الإثنين , 12 أبريل 2021
مجلة فتح
الرئيسية 10 ثقافة وفنون 10 يوم الشهيد… ذاكرة الآتي وفي المقاومة حياة
يوم الشهيد… ذاكرة الآتي وفي المقاومة حياة

يوم الشهيد… ذاكرة الآتي وفي المقاومة حياة

أحمد علي هلال

( مجلة فتح – العدد 740)

منذ سال دم الحرية الأول على هذه الأرض، كان الفدائي يفجر كل معاني اللغة، ويعيد للأرض توازنها لتفجر ينابيعها، خصوبة.. خصوبة وحينما لبست الأرض كل أسمائهم منذ أحمد موسى ومن تبعه بمقاومة إلى يوم النصر، كانت النهارات المشرقة بشموسها ترسم خط أفق كل أسفارهم في الأزمنة المضيئة والمتوهجة والمخترقة حلكة وسواد أيامنا… وحينما لبست الزهور عطرها كان الفدائيون يعبرون قوس النصر ليظل للحضور انتباهه، وللموت أن يغير كل معانيه ويصبح اسماً من أسماء الحياة، وهناك عند سدرة المنتهى كان الشهيد يصنع غده، أليس هو الآتي منه والذاهب إليه في جدلية الحضور والغياب، ومثنوية الافتداء التي عضدتها أبجدية المقاومة حجراً وإنساناً وشجراً وذاكرة ورصاصة وعي، شقت صدر مشروع زنيم توسل موطئ قدم على هذه الأرض، ومنذ أن خطت -تلك الأبجدية- سطور الشمس على جباههم وفي قلوبهم لأن حجر الشمس مازال بأيديهم المباركة، فكم تقدس الاسم والحدث والعنوان لنصبح على وطن بلا  غزاة.

هكذا قالت أسفارهم في كل أزمنة الصحو والاجتراح والجسارة وهم الأحياء أكثر لأنهم ولجوا باب الأبدية، محض أجساد صارت بلون الأرض، والأرواح ميقات الشموس التي لا تغيب، وأما وصاياهم حبر ودم وشجاعة استثناء، من ظلوا يعيدون رسم الخريطة صبح مساء، ليكبر طفلها وليحترف الوقوف خط دفاع أول عن ثوابت الشعب والأمة، وذاكرة الأرض والتاريخ والهوية… الشهيد في المعنى المؤتلف طريق إلى الأبد، لكنه المعبد بالآلام المقدسة وبالآمال المشرقة، كي ينهض شعب بأسره ويعلو فوق نهاراته وأيامه وعقود كفاحه نهاراً عالٍ لا حدَّ لضيائه.

وفي كل ما خطه الشهيد كذاكرة أولى ونهائية للحياة، نستعيد تفاصيل الوجوه والكلمات، نستعيد مقامهم في أبديتهم الخضراء، وتلك أبجديتهم التي نرثها جيلاً بعد جيل، ولغة بعد لغة لتتم أرض البرتقال خصوبتها، إذاً قال الشهيد: إني الحي جذراً في أرض تخضبت بالدماء وانسالت في عروق البرتقال، واستقامت مع السنابل وصارت مثل زهر البيلسان يدل الدروب إلى الدروب، ويلهم الأصابع بأن لا مسافة بينها وبين زناد البندقية… هي مسافة إلى الأرواح التي تهب للغناء كل أعاليه، وللنشيد كل إيقاعه، وللعلم الوطني زهو ألوانه، فكل شبر من أرض الشمس يتلو حكاية لا تموت، في أرض البطولات وما حولها، فكيف لنا إذن أن نحصي في الأثر الباقي كل مآثرهم وجولات جسارتهم الأبقى والأنبل، ليظل الشهيد أنبل ظاهرة بها قداسة الأسماء والأفعال، فمن حواري القدس وغزة واليرموك إلى تعنايل كان للشهادة ألف شمس مشرقة تصادت في نهارات المقاومين وجسارة رصاصهم في صدر المشروع الصهيوني النقيض للحياة وللبشر وللحجر وللذاكرة.

قال الشهيد وقد فعل وفعله قيامة الأرواح لتعيد للبلاد صوتها، فعلى طريق الجلجلة قضوا ولم يسترح دمهم حتى تعود البلاد ويعود شعبها المكافح، تلك أهداف ورؤى مشوا إليها مختارين، وما سوى فلسطين الهدف والعنوان وأرض البدايات/ البدايات، وكيف لنا أن نصنع فجراً -دونهم- فهم الذين علمونا أبجدية الأرجوان في صنعهم للملحمة، وفي تاريخ أرواحهم الأبقى لنا نبراساً في عتمة أزمنتنا لتظل الأرض واقفة على حدود الحلم والانتباه… تلك صيرورات للتاريخ والذاكرة وحدهما، وذلك ضمير جمعي يؤرخ تلك المسيرة التراجيدية لقضية حية باقية لا تموت.

وفي سفر الوجوه كم من رحلة ضوء، وفي سفر الأسماء كم علامة لتقوم أبجدية النار والبارود وتعلن أن النهار عالٍ بما يكفي وردتين على قبر الشهيد، يتلوان حكايته بسيرة العطر وبهاء النشيد وخفق العلم الوطني عالياً فوق المآذن والكنائس وفي مفترق الألم، دليلاً نهائياً على الحياة.

عن علي محمد

مدير التحرير