الخميس , 26 نوفمبر 2020
مجلة فتح
الرئيسية 10 شؤون عربية 10 تطبيع مع الكيان 10 التطبيع السوداني – «الإسرائيلي» وأثره على القضية الفلسطينية
التطبيع السوداني – «الإسرائيلي» وأثره على القضية الفلسطينية

التطبيع السوداني – «الإسرائيلي» وأثره على القضية الفلسطينية

 ( مجلة فتح – العدد 739)

كانت القضية الفلسطينية أحد الخطوط الرئيسية في السياسة الخارجية السودانية، ولم تحظَ بوضع الأولوية التي كانت تُعطَى لدول الجوار وللعلاقات العربية والدولية بشكل عام، وتحديداً مع الولايات المتحدة، والصين، والدول الخليجية؛ إلا أن سياسة الإسناد التي اتبعتها الحكومات السودانية المتعاقبة، جعلت السودان يشارك في محطات مهمة في تاريخ الثورة الفلسطينية، وكان ذلك من خلال دول أخرى ولا سيّما مصر. وفي فترات مختلفة كان السودان يبادر ببعض المواقف تحت بند الدفاع عن النفس، نظراً للاستهدافات «الإسرائيلية» المتكررة للسيادة السودانية، ودعمها العالي للحركات المسلحة في جنوب السودان وغربه.

الأزمة الاقتصادية الطاحنة في السودان، والعقوبات الأمريكية القاسية، جعلت النظام السياسي الجديد الهش يسعى للخروج منها عبر بوابة التطبيع مع الكيان الصهيوني. ومع ذلك، يواجه مسار التطبيع عقبات كبيرة بسبب المعارضة الشعبية الواسعة وحتى من داخل المكوِّن المدني في الحكم الانتقالي، كما أن المؤسسات الدستورية لم تكتمل في السودان؛ وهو ما يجعل التطبيع جزئياً، وخاضعاً للتدرج بناء على استجابة النظام السوداني للشروط الأمريكية «الإسرائيلية».

موقع السودان في القضية الفلسطينية:

يمكن توصيف موقع السودان في خريطة القضية الفلسطينية أنها ساحة إسناد خارجي، وعادةً ما تكون مساندتها من خلال دولة أخرى وسيطة بسبب الفاصل الجغرافي البري عن فلسطين والمتمثل في مصر، والفاصل البحري للمياه الإقليمية المصرية عن الساحل الفلسطيني الجنوبي على البحر الأحمر. وقد تنوّع هذا الإسناد من الإسناد السياسي، والدبلوماسي، إلى الإسناد العسكري، والإسناد الأمني.

ودخلت السودان خطّ الإسناد المباشر دون وسيط عبر منظومة التأهيل والتدريب للمقاومة الفلسطينية، وعبر تهريب السلاح لها بحراً وبراً عبر عصابات محلية قبلية في مراحل مختلفة من عمر السودان بعد حرب 1967.

موقف نظام الإنقاذ من التطبيع:

بقي السودان مصنّفاً ضمن الدول المحسوبة على محور المقاومة طوال حكم الإنقاذ، ورفض التطبيع علناً في محطات عديدة من عمر الإنقاذ، ومع ذلك فقد أخذ ملف التطبيع يُطرح من البعض في السنوات الأخيرة من عمر نظام البشير. وسواء تعلَّق رفض النظام لذلك بأسباب مبدئية أم سياسية، فإن التقديرات كانت تشير إلى أنه لا فائدة ترجى من التطبيع، وأنه سيتحول إلى عبء كبير لن يحتمله السودان الذي يعاني من استنزاف أمني واقتصادي كبير، خصوصاً أن استراتيجية العدو الصهيوني تصنّف السودان عدواً استراتيجياً بسبب موقعه الجغرافي وعلاقته بمصر، وأن السلوك «الإسرائيلي» يمتاز بالعداء الشديد من خلال دعم حركات التمرد، وتحريض اللوبي اليهودي الأمريكي الدائم على السودان.

