الأحد , 17 يناير 2021
مجلة فتح
الرئيسية 10 شؤون العدو 10 تقرير الكيان الصهيوني وشرق أوروبا: تغلغل عميق لتأييد سياسات الاحتلال!
تقرير الكيان الصهيوني وشرق أوروبا: تغلغل عميق لتأييد سياسات الاحتلال!

تقرير الكيان الصهيوني وشرق أوروبا: تغلغل عميق لتأييد سياسات الاحتلال!

 ( عن مركز مدار للدراسات الإسرائيلية )

أعلنت جمهورية التشيك مطلع الشهر الحالي (كانون الأول) عن قرارها افتتاح بعثة دبلوماسية لها في مدينة القدس، من دون أن تنقل سفارتها أو تعترف بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل كما فعلت إدارة الرئيس الأميركي المنتهية ولايته دونالد ترامب، وتبعتها في ذلك بعض الدول الصغيرة في أميركا الوسطى.

جمهورية التشيك هي ثاني دولة عضو في الاتحاد الأوروبي تقدم على افتتاح بعثة دبلوماسية في القدس بعد أن سبقتها في ذلك المجر (هنغاريا)، ومع أن هذا الإجراء ذو طابع رمزي، ويقتصر حتى الآن على نقل موظف واحد للعمل بمهام دبلوماسية في القنصلية التشيكية في المدينة المقدسة، إلا أن هذه الخطوة بحد ذاتها تشير إلى الطابع الخاص والمميز للعلاقات التي تربط إسرائيل ببعض دول أوروبا الشرقية والوسطى، وهي دول الكتلة الاشتراكية سابقا، حليفة الاتحاد السوفييتي السابق وأعضاء حلف وارسو، والمنضمة لاحقا لحلف الناتو والاتحاد الأوروبي بعد سلسلة التحولات التي شهدتها هذه الدول في أعقاب انهيار جدار برلين.

إسرائيل الأوروبية

يرى معظم قادة إسرائيل ومثقفيها وحتى مواطنيها أن إسرائيل دولة أوروبية بصرف النظر عن موقعها الجغرافي وسط الشرق الأوسط في بحر من الدول العربية والإسلامية، ولا يقتصر الأمر على المسائل الاحتفالية كمشاركة إسرائيل في مسابقة الأغنية الأوروبية (اليوروفيجن) واتحادات كرة القدم وباقي الألعاب الرياضية، بل يمتد ذلك إلى الشعور بهوية حضارية مخالفة للمحيط على الرغم مما يثيره ذلك من تحفظات اليهود الشرقيين، وتعزيز شعور الانتماء إلى الحلف الغربي بما يترتب على ذلك من امتيازات سياسية ودبلوماسية واقتصادية أقلها اتفاقيات الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، وإبرام مئات اتفاقيات التوأمة بين مدن وبلدات ومستوطنات إسرائيلية مع مدن وبلدات أوروبية، وتعاون في كافة المجالات من الأمن ومحاربة الإرهاب إلى الأبحاث العلمية والمشاريع المشتركة والفنون والثقافة. حتى أن مفوض السياسة الخارجية السابق للاتحاد الأوروبي، الإسباني خافيير سولانا، والمعروف بتعاطفه مع الفلسطينيين أعلن مرة أن إسرائيل “أوروبية في كل شيء”. شيء واحد يمنع انضمام إسرائيل للاتحاد الأوروبي هو الحريات الأربع التي يشترطها الاتحاد ومن بينها حرية انتقال الأفراد، التي تتناقض مع أسس ومبدأ قيام الدولة اليهودية التي لا تكاد تستوعب عربها ولا حتى اللاجئين المؤقتين من الأفارقة، فكيف بنمط من الحرية التي قد تعني تدفق مئات الآلاف من غير اليهود؟

مواقف دول الاتحاد الأوروبي لا تبدو ودية تجاه إسرائيل، وخاصة مع استمرار خروقات الأخيرة للقانون الدولي، وتنكرها المستمر لأسس عملية السلام التي تبنتها أوروبا بما فيها مبدأ حل الدولتين، ولكن أوروبا الحالية ليست موحدة تماما، فبين أعضائها من هو أقرب لمواقف إسرائيل منه لمبادئ الاتحاد الأوروبي، كما هي الحال مع دول شرق أوروبا وبخاصة مع جمهوريتي التشيك والمجر، حيث تشير خطوات الدولتين، وسلسلة مواقفهما تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وتصويتهما المنحاز لإسرائيل في الأمم المتحدة، إلى نمط من العلاقات العميقة والوثيقة التي تتجاوز ظاهر العلاقات الودية المتميزة بين الأصدقاء، وتدل على تشابك متين في المصالح والمواقف، وربما تمنع عوامل الحرج وعضوية الاتحاد الأوروبي وتأثير أقطابه الكبرى، كلا من التشيك والمجر من الإفصاح عن دعمهما المطلق لإسرائيل وسياساتها في كل شيء بما في ذلك نقل السفارة والاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ولكن حين يتطلب الأمر تجد هاتين الدولتين إلى جانب إسرائيل دائما.

