الجمعة , 5 مارس 2021
مجلة فتح
الرئيسية 10 دراسات ووثائق وتقارير 10 ملامح سياسة «جو بايدن» على الصعيد الفلسطيني والعربي والدولي
ملامح سياسة «جو بايدن» على الصعيد الفلسطيني والعربي والدولي

ملامح سياسة «جو بايدن» على الصعيد الفلسطيني والعربي والدولي

 ( مجلة فتح – العدد 741)

أصدر مرشح الحزب الديمقراطي للرئاسة الأميركية، جو بايدن، في 29 أغسطس/ آب 2020، برنامجًا شاملاً يحدّد خطته للشراكة مع المجتمع العربي الأميركي، تضمن سياسته الخارجية تجاه مجموعة من قضايا المنطقة العربية، بما فيها القضية الفلسطينية. وأوضح البرنامج الذي حمل عنوان «جو بايدن والمجتمع العربي الأميركي: خطة للشراكة» مواقف بايدن السياسية من حل الدولتين، وضم مناطق واسعة من الضفة الغربية المحتلة، والتوسع الاستيطاني، وتوقف المساعدات الأميركية المقدمة للشعب الفلسطيني، وتنامي الأزمة الإنسانية والاقتصادية في غزة، وإغلاق القنصلية الأميركية في القدس، وإغلاق مكتب بعثة منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، إضافة إلى عمل حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها في الولايات المتحدة.

خلال عضويته في مجلس الشيوخ الأميركي عن الحزب الديمقراطي في الفترة 1973 – 2009، كان بايدن يُعدّ من المؤيدين للكيان الصهيوني داخل الحزب. منذ وصوله إلى المجلس، حرص بشكل متكرر على زيارة فلسطين المحتلة من أجل الالتقاء بمسؤولين «إسرائيليين» للتعبير عن دفاعه الشرس عن الكيان، كما حرص بايدن خلال مسيرته السياسية في مجلس الشيوخ التي توّجها برئاسته لجنة العلاقات الخارجية في المجلس في الفترة 2007 – 2009، على التشديد بشكل متكرّر على أهمية وجود الكيان في المنطقة العربية، من أجل حماية المصالح الأميركية وحماية أمن اليهود في العالم، بوصفها وطنًا قوميًا آمنًا ليهود العالم.

وعقب انتهاء مسيرته السياسية في مجلس الشيوخ، عمل بايدن نائبًا لرئيس الولايات المتحدة الأميركية الأسبق، باراك أوباما، في الفترة 2009 – 2017، وبدا بأنه يسعى، خلال هذه الفترة، إلى إمساك العصا من منتصفها في تعامله مع الكيان. فمن جهةٍ، عُرف بايدن بانتقاداته الشديدة للكيان بسبب استمرار التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، وإفشالها مساعي الإدارة الأميركية في تحقيق ما يُدعى «السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ومن جهة ثانية، يُعدّ بايدن من أبرز مؤيدي الكيان في إدارة أوباما، ففضلًا عن عدّه حلقة الوصل بين الإدارتين، الأميركية و«الإسرائيلية»، بعد توتر العلاقات بين الطرفين إثر توقيع الولايات المتحدة ومجموعة القوى الكبرى اتفاقًا مع إيران حول برنامجها النووي، لعب بايدن دورًا مهمًا في تقديم إدارة أوباما أكبر هدية في تاريخ العلاقات الأميركية – «الإسرائيلية»، عندما حصل الكيان على قرابة 38 مليار دولار من الدعم العسكري على مدار عشر سنوات، وبارتفاع ملحوظ عن الحزمة التي سبقتها، والتي بلغت نحو 30 مليار دولار.

وفي السياق نفسه، يبدو من المفيد أيضًا رصد بعض مواقف بايدن من قضايا متفرقة ذات صلة بالقضية الفلسطينية، لم تتضمنها خطته للسياسة الخارجية. ففي إبريل/ نيسان الماضي، تعهّد بإبقاء السفارة الأميركية في الكيان في موقعها الجديد في القدس، وأن يسعى، في الوقت نفسه، إلى إعادة فتح القنصلية الأميركية في القدس الشرقية. وكذلك، رحب بايدن وشجع «اتفاق السلام» بين إسرائيل والإمارات في أغسطس/ آب الماضي، إذ قال «اليوم اتخذت إسرائيل والإمارات خطوة تاريخية لرأب الصدوع العميقة في الشرق الأوسط»، وأضاف «إسرائيل يمكن أن تكون وستظل شريكًا إستراتيجيًا واقتصاديًا قيمًا لكل من يرحب به».

