطين الأسرى هم مشاريع فدائيين، فكم للمحتل إذن من أن يمارس صنوف خوفه من الأغنيات والصباحات وكل ترانيم البراءة… لقد كبر أطفال الخريطة، وأصبحوا دروباً تقود إلى الوطن، لا تتسع إلا لشمس النهارات العالية، كبروا سريعاً في أقواس النار وملح أزمنتهم، ليعانقوا أسماءهم الجليلة ويذهبوا خارج فضاء زنازينهم أحراراً بما يكفي لئن تقوم سنبلة وتكبر ليمونة الحقول تماماً كأطفالنا الشهداء، الذين أصبحوا على سطور النهارات أغنية ونشيداً طالعاً من فجريات الجرح إلى أعالي أنين المدن وحواكيرها، وفطنة زيتونها المعمر في الأرض والذاهب إلى غير أزمنة… تكبر أجيال فلسطين في حقل النار سريعاً، لتتدفق أنهار فلسطين برداً وسلاماً، في دفاترهم دوّن تلاميذ فلسطين درسهم الأول… درسهم الأخير «فلسطين داري ودرب انتصاري» وحفظوا أناشيدهم امتلأوا بها امتلاء سنبلة في مطلع غدها، لا لن يطأ الرصاص أغانيهم وهم يضرجون الأرض بدم الورد، ليسيل كخيط دم يرسم من جديد خريطة الصحو والانتباه.

من علّم أطفالنا نشيد الانتصار.. ليس سواها/ الأرض فالأرض تولد مرتين، يساقون يعنفون ويعذبون، وشاشة التاريخ ترسم أفق الحكاية حكاياتهم الصغيرة/ الكبيرة، حكايات معاندتهم للعتمة والقيد ومكر السجان، حكايات طفولية خالصة لكنها كما يزنر الرجال خيولهم لتذهب في الصهيل في كل الصباحات الفلسطينية، كانوا يزنرون آلامهم على جدارية أوقاتهم، وأحلامهم الصغيرة/ الكبيرة… إنهم رجالات فلسطين في الأزمنة القادمة، أزمنة الصحو والجسارة، ليسوا محض صبية يعانون الأسر وبؤس الاعتقال، إذ لا يضير النانرج أن تسقط بعض أوراقه لتملأ الأرض، لأنه الواقف أبداً في مهرجان النار نشيداً لحرية كُتبت بوهج الجرح، ودوّنت بالألم المقدس.

وفي الأزمنة القادمة سيحدثنا أطفال فلسطين الذين كبروا عن تاريخ ما نسيه التاريخ، ثمة محكية هنا عن أطفال صاروا ضميراً لتلك الحكايات وكيف يجترحون الصمود، ويقاومون العتمة باجتراح نور تكثفه جملة أثيرة، هي على لوح أيامهم كجدارية لا تشي بتاريخ الألم فحسب، بل بمعجزة الفلسطيني الذي ينغرس في الأرض تماماً كسنديانها، ويزهر كلوزها، ويوم تتعدد الأسماء وتحتشد في مدونة التاريخ سندرك أننا الآتون معهم من المستقبل، وأننا الذاهبون معهم إلى المستقبل، تلك جدلية الانتماء أولئك الذين حفظوا دروسهم جيداً ولم يروعهم صراخ الجنود المذعورين، كانت ابتسامتهم سلاحهم… كانت أصابعهم رصاصهم، وكانت كلماتهم حجارة سجيلهم التي يمطرون بها جنداً مذعورين حدَّ الرهاب.

 المدججون بأساطيرهم وهرطقات تلمودهم، يخشون أطفال بلادي؟

فكيف تستقيم النهارات بميلادها، وترتقي الشمس لسدرة السماء، وعلى الأرض أرواح تنفذ من شقوق عتمتها ووقتها… الوقت الآن فلسطين لتتماهى عقارب الساعات وتعلن أن طفلاً زج في زنزانة، وأن طفلاً اختطف من والديه، تلك هي بشارة أرض تقوم ولقيامتها يصغي تاريخ فاعل مشغول بما يكفي باتساق الحكايات، ليرفع مدونته للذاكرة… أطفال فلسطين قد كبروا وصاروا الأرض كلها ناراً ونوراً يشعل يباسها.

عن علي محمد

مدير التحرير