الإثنين , 23 نوفمبر 2020
مجلة فتح
الرئيسية 10 شؤون العدو 10 اخبار 10 تقرير: دراسة جديدة: كشوف الاستخبارات «الإسرائيلية» تنطوي على فرص كثيرة وأيضاً على مجموعة مخاطر!
تقرير: دراسة جديدة: كشوف الاستخبارات «الإسرائيلية» تنطوي على فرص كثيرة وأيضاً على مجموعة مخاطر!

تقرير: دراسة جديدة: كشوف الاستخبارات «الإسرائيلية» تنطوي على فرص كثيرة وأيضاً على مجموعة مخاطر!

لطالما شكّل مبدأ السرية العمود الفقري والمبدأ الناظم للعمل الأمني والاستخباراتي الناجح والفعّال، كونه عملاً سرياً بطبيعته. وهو المبدأ الذي نراه بشكل مُضاعف لدى إسرائيل وأجهزتها الاستخباراتية المُختلفة التي تؤدّي أدواراً تتجاوز الدور الأمني والاستخباراتي لتُسهم في صوغ وتحديد طبيعة السياسات الداخلية والخارجية والموقف من القضايا والملفات الإقليمية الدولية، كما تحدّد طبيعة العلاقة مع اللاعبين الإقليميين والدوليين. وخلافاً لما كانت عليه الحال في السابق، نشهد اليوم حضوراً متزايداً للنقاشات والمعلومات الأمنية والاستخباراتية في المجال العام الإسرائيلي، وخاصّة في العقد الأخير، أي منذ تسلّم بنيامين نتنياهو لمقاليد الحكم والسلطة، وهي النقاشات التي لم تكن حاضرة يوماً بنفس القوة والوتيرة قبل عدّة سنوات.

وفي هذا السياق، تأتي الدراسة الصادرة مؤخراً باللغة العبرية عن “معهد أبحاث الأمن القومي” في جامعة تل أبيب للباحث أوفيك ريمر بعنوان “كشوف الاستخبارات الإسرائيلية: فرص ومخاطر” كجزء من أطروحة الباحث لنيل درجة الدكتوراه، لتُقدّم لمحة موجزة عن السياسة الإسرائيلية المُتّبعة مؤخراً في إدارة المعلومات الاستخباراتية الدقيقة التي تمتلكها الدولة وأجهزتها الأمنية المُختلفة عن خصومها وأعدائها، مُحاولةً إخضاع هذه السياسة لحسابات الجدوى القائمة على الربح والخسارة بشكل أساس، والجدوى هنا صهيونية الجوهر؛ أي أن هذا التقييم يتم وفق اعتبارات المصلحة الصهيونية المُتحققة والخسائر المتوقعة نتيجة اتّباع هذه السياسة الجديدة نسبياً في السياق الإسرائيلي كما يرى العديد من الباحثين.

فإلى جانب المعلومات المُهمة التي تُقدّمها الدراسة، والتي يُمكن استخدامها في العمل البحثي والتحليل السياسي وعمليات صُنع القرار، يُمكن الاستفادة من هذه الدراسة، والدراسات الشبيهة أيضاً، للتعرّف على الجهد الأكاديمي والبحثي الإسرائيلي المُستمرّ في هذا المجال ليس على صعيد إنتاج المعرفة فقط، بل على صعيد تقييم المستوى الأكاديمي والبحثي لسلوك المستويين السياسي والأمني بشكلٍ عام، وفي استخدامه لسياسة الكشف والإفصاح عن بعض المعلومات الاستخباراتية الدقيقة عبر وسائل الإعلام المُختلفة وتداولها في المجال العام بشكلٍ خاص، سواءً أكانت تصريحات علنية أم تسريبات، تُخالف في طبيعتها جوهر العمل الاستخباراتي والأمني الذي تُشكّل السريّة المُطلقة فيه أحد أهم أسباب نجاحه وفاعليته، ليس في إسرائيل وحسب.

وتكشف الدراسة في الوقت نفسه عن الوضعية التي يظهر عليها مُعظم الباحثين الإسرائيليين، نسبياً، حينما يتعلّق الأمر بالقضايا الأمنية؛ وأدّعي هنا أنها وضعية “تجنّد طوعي” خدمةً للدولة وعقيدتها التي تعتمد في تنشئتها على وسائل محبوكة جيداً لبناء “المُجتمع المُجنّد” بأكمله لخدمة المشروع الصهيوني وإسرائيل كإحدى وسائل تحقيقه، كما يُمكن تأطير هذ الدراسة في إطار موجة الانتقادات التي تُوجَّه اليوم لسلوك حزب الليكود كحزب مُهيمن بقيادة بنيامين نتنياهو الذي يرغب وفق كثيرين في بناء “مملكة بيبي” أو “مملكة الليكود” مُستخدماً بذلك كل الوسائل المُتاحة إلى جانب التعدّي على بعض مؤسسات الدولة كالمؤسستين القضائية والإعلامية لضمان استمرار حكمه وسيطرته حتى وإن كانت هذه الدراسة لا تُشير إلى ذلك بصراحة.

سنقوم هنا باستعراض أهم ما جاء في هذه الدراسة تماماً كما تناولها الباحث نفسه، بدءاً بالفُرص والفوائد الكامنة في الكشف عن المعلومات الاستخباراتية، مروراً بالمخاطر والأضرار التي ينطوي عليها هذا الكشف، وصولاً إلى طرح مجموعة توصيات يرى ضرورة الأخذ بها من قِبَل المستويين الأمني والسياسي للحفاظ على قدرة الأجهزة الأمنية والاستخباراتية وفعاليّتها ولضمان استمرار نجاحها.