موقع السودان في الاستراتيجية «الإسرائيلية»:

منذ بداية تشكيل الإستراتيجية «الإسرائيلية» في عهد رئيس حكومة العدو الأسبق ديفيد بن جوريون، أصبح السودان محل استهداف «إسرائيلي» نظراً لكونه في العمق الاستراتيجي الجنوبي لمصر، وكان الاتجاه دائماً صوب تفكيك العلاقة مع مصر، ودعم الحروب الأهلية، وتمزيق السودان إلى دول وأقاليم متنازعة، وجعل السودان بؤرة توتر وقلق مصري دائم، وإضعاف السودان ومنعه من التحول إلى دولة مؤثرة أو مركزية أو محورية في محيطها الإفريقي.

بعد تطور العلاقة المصرية «الإسرائيلية» في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، تغيّرت الإستراتيجية الإسرائيلية مؤقتاً نحو جعل السودان منطقة جذب مصرية جنوبية، تتجه إليها حركة الهجرة والعمل إذا تعرضت مصر لأي انهيار سياسي أو كارثة عامة لمنع الاتجاه صوب الشرق، كما هو حاصل في أكثر التجارب التاريخية السابقة، كما يتاح للسودان أيضاً أن يكون قادراً على امتصاص حركة النزوح والهجرة في حال انهيار الدولة الإثيوبية ذات الكثافة السكانية العالية؛ حيث استسهل الإثيوبيون الهجرة إلى الكيان الصهيوني الأقرب إليهم من أوروبا والأقل كلفة في الهجرة غير الشرعية، ويمكنهم الادعاء أنهم يهود فلاشا. وهناك سبب ثالث يفترض أن السودان قادر على استيعاب الحركات الإفريقية، الموصوفة بالتطرف القادمة من وسط إفريقيا وغربها، والتي تمتاز بمرونة الحركة، وسرعة الانتقال، وسهولة الاختراق من جهات معادية للكيان ومصر الحليفة لها، لا سيّما أن هذه الحركات تتحرك في الصحراء، والخلاء الفسيح، وفق منظومة حماية قَبَلية قوية بعيداً عن نفوذ الدول الإفريقية فيها.

وهذه الاستراتيجية الجديدة ما تزال محل نقاش متقدم، وهناك ربط لهذه الإستراتيجية يشترط بأن يتحول السودان إلى مركز ثقل استراتيجي أمريكي؛ من خلال إنشاء قاعدة عسكرية أمريكية إستراتيجية في شرق السودان على البحر الأحمر، تهدف للتدخل السريع في إفريقيا والشرق الأوسط.

التحديات التي تواجه المرحلة الانتقالية وشدة الخلاف بين المُكونين المدني والعسكري فيها وعدم قدرة أحد الطرفين على حسمها، وتردد الدول الإقليمية والكبرى في الانحياز لطرف على حساب الآخر، وسوء العلاقات مع الكونجرس الأمريكي Congress، جعلت العلاقة مع الكيان الصهيوني مدخلاً لتطوير العلاقة الإيجابية مع الإدارة الأمريكية وتسريع منظومتها البطيئة، وتمهيد العلاقة مع مجلسي النواب والشيوخ الأمريكيين، وترويض اللوبي اليهودي الأمريكي المعادي للسودان في هذه المؤسسات، بغرض رفع العقوبات الأمريكية عن السودان وجدولة الديون والعودة إلى منظومة الاقتصاد العالمي.

يبدو أن المكوِّن العسكري وجزءاً من المكوِّن المدني سعيا للوصول إلى المدخل «الإسرائيلي»، وتمكّن المكون العسكري من الوصول أولاً بمبادرة سودانية عسكرية عبر البوابة الأوغندية وبعيداً عن الأطراف المتدخلة في الشأن السوداني. وفُتحت العلاقة أولاً مع الاستخبارات العسكرية «الإسرائيلية» ومنها إلى مكتب رئيس حكومة العدو الصهيوني، وبعد نحو أربعة أشهر من المفاوضات والتفاهمات على أسس العلاقة ومحاورها، جرى لقاء علني بين الفريق عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة السوداني ورئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو في أوغندا أوائل شباط/ فبراير 2020، ولم تكن الحكومة السودانية برئاسة عبد الله حمدوك على اطلاع على هذا اللقاء قبل تسريب الإعلان عنه من المصادر «الإسرائيلية»، وهو الأمر الذي أحدث صدمة في شركاء الوثيقة الدستورية، الحاكمين للمرحلة الانتقالية.

