الخميس , 26 نوفمبر 2020
مجلة فتح
الرئيسية 10 ثقافة وفنون 10 الشهيد المجاهد الشيخ عز الدين القسام قائد أول انتفاضة مسلحة في فلسطين
الشهيد المجاهد الشيخ عز الدين القسام قائد أول انتفاضة مسلحة في فلسطين

الشهيد المجاهد الشيخ عز الدين القسام قائد أول انتفاضة مسلحة في فلسطين

موسى مراغة

( مجلة فتح – العدد 739)

تمر في 20 /11 من كل عام ذكرى استشهاد البطل المجاهد عز الدين القسام وهو علم بارز من أعلام الجهاد في تاريخ فلسطين الحديث، احتل مساحة كبيرة من التقدير والاحترام في ضمير الشعب العربي الفلسطيني، فقد جسّد على أرض فلسطين وحدة الدم العربي والمصير الواحد واستطاع أن يفجر الثورة ضد القوات البريطانية الغازية، وضرب المثل الأعلى في التضحية والفداء حين قضى شهيداً على أرض فلسطين في ساحة الجهاد. وذلك بعد معركة غير مكافئة فقدم روحه الطاهرة هدية متواضعة في سبيل كرامة وطنه، وعزة أمته.

وكان استشهاد هذا القائد المجاهد الشرارة التي أشعلت ثورة عارمة شملت أرجاء فلسطين. ضد الغازي البريطاني الذي كان يمهد للصهاينة إقامة دولتهم المصطنعة على أرض فلسطين.

ويعد الشيخ المجاهد عز الدين القسام مؤسس وقائد تنظيم القساميين وأحد أول شهداءه، ولد في بلدة جبلة جنوب اللاذقية في عام 1882، ومن أسرة متوسطة الحال، وكان والده صاحب كتّاب يعلم فيه الأطفال أصول القراءة والكتابة وحفظ القران والحديث، تلقى دراسته الابتدائية في بلدته والتحق وهو في الرابعة عشرة من عمره بالأزهر ومنه نال الشهادة الأهلية، عاد إلى جبلة عام 1903، ليحل مكان والده في الكتاب، وغدا بخطبة ودروسه وسلوكه محل احترام وإجلال أهالي بلدته.

كان القسام ومنذ  شبابه المبكر ثائراً ضد الظلم والعدوان والاحتلال فقاد مظاهرة في بلدته جبلة تأييداً للعرب الليبيين أبان الغزو الإيطالي لليبيا، ودعا الناس إلى التطوع لقتالهم، ورفع راية مقاومة فرنسا في الساحل الشمالي لسورية، وكان في طليعة المجاهدين الذين حملوا السلاح في ثورة جبال صهيون «1919-1920» حيث صقلت هذه الثورة الشيخ القسام وعلمته الكثير من الدروس.وقد اكتشفت القوات الفرنسية أمر الشيخ  ورفاقه فحكموا عليه بالإعدام، فالتجأ إلى فلسطين مع ستة من جماعته.

وبوحي من إيمانه وحبه للجهاد، راح يدرس الواقع على أرض فلسطين من أجل العمل الجاد لتهيئة الرجال، وإعدادهم لمقاومة القوات البريطانية، فقد رأى أن العدو في فلسطين هو نفسه في سورية ولو اختلفت الأسماء ، ووضع القسام الجهاد في فلسطين هدفاً نصب عينيه ، وبدأ الأعداد والاستعداد لذلك.

وكانت مدينة حيفا الفلسطينية هي وجهته الأولى، وفيها عمل مدرساً في المدرسة الإسلامية، وخطيباً في مسجد الاستقلال، وانضم إلى جمعية «الشباب المسلمين» حيث انتخب رئيساً لها عام 1926،وعمل مأذوناً متجولاً في شمال فلسطين، وقد أتاحت له هذه الوظائف الاتصال والتواصل مع الناس، واستطاع من خلال خطبة ودروسه الدينية، وأحاديثه العامة أن يبث الوعي الوطني في نفوس الناس ويحثهم على العمل الجاد من أجل الانضمام للمقاومة والجهاد لتطهير فلسطين من المستعمر الدخيل.

التقت في الشيخ القسام مجموعة من المؤثرات كونت شخصية المتميزة وجعلته صاحب مدرسة في النضال تركت أثرها في مسيرة الحركة الوطنية الفلسطينية.