المستفيد من تفكك الكتلة الاشتراكية

لا يقتصر الأمر على التشيك والمجر، بل يشمل على نحو متفاوت دولا أخرى وخاصة بولندا وسلوفاكيا وبلغاريا ورومانيا، والدول الناشئة عن تفكك يوغسلافيا وهي كرواتيا وسلوفينيا، والبوسنة والهرسك، وصربيا، وكوسوفو، والجبل الأسود ومقدونيا الشمالية، ولكل منها قصة خاصة بها، ويجدر هنا التذكير أن دولة البوسنة والهرسك التي راهن الفلسطينيون على انحيازها الطبيعي لفلسطين بطلب العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، حين كانت عضوا في مجلس الأمن قبل سنوات قليلة، خذلت هذا التوقع وبررته في ذلك الوقت بأن هذا الأمر يعود لقرار مجلس الرئاسة الثلاثي، في حين أن صربيا وكوسوفو تولى الرئيس ترامب شخصيا إعلان نيتهما نقل سفارتيهما للقدس.

وينطبق الأمر عينه على الدول المستقلة المنبثقة عن الاتحاد السوفييتي السابق بما فيها دول البلطيق الثلاث، ودول آسيا الوسطى، وبالطبع على أوكرانيا وبخاصة على الجناح المناوئ للنفوذ الروسي، وعلى أذربيجان ذات الغالبية المسلمة التي قدمت لها إسرائيل عونا ودعما عسكريا ظاهرا في حربها الأخيرة مع أرمينيا، أما علاقات إسرائيل بروسيا فهي علاقات مميزة أيضا ولكنها شأن مركب بالغ التعقيد في ضوء الارتباط الإسرائيلي الوثيق بالولايات المتحدة الأميركية ومصالحها الإستراتيجية، وما يفرضه ذلك من قيود على حرية إسرائيل في علاقاتها الخارجية.

عودة إلى الجذور

أي بحث سريع يظهر أن معظم قادة إسرائيل والحركة الصهيونية، ولدوا أو يعودون في أصولهم إلى دول أوروبا الشرقية، فدافيد بن غوريون وأريئيل شارون وبنيامين نتنياهو هم من أصول بولندية، ومناحيم بيغن وشمعون بيريس وحاييم وايزمن من روسيا البيضاء، وغولدا مائير وإسحق رابين وموشيه شاريت من أصول أوكرانية، وأفيغدور ليبرمان المهاجر الحديث نسبيا ولد ونشأ في مولدافيا. ويمكن الافتراض أن أعدادا كبيرة تتراوح بين عشرات الآلاف ومئات الآلاف تنحدر من كل واحدة من دول شرق أوروبا، وما زالت تحتفظ بروابط شخصية وثقافية مع هذه البلدان، فضلا عن احتفاظها بروابط اجتماعية خاصة في إسرائيل نفسها، وبالتالي شكل هؤلاء مدخلا وقاعدة جيدة لإعادة العلاقة مع بلدان الأصل، وبخاصة مع أزمات التحول التي عاشتها هذه البلدان وانفتاحها المفاجئ على العالم وانكشافها أمام رياح التغيير الغربية الرسمية.

خصوصية التشيك

ولكن من بين جميع هذه الدول تبقى لدولتي التشيك والمجر خصوصية مميزة في علاقاتهما بإسرائيل، حيث تعتبر التشيك بحسب شهادة أكثر من مسؤول إسرائيلي “أفضل صديق لإسرائيل”، وكرر بنيامين نتنياهو هذا الموقف حين قال إنه ليس لإسرائيل في أوروبا صديق أفضل من التشيك، وهي الدولة الوحيدة في أوروبا التي أيدت قرار الرئيس ترامب نقل سفارة الولايات المتحدة من تل أبيب للقدس، وسبق لها أن عارضت في العام 2012 منح فلسطين صفة دول غير عضو (مراقب) في الأمم المتحدة.