سادساً: مواقف الأطراف السودانية من إعلان التطبيع:

بدَت المؤسسة العسكرية السودانية موحدة في موقفها المؤيد من لقاء البرهان – نتنياهو، لا سيّما أنها قامت بالترويج له في سياق مصلحة ملحّة لا خيار آخر فيها، فيما بدَت الأطراف المكونة لقوى إعلان الحرية والتغيير في تباين واسع؛ إذ أعلنت الأحزاب البعثية، والناصرية، وحزب الأمة السوداني، والحزب الشيوعي، إضافة للأحزاب الإسلامية رفضهم لهذا اللقاء وتداعياته، فيما دعمته أحزاب وحركات أخرى، وأيدته معظم الحركات السودانية المسلحة التي كان معظمها منفتحاً في العلاقة مع الكيان سابقاً، ومع أن رئيس الوزراء عبد الله حمدوك يبدو متفهّماً لهذه العلاقة وكان يسعى لاستخدامها سابقاً، إلا أن القوى المعارضة داخل الحرية والتغيير دفعته للحياد في هذه القضية إعلامياً أمام الشارع السوداني، فيما كان يؤيد ذلك بوضوح في لقاءاته مع الإدارة الأمريكية التي أظهرت له هذا الموقف في تصريحات عديدة لوزير خارجيتها مايك بومبيو Mike Pompeo، ثم استقر الأمر لديه ولدى القوى المؤيدة له على تأييد خطوات التطبيع والمشاركة فيها.

ما تزال قوى أساسية في قوى إعلان الحرية والتغيير وأحزاب رئيسية ترفض التطبيع، وتعدّ ما جرى تجاوزاً غير مقبول من طرف الحكومة والقيادة العسكرية، وأنهم لا يملكون تفويضاً من الشعب ولا من اللجنة المركزية لقوى إعلان الحرية والتغيير؛ كما أن القوى الإسلامية وحلفاءها التي نشطت مؤخراً على خلفية التدهور الاقتصادي، ستعمل على تصعيد خطابها المعارض، وتحشيد الشارع ضدّ هذا التطبيع.

وعند الترجيح بين الاحتمالات فإنه يصعب الحديث عن تطبيع كامل خصوصاً في المرحلة الانتقالية، وعدم اكتمال المؤسسات الدستورية في السودان، ولذلك فغالباً ما يكون التطبيع جزئياً. وهو تطبيعٌ معرضٌ للتجميد سواء بسبب تصاعد المعارضة ضده، أم بسبب ضعف نتائجه الاقتصادية على حياة السودانيين.

تاسعاً: أثر التطبيع على القضية الفلسطينية:

إن خروج السودان من مشهد الإسناد والدعم للقضية الفلسطينية سيؤدي إلى ضرر معنوي كبير لهذه القضية، ولكنه لن يكون ذا تأثير كبير عليها، إذ لم تتحول العلاقة مع الفلسطينيين إلى تحالف شامل قوي على الرغم من قوة علاقات الصداقة والتعاون، كما أن مستوى التعاون كان يتوقف على مستوى الضغوط الأمريكية على السودان وتفاعلاتها، وكثيراً ما تعرضت هذه العلاقة بين السودان والمقاومة الفلسطينية للاهتزاز والانقطاع، ولكنها كانت تزدهر عقب أيّ استهداف «إسرائيلي» للسودان أو حملة «إسرائيلية» عسكرية قوية على فلسطين، ثمّ ما تلبث أن تعود لمستوياتها العادية.

عن علي محمد

مدير التحرير