الخميس , 26 نوفمبر 2020
مجلة فتح
الرئيسية 10 ثقافة وفنون 10 شجون فلسطينية: طائر الحرية طليقاً ماهر الأخرس.. الحرية.. أو الشهادة
شجون فلسطينية:  طائر الحرية طليقاً  ماهر الأخرس.. الحرية.. أو الشهادة

شجون فلسطينية: طائر الحرية طليقاً ماهر الأخرس.. الحرية.. أو الشهادة

أحمد علي هلال

( مجلة فتح – العدد 739)

ما معنى أن يضربوا عن الطعام داخل زنزاناتهم كتحدٍ لجلاديهم، ما معنى أن يواصلوا اضرابهم عن الطعام بعزيمة فائقة رغم الألم الممض، ورغم صمت العالم إلا قليلاً، هي مأثرة مستمرة لماهر الأخرس ورفاقه الذين ظلوا يواصلون بثّ رسائلهم، يدقّون بيد مضرجة جدران الخزان ويواصلون قرعه، فهم علامات صحو هذه  الأمة وميراث شعب راسخ الجذور صلب الانتماء، ماهر الأخرس ليس وحيداً وهو يسمع العالم كله وقائع اضرابه، وقائع تأخذنا إلى حيوات طليقة تأبتّ على أن تظل حبيسة الزنازين، إنها الروح التي تفل الحديد لتصبح طيوراً حرةً بما يكفي لتحوم في سماء الوطن، وتمشي في دروبه مترعةً بالكبرياء.

ماهر الأخرس رجل بحجم وطن بتاريخ مستمر ومآثر حيةٌ لا تنتهِ، حدَّ الأساطير اليومية التي يصنعها شعب مقاوم يتقدم المشهد كل لحظة محمولٌ على أرضه المكتنزة بشراراتها وينابيعها وخصبها، الواقفون كما الأشجار السامقة على أرض الوطن… هم المخرز الذي يواجه عين الجلاد، وهم العابرون أزمنةً لا تشبه هذه الأزمنة، ليستأنفوا مجداً تليداً في رابعة نهارات المقاومة وأبجدياتها الحارسة لمجد السنابل والبرتقال وأول الرصاص، فهل أخذنا كتابه بقوة وفي الكتاب سطور شمس عالية كأنها ألف شمس مشرقة، وهل توزعنا نداءاتهم في قلوبنا لتصبح نبضهم، وهل تنسمنا أريج بسالتهم، لنصحو على وطن هم على هيئته ومقامه، تلك صيرورات كفاح يواصل فيه أسرانا الأبطال دورات الحياة، وقيامات السنابل في أرض النار، رسائل للأحياء من أمتنا كي ما تظل فلسطين هي الهاجس والمصير واجتراح أسباب الحياة، فلسطين هي الحقيقة الأبدية المتأبية على الصمت والنسيان.

هو الدرس الكبير لماهر الأخرس ورفاقه، هذه اليد المضرجة، هذا الوجه الصلب كصلابة حجارة فلسطين وأرضها، أصبح رمزاً وأيقونة وفضاءً طليقاً لجهات القلب والروح والكلام، حتى يستعيد الحبر دمنا، ونرث المستقبل بثقة الجبال وتدفق البحار، من أجل ذاكرة فلسطينية أكثر بهاءً في لحظتنا الراعشة، هو صورة وجهنا الأخير كما فلسطين أرض البدايات وأرض النهايات، كثافة تاريخ حي من أول الرصاص إلى سدرة الشهداء/ الأحياء، الذين يرتقون نجوماً في ليلنا العربي الطويل، ترجم بالضوء ذلك العتم المقيم، وبحجارة الضوء نعيد عمارة البيوت والأرواح، ونقبض على مفاتيح عودتنا إلى مهبط أحلامنا ورحم هوياتنا.

رسالة ماهر الأخرس العابرة أزمنتنا وأمكنتنا ولغتنا، رسالة مناضل عتيد عمّد مدرسة النضال بصلابة استثنائية تفتح في أفق النضال غير نافذة وباب… سنظل نصدح في فجريات أغانينا: لهم الشمس لهم القدس والنصر وساحات فلسطين، وسنظل نسرج أغانينا والرصاص، لفجرياتهم الصاعدة في نسغ هذا الكلام، هم الآن كل  وجوهنا وسورة العائدين إلى تاريخ فاعل، لا يكّلُ عن صوته المحمول على ملاحمهم، ملاحم البقاء والانتصار في أتون هذه التراجيديا الفلسطينية المستمرة… يا لآلامه المطرزة على صليب انتظارنا، نحمله ونمضي كما دمه في عروق السحاب، كما صوته الحارس لأيامنا، كما كلمة لم يقلها لكنها صارت نشيداً وسلاماً، يا مجد كل الأسماء أنت الصامت الذي تكلما، حينما تأخذ صوتك كل السهول والهضاب، كل الأرض التي انتظرت مواقيت شمسها وجمرها الغافي، لكنه المتوهج في يومياتنا المستمرة بهم وبأسمائهم الحركية فلسطين.

وعلى لوح الأزل كان اسمه كما كل الأسماء التي اجترحت نهجاً للحياة، يجهر بالقادم: لأجلها نهبُ الأجساد والأرواح، أرواحنا العارية إلا منها لتعلن قيامتها في صحو البلاد ومدن رصاصها… أيها المتوغل فينا حكايةً فلسطينيةً متجددةً لا تنتهي، سلاماً لآلامك/ آلامنا، قد رسمت الصباح على وجوه الأحياء مجداً يليق بتباشير القيامة، فلنصعد الآن دورةً من الحياة جديدة، تكسر قيدك وتمضي إلى الحياة.

عن علي محمد

مدير التحرير