يشير عدد من الباحثين إلى أن العلاقات التشيكية- الإسرائيلية المتينة تعود إلى ما قبل العام 1948، وتحديدا إلى قيام دولة التشيك في ذلك الوقت بتزويد إسرائيل بالسلاح ما حقق للقوات العسكرية اليهودية قبل إقامة إسرائيل، تفوقا نوعيا على القوات العربية، خارقة بذلك حظرا فرضته الأمم المتحدة لتزويد الأطراف المتقاتلة بالسلاح، فكان أن زودت نواة الجيش الإسرائيلي بثمانين طائرة، ودربت عددا كبيرا من الطيارين من بينهم عيزر وايزمن الذي أصبح فيما بعد وزيرا للدفاع ورئيسا للدولة. كما أن عددا كبيرا من مقاتلي الهاغاناه وضباط الجيش الإسرائيلي لاحقا تدربوا في الجيش التشيكي، وشكل اليهود نسبة تزايدت باستمرار من نحو 20 في المئة إلى أكثر من 356 في المئة من قوات الجيش التشيكي التي حاربت مع البريطانيين والحلفاء، وانتشر قسم مهم منها في الشرق الأوسط، وظلت السلطات التشيكية، قبل انتصار الاتحاد السوفييتي والحلفاء على النازية وبعد ذلك، داعمة للهجرة اليهودية إلى إسرائيل، ومؤيدة لدولة إسرائيل الناشئة في الأمم المتحدة والمحافل الدولية.

تراجعت العلاقات الإسرائيلية- التشيكية بالتدريج مع تراجع العلاقات السوفييتية- الإسرائيلية وتوثيق تل أبيب علاقاتها مع واشنطن والغرب، إلا أن العلاقات الإسرائيلية- التشيكية سرعان ما تحسنت باطراد منذ انهيار النظام الموالي لموسكو، فمع سقوط ذلك النظام أعادت براغ فورا علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل في العام 1990، واختار فاتسلاف هافل، أول رئيس للتشيك بعد التحول، إسرائيل لتكون أول دولة يزورها.

علاقات مميزة جدا

تتوثق العلاقات الإسرائيلية- التشيكية في كل المجالات تقريبا، ويتبادل مسؤولو الدولتين الزيارات معربين عن فيض مشاعرهم الحارة، ففي العاصمة التشيكية براغ جرى افتتاح “البيت الأورشليمي” في تشرين الثاني 2018، الذي شكل مناسبة للاحتفاء الدائم بالحضور الإسرائيلي القوي في هذا البلد، الذي وإن كان من مصدري السلاح البارزين في العالم، إلا أنه استورد منظومة متطورة من الصواريخ الإسرائيلية من نظام الدفاع الجوي سبايدر.

وقد تطوعت جمهورية التشيك بطلب من المحكمة الجنائية الدولية لاعتبارها دولة “صديق للمحكمة” ولم يكن ثمة أي سبب لهذا الطلب سوى رغبة هذه الدولة الأوروبية في دعم إسرائيل من أي احتمال للمساس بها أو مساءلتها من قبل المحكمة المذكورة، وهي الخطوة التي لقيت ترحيبا كبيرا من إسرائيل التي تظهر مرارا أنها لا تقيم أي وزن للمحكمة.

وقد عبر الرئيس التشيكي ميلوش زيمان عن تعاطفه الكبير مع إسرائيل، قائلا إن خيانة إسرائيل تعد خيانة لأنفسنا! وألمح إلى التفكير بنقل السفارة التشيكية من تل أبيب للقدس قائلا إنه سيبذل قصارى جهده “لتحقيق الخطوة الثالثة، بعد القنصلية الفخرية وبعد البيت التشيكي ويمكنكم تخمين الخطوة الثالثة”.

وكلاء داخل الاتحاد الأوروبي

العلاقات الإسرائيلية- التشيكية تأخذ طابعا مؤسسيا وإقليميا من خلال العلاقات التي تبنيها إسرائيل مع دول ما يسمى مجموعة فيسغراد التي تضم أربع دول في أوروبا الوسطى هي التشيك وسلوفاكيا والمجر وبولندا، وقد سبق لبنيامين نتنياهو أن اجتمع بقادة هذه الدول في بودابست في تموز 2017، وقد ضبط في حينه من دون أن يدرك أن كلامه مسجل، وهو يتذمر لقادة هذه الدول من سياسات الاتحاد الأوروبي تجاه الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، وهاجم سياسات الاتحاد داعيا قادة هذه الدول المعروفة باسم V4 إلى استخدام تأثيرهم وتخفيف شروط أوروبا على إسرائيل، والتصدي لما اسماه السياسات الأوروبية المناوئة لإسرائيل.