فقد انطبعت في نفسه أثار سنوات الدراسة في مصر «الاحتلال البريطاني وثورة عرابي» فآمن بان الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد القادر على إنهاء الانتداب والحيلولة دون قيام كيان للصهاينة في فلسطين، وأدرك القسام أن أسلوب المفاوضات مع عدو البلاد لا يجدي نفعاً، وأن الاستعمار من طبعة  المراوعة والخداع، ووصل القسام إلى قناعة بأن الثورة المسلحة تحتاج إلى تخطيط سياسي وعسكري، وإلى تعبئة الجماهير نفسياً لتأييد الثورة، وإلى تنظيم سري ثوري يربى فيه المقاومون سياسياً وعسكرياً، وقد اتصف القسام بقدرة فائقة على التنظيم واختيار الأعضاء، وعلى ملكة القيادة، ساعده في ذلك عمله مدرساً وخطيباً وإماماً وقاض شرعي.

فكان على معرفة بالناس وسبل إقناعهم والتأثير فيهم، رابطاً في ذلك الجانب النضالي بالاجتماعي، فكان يهتم بمساعدة الفقراء ومكافحة الأمية إيماناً منه بإن ذلك يعمق الوعي بين الجماهير، ويزيد إيمانهم بالثورة ويشحذ عزمها وهمتها للكفاح المسلح.

ويظهر أثر القسام في التنظيم من الخلايا السرية الصغيرة إلى القيادة، وقد اهتمام بالتنظيم الدقيق وتوزيع الأدوار والمهمات، فشكل الوحدات المتخصصة، كوحدة الدعوة إلى الثورة ووحدة الاتصالات، ووحدة التجسس على الأعداء وأخرى للتدريب العسكري، ووحدة تأمين السلاح.

 أدى ازدياد نشاط القسام وتأثيره بين الناس، فذاع صيته وقوية شوكة التنظيم الذي كان يقوده، مما أدى إلى اكتشاف أمره من قبل سلطات الانتداب البريطانية، فبدأت بملاحقته وتتبع أثارة في كل مكان.

وعندما تيقن القسام أن الوقت أصبح ملائماً لإعلان الثورة وانطلاقها، فقرر في12/11/1935، بدايتها، فانتقل مع العشرات من أبناء تنظيمه إلى جبال جنين و قضاؤها وبث جماعات في القرى تدعوا إلى الثورة وتشرح أهدافها.

وفي صباح 15/11/1935، وقعت معركة قصيرة بين المجاهدين والشرطة البريطانية قرب قرية «البارده» استشهد أحد القساميين وقتل أثنان من رجال الشرطة، أدت هذه المعركة إلى اكتشاف أمر القسام ورفاقه من قبل سلطات الانتداب التي قامت مساء 18/11/1935، بتجهيز حملة كبيرة قدرت بخمسائة جندي بريطاني، حيث قامت تلك القوة بتضييق الخناق على القسام ورفاقه داخل أحد إحراج يعبد قضاء مدينة جنين.

وبدأت المعركة صباح يوم 20/11/1935، وكانت معركة غير متكافئة، ومع ذلك استطاع القسام ورجاله الصمود ومقارعة القوة المهاجمة، فقد قرروا أن يقاتلوا حتى أخر طلقة لديهم، واشتد لظى المعركة التي بدأت صباحاً وأنتهت عند الظهر، حيث انجلى غبارها عن استشهاد القائد عز الدين القسام وعدد من رفاقه المجاهدين.

وقد ترك استشهاد القسام رنة حزن عميقة في أرجاء فلسطين وكان استشهاده الشرارة التي أشعلت نيران الثورة العربية الكبرى في فلسطين عام 1936، والتي استمرت لغاية 1939، حيث برز دور القادة القساميين في تلك الثورة العظيمة .

وهكذا طوى الموت مجاهداً ثائراً عربياً مؤمناً بالكفاح المسلح سبيلاً للتحرير ومقاومة الاحتلال الغاصب. وقد ذكره الشاعر أبو سلمى في قصيدته «لهب القصيد » حين قال.

قوموا اسمعوا من كل ناحية يصح دم الشهيد

قوموا انظروا «القسام » يشرق ثورة فوق العرود

يوحي إلى الدنيا ومن فيها بأسرار الخلود.

عن علي محمد

مدير التحرير