إضافة إلى ذلك، تعطينا خطة بايدن الموجهة إلى الكيان الصهيوني والمجتمع اليهودي، وعنوانها «جو بايدن والمجتمع اليهودي»: مؤشّرات عن طبيعة فهم بايدن للكيان. ففي هذه الخطة المنشورة مطلع أغسطس/ آب الماضي، يشدّد بايدن على دوره المهم الذي قام به في خدمة الكيان، إبّان مسيرته السياسية عضوًا في مجلس الشيوخ، ثم نائبًا للرئيس الأميركي، ولا سيما دوره في رفع قيمة المساعدات العسكرية إلى الكيان، وتزويده بواحدةٍ من أهم أنظمة الدفاع الجوي بالصواريخ المعروفة باسم «القبة الحديدية». كما شدد بايدن في الخطة على دعمه والتزامه بمحاربة معاداة السامية وحماية الدولة اليهودية والشعب اليهودي والقيم اليهودية، وإن بدا لنا، عند قراءة الخطة، بأن تشديد بايدن على دعمه والتزامه بحماية أمن الكيان، وتعزيز الشراكة بين الولايات المتحدة والكيان، جعله يجهل الفرق بين معاداة السامية ومعاداة الصهيونية، والفرق بين الدولة اليهودية والشعب اليهودي والقيم اليهودية.

في المقابل، وصل الانحياز الأمريكي لصالح الكيان الصهيوني إلى مستوى غير مسبوق في السياسة الأمريكية، التي تماهت بشكل كامل مع رؤية اليمين الصهيوني تجاه مختلف الملفات السياسية المتعلقة بالصراع العربي الإسرائيلي، وقد عبَّرت «صفقة القرن» وخطة الضم بوضوح عن هذا الانحياز والتبني الكامل لأطروحات اليمين الإسرائيلي.

العوامل التي يرجَّح أن تؤثر في موقف إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن تجاه العديد من الملفات ذات العلاقة بالقضية الفلسطينية، على الرغم من الانحياز الأمريكي التقليدي لوجهات النظر «الإسرائيلية»:

1. رغبة الديموقراطيين في العودة إلى المسار التفاوضي، وتبنيهم مواقف أقل انحيازاً تجاه ملفات الحل النهائي، ضمن سقف الرؤية الأمريكية.

2. العلاقات غير الودية بين بنيامين نتنياهو وحكومة اليمين «الإسرائيلي» وبين إدارة باراك أوباما الديموقراطية، التي كان بايدن نائباً للرئيس خلالها.

3. توجهات التيار التقدمي الأمريكي، الذي يصفه البعض باليسار التقدمي داخل الحزب الديموقراطي، والذي يعبر عنه بصورة أساسية بيرني ساندرز، المنافس السابق لجو بايدن المحسوب على التيار المحافظ في الحزب، ومع أن التباين بين التيارين التقدمي والمحافظ يتركَّز بصورة أساسية على الملفات الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بالنظام الضريبي والصحة والتعليم والهجرة والتجارة والبيئة، إلا أن الملفات الخارجية ستكون حاضرة ، وكان التيار التقدمي قد عارض الغزو الأمريكي للعراق، الذي أيَّده بايدن آنذاك، ويتبنى التيار طروحات مُؤيدة «للسلام» ومُعارضة للحلول العسكرية.

4. تأثير الكتلة التصويتية الإسلامية في الانتخابات الأمريكية، حيث أسهمت بصورة واضحة في حسم نتائج بعض الولايات المتأرجحة لصالح بايدن. وهذه الكتلة لم تكن مؤثرة بالدرجة ذاتها في فترة أوباما، ويرجَّح أنْ تدخل توجهاتها في حسابات بايدن كمتغيِّر جديد يؤخذ بالحسبان.