وكان مقررا عقد اجتماع لقادة هذه الدول الأربع في إسرائيل في شباط 2019، لولا انسحاب بولندا المفاجئ من الاجتماع بعد اتهامات إسرائيلية صدرت على لسان وزير الخارجية السابق يسرائيل كاتس للأمة البولندية بأسرها بأنها كانت مؤيدة للمحرقة النازية ضد اليهود.

اتهامات من هذا القبيل تظل متوقعة طالما أن رياح التغيير في دول شرق أوروبا أججت النزعة القومية واليمين الشعبوي في هذه الدول، فهذه النزعة بالضبط هي التي جاءت بزعيم مثل فيكتور أوربان لقيادة دولة المجر، وهو انسجاما مع قناعاته والقوى التي جاءت به إلى السلطة لا يتردد في مواصلة إثارة الحمية القومية والعنصرية في بلاده حتى لو أدى ذلك إلى إغضاب الإسرائيليين، من قبيل إشادته بالزعيم المجري إبان العهد النازي ميكلوس هورثي، أو هجومه على الملياردير اليهودي من أصل مجري جورج سوروس، ومع ذلك لم يتردد نتنياهو أبدا في وصف صديقه أوربان بالقول إنه صديق حقيقي لدولة إسرائيل، ويشار إلى أن المجر تأوي واحدة من أكبر وأهم الجاليات اليهودية في أوروبا بتعداد يتراوح بين 75 ألفا ومئة ألف، وسبق لبودابست أن استضافت المؤتمر اليهودي العالمي بنسخته الرابعة عشرة.

شراكات إستراتيجية وعميقة

يمكن لدولة واحدة فقط أن تصنع فارقا جديا في سياسات الاتحاد الأوروبي الخارجية، وبالتالي فإن ولاء التشيك أو المجر لإسرائيل في كل ما يتعلق بسياسات أوروبا هو أمر كاف في الوقت الراهن غير أن ذلك أمر غير مضمون، في ضوء المعارضة المتنامية لاستمرار حكم أوربان في المجر، والتجارب المشابهة لتبدلات الحكم التي شهدتها سابقا كل من أوكرانيا وبلغاريا ورومانيا، وهكذا فإن إسرائيل معنية ببناء علاقات إستراتيجية وشراكات عميقة في مجموعة دول أوروبا التي ما زالت تبحث عن هويتها وخياراتها الإستراتيجية، وفي ضوء الفوارق الكبيرة والجدية في مستويات الدخل والتطور الاقتصادي، التي ما زالت تفصل بين بلدان هذه المجموعة وشعوبها وبلدان وشعوب غرب القارة.

لقد وجدت إسرائيل أرضية مواتية للتغلغل في مجتمعات شرق أوروبا وبناء موطئ قدم وأرضية للنفوذ السياسي والاقتصادي في كل بلد على حدة، فمع الهزات العاصفة التي شهدتها هذه البلدان بفعل التحولات، انفتحت هذه البلدان أمام مختلف التأثيرات الخارجية، فأوروبا الغربية وجدت في هذه البلدان عبئا ينبغي التدرج في استيعابه واحتماله، ووجدت بعض الأوساط في هذه البلدان سوقا رخيصة للعمل وساحة خلفية لتصريف كثير من مشاكلها، ومن اللافت أن بعض الأوساط العربية الثرية لم تجد في انهيار الاتحاد السوفييتي والكتلة الاشتراكية إلا فرصة لعروض سياحية جديدة واستقدام العمالة المدربة والرخيصة بما في ذلك خادمات المنازل، وفي الوقت نفسه، أي طوال عقد التسعينيات، لم تكن روسيا قد استعادت عافيتها بعد، فوجدت إسرائيل فرصتها التاريخية للتغلغل في هذه المجتمعات من خلال شراء وسائل الإعلام، والاستثمار في مختلف مجالات الصناعة والبنى التحتية، وخاصة في مجالات التقنية الحديثة والصناعات العسكرية والخدمات الأمنية، وشراء أملاك الدولة المباعة بموجب الخصخصة، فضلا عن الاستثمار في شراء الأراضي والعقارات وغيرها مما كان يمكن لأي وفر مالي معقول أن يشتريه مقابل أثمان زهيدة.

عن علي محمد

مدير التحرير