5. موقف بايدن المؤيد للتوصل لاتفاق مع إيران بخصوص ملفها النووي، حيث كان من الضاغطين بقوة للتوصل إلى الاتفاق السابق.

6. انشغال إدارة بايدن بمواجهة مجموعة من التحديات الداخلية والخارجية. ومن أهم الأولويات لدى الإدارة الجديدة على المستوى الداخلي؛ معالجة حالة الانقسام التي يعانيها المجتمع الأمريكي بفعل سياسات ترامب التي مزَّقت المجتمع وهددت وحدته وتماسكه، وضغط وباء كورونا على الوضع الصحي والاقتصادي.

وعلى المستوى الخارجي تتزايد حدَّة التنافس مع الصين، التي تَعدُّها الولايات المتحدة المنافس الأكبر المحتمل. ومع اتفاق الحزبين الجمهوري والديموقراطي على هذا التقدير، فإنهما يختلفان في توجهاتهما العملية لإدارة التنافس، حيث يستبعد الحزب الديموقراطي خيار التصعيد والمواجهة مع الصين.

7. محاولات روسيا المتواصلة الدخول على ملفات المنطقة، وسعيها الدؤوب للعب دور أكبر في القضايا الإقليمية، وضمن ذلك القضية الفلسطينية، وتوجُّس الولايات المتحدة من احتمالات تنامي الدور الروسي في الملف الفلسطيني، في ظل التوتر الحالي في العلاقة الأمريكية مع السلطة الفلسطينية.

العلاقة مع حكومة نتنياهو واليمين الصهيوني:

على الرغم من توتر العلاقة بين الإدارة الأمريكية في عهد أوباما وبين حكومة نتنياهو، يرجَّح أن يحرص الطرفان على تجنب حصول خلاف سريع؛ لاعتبارات عديدة من أهمها:

انشغال الإدارة الأمريكية الجديدة بمعالجة ملفاتها الداخلية، وعدم رغبتها في إدارة أزمات سياسية في بداية عملها.

رغبة الإدارة الأمريكية الجديدة في تهيئة الظروف لإعادة فتح المسار التفاوضي، وهو ما يتطلب دراسة آفاق ذلك، وتشجيع الجانب «الإسرائيلي» على اتخاذ مواقف إيجابية.

إدراك حكومة نتنياهو الكلف العالية غير المرغوب فيها للدخول في مواجهة مع الإدارة الأمريكية، حيث بات نتنياهو في ظل تجاربه السابقة أقل اندفاعاً وأكثر استعداداً للتكيُّف مع توجهات الإدارة الأمريكية وتجنُّب الصدام معها، لكن دون التخلي عن توجهاته الأساسية، وهو ما يدفعه للمناورة وتجنب المواجهة.

حاجة حكومة نتنياهو لإسناد الإدارة الأمريكية الجديدة لملف تطبيع علاقات الدول العربية مع «إسرائيل»، حتى لو اقتصر الدعم على التشجيع ولم يصل مستوى الضغط والابتزاز، كما كان الحال في فترة ترامب.

العالم وفق منظور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يختصر في عبارة «أمريكا أولا» أي مصلحة الولايات المتحدة تأتي في المقام الأول والأخير ولم يتردد في التخلي أو الانسحاب من الاتفاقيات الدولية التي يعتقد أنها لم تكن في مصلحة بلاده.

أما جو بايدن فيرى أن العالم لا يزال يسير إلى حد بعيد كما كان ويرتكز دور أمريكا ومصالحها على المؤسسات الدولية التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية، وتستند إلى القيم الديمقراطية الغربية المشتركة، والعالم هو عبارة عن تحالف عالمي تقود فيه أمريكا العالم الحر في مكافحة التهديدات العابرة للحدود.

سورية

لم يحضر الملف السوري كثيراً في خطابات الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن خلال مشوار حملته الانتخابية في طريق الوصول إلى البيت الأبيض، ما يصعّب التكهن بالسياسة التي سيتبعها حيال سورية. لكن قد يكون من المجدي استحضار محددات السياسة الأميركية في هذا الملف خلال إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما، لتوقع أو رسم فرضيات حول ما سيوليه الرئيس الجديد للملف السوري. مع العلم أن بايدن كان نائب الرئيس في عهد أوباما، واعتمد في مستهلّ تعيينات الإدارة الأميركية الجديدة على مسؤولين سابقين في إدارة الرئيس الأسبق، لكن بايدن سيترتب عليه، حيال أي سياسة سيتبعها في سورية، التعامل مع ملفات خلفتها إدارة ا دونالد ترامب في سورية سياسياً وعسكرياً، والتي لا يمكن تجاوزها في التعاطي مع الملف السوري كحزمة واحدة. ومن هذه الملفات قانون قيصر، والوجود العسكري الأميركي في سورية بالإضافة للعلاقة مع الأكراد، واليد الأميركية في جهود التسوية السياسية، وملف «الرهائن الأميركيين». ويجعل هذا الأمر السياسة الأميركية المستقبلية تجاه سورية منحصرة بهذه المحددات، إذا لم تكن لبايدن وجهة نظر إضافية قد تفضي لحل القضية، أو ربما تزيد من تعقيداتها في حال قرر اتباع سياسة أوباما.

تشير التصريحات للفريق الاستشاري لحملة بايدن الانتخابية، إلى أن الأخير يفكر بالإبقاء على القوات الأميركية شمال شرقي سورية، على اعتباره شكّل رادعاً للعمليات الجوية لوروسيا ، إلى أنه سيتم بحث تعزيز العمليات التركية في شمال غربي البلاد، في إدلب تحديداً، رغم تحفظ الرئيس المنتخب حيال أنقرة.

اليمن

من المحتمل أن يعمل  بايدن على وقف دعم الولايات المتحدة للحرب التي تقودها السعودية في اليمن. حيث أدى ارتفاع عدد القتلى في صفوف المدنيين في اليمن إلى بروز معارضة قوية لمشاركة الولايات المتحدة في هذه الحرب لدى الجناح اليساري في حزبه ولدى عدد متزايد من أعضاء الكونغرس.

السعودية

المملكة العربية السعودية هي أقوى حلفاء ترامب العرب وهي حجر الزاوية في التحالف المناهض لإيران. يرى المحللون أن بايدن سيتخلى عن سياسة احتضان السعودية التي اتبعها ترامب وسيكون أكثر جرأة في انتقادها.

إيران

أعلن جو بايدن إنه مستعد للعودة إلى الاتفاق النووي الإيراني الذي تم بموجبه إلغاء العقوبات على إيران مقابل تقليص برنامجها النووي، حيث يقول بايدن إن سياسة «الضغط الأقصى» التي انتهجتها إدارة ترامب قد فشلت مؤكداً أنها أدت إلى تصعيد كبير في التوتر وأن الحلفاء يعارضون هذه السياسية، وأن إيران الآن أقرب إلى امتلاك سلاح نووي مما كانت عليه عندما تولى ترامب السلطة. ويقول إنه سيعود إلى الاتفاق النووي إذا عادت إيران إلى الامتثال الصارم به، لكنه لن يرفع العقوبات حتى ذلك الحين. وسيتفاوض بعد ذلك لتبديد بعض المخاوف التي تنتابه حول الاتفاق.

روسيا

قال بايدن بوضوح إنه يعتقد أن روسيا «خصم». ووعد بالرد بقوة على التدخل في الانتخابات وعلى التقارير التي تحدثت عن تقديم روسيا إغراءات مالية لحركة طالبان لاستهداف القوات الأمريكية في أفغانستان.

في الوقت نفسه أوضح بايدن أنه يريد العمل مع موسكو للحفاظ على ما تبقى من معاهدات للحد من الأسلحة التي تقيد الترسانة النووية.

التعامل مع الحلفاء

على رأس قائمة مهام جو بايدن إصلاح العلاقات المتوترة بين بلاده والدول الأعضاء في حلف شمالي الأطلسي-الناتو والعودة إلى التحالفات الدولية وإعادة أمريكا إلى الاتفاقيات العالمية.

الصين

سيواصل بايدن سياسة ترامب في مواجهة «الممارسات الاقتصادية غير المنصفة» للصين ولكن بالاشتراك مع الحلفاء بعكس ترامب الذي يفضل العمل منفرداً عند إبرام الصفقات.

عن علي محمد

مدير التحرير