ينطلق الكاتب في هذه الدراسة من مجادلة أساسية فحواها أن مبدأ السرية يسير جنباً إلى جنب مع العمل الاستخباراتي بل ويحدّد طبيعة عمله وأهدافه في بعض الأحيان، حيث أن السرّية التي تحيط بمجتمع الاستخبارات وما يصدر عنه ضرورية للحفاظ على المصادر الاستخباراتية وأنماط العمل التي تساعد في الكشف عن المعلومات حول الخصوم والأعداء.

يركز الكاتب بشكل رئيس على مسألة الكشف العلني عن المعلومات الاستخباراتية الحديثة المتوفرة حول المنافسين والأعداء في المنظومة الدولية، هذا الكشف الذي يتم بموافقة الحكومة وأجهزة الاستخبارات والجهات الأمنية المسؤولة أو ذات الصلة، والذي يتضمّن إفشاء معلومات عن أنشطة الجيش وأجهزة المخابرات والاستخبارات المختلفة أو قدراتها. بالإضافة إلى التصريحات والتسريبات التي تصل لوسائل الإعلام الإسرائيلية، بخلاف ما جرت عليه العادة، دون الأخذ بعين الاعتبار سياسات ومُحدّدات النشر المُتبعة، ومن هُنا تحاول الدراسة تحليل إمكانية تعرّض العمل الاستخباراتي لأضرار حقيقية بسبب هذه السياسة، بالإضافة إلى البحث عن السُبل والوسائل الممكنة لإيجاد التوازن بين سياسات الإخفاء والكشف، أي بين السرية/ الضبابية/ الغموض وبين الأسلوب العلني في العمل في سياسة إسرائيل الخارجية والأمنية على نطاقٍ واسع.

الفرص والفوائد الكامنة في الكشف عن المعلومات الاستخباراتية

تدّعي الدراسة أن السريّة تحمل أهمية مُضاعفة بالنسبة لإسرائيل وتصوّراتها الأمنية، فإسرائيل، وكما ترى نفسها، دولة مُحاطة بالأعداء الذين يهدّدون أمنها على الدوام، لذلك فإن السرية ليست ضرورية فقط لحماية المصادر الاستخباراتية التي توفر الإنذار المُبكّر؛ بل تخدم أيضاً مبدأ المفاجأة والمباغتة، كمبدأ ضروري لتحقيق الهجمات الوقائية ضد التهديدات الناشئة، بالإضافة إلى أن مبدأ الغموض المُتّبع يُساهم في تقليل المخاطر وردود الفعل المتوقّعة والتصعيد العسكري المُضادّ. وبناءً على ما تقدّم، فإن صانعي القرار وأعضاء المنظومة الأمنية ومُجتمع الاستخبارات في إسرائيل قد اعتادوا على العمل ضمن مبدأ السرية والضبابية لتحقيق أهدافهم وهذا ما يُفسّر امتناعهم بشكل مُطلق عن الكشف عن أسرار الدولة ولا سيّما تلك المُتعلّقة بالأمن أو نشاطاته مهما اتّسعت رقعتها، بل وأكثر من ذلك؛ فإن السرية التي تُحيط بمصادر وآليات عمل الأمن القومي بشكلٍ عام توفّر القدرة على احتكار المعلومات والمعرفة وما يترتّب عليها، وبالذات التأثير على آلية اتخاذ القرار وصياغة السياسات في هذه القضايا؛ لذلك، نرى أن منظومة الاستخبارات تتعامل تقليدياً مع سياسة الكشف والإفصاح على أنها ضارّة لعملها وتسعى دوماً للحفاظ على مسافة بينها وبين وسائل الإعلام وتمتنع عن نشر المعلومات؛ استجابةً لمبدأ “قُدسية الأمن” الذي تفوق الاعتبارات الأمنية وفقاً له كل الاعتبارات الديمقراطية، وهذا ما يُفسّر السرية والغموض المُحيط ليس بالقضايا الأمنية وحسب، بل بالسياسة الخارجية والأمنية على نطاق واسع ومشروع؛ أي يحظى بموافقة الجمهور، الذي يعتبر نفسه “شريكاً سرياً” وهو الأمر الذي دفع علماء الاجتماع لتعريف إسرائيل كدولة سرية تسود فيها ثقافة السرية والغموض على نحوٍ واسع.

وعلى الرغم من ذلك، فإن السنوات الأخيرة قد شهدت وجوداً مُتزايداً لمُجتمع الاستخبارات في المجال العام؛ حيث يتم نشر الترقيات والقدرات وحتى بعض المعلومات في وسائل الإعلام، بالإضافة إلى ظهور العديد من الشخصيات الأمنية، سواءً أكانوا في الخدمة الفعلية أو مُتقاعدين، عبر وسائل الإعلام بصورة مُكثّفة (حتى وإن تم إخفاء وجوههم)، للحديث عن بعض القضايا الأمنية واستعراض القدرات التي يمتلكونها ووحداتهم والثناء عليها. ورغم تعارض ذلك مع مبدأ السرية، بوصفه مبدأ ضروريا لنجاح العمل الاستخباراتي والأمني، إلّا أن هناك قيمة استراتيجية في الكشف عن القدرات والمعلومات الاستخباراتية، كما ترى هذه الدراسة، وهي على النحو التالي:

أولاً: إحباط وتشويش وتعطيل نشاطات الخصم؛ فالخصم يدفع ثمناً باهظاً حينما تكشف إسرائيل عمّا لديها من معلومات استخباراتية حول مصادر قوته وقدراته المختلفة، من قبيل أسراره الداخلية، مشاريع عدائية سرية، أو مواقع إلكترونية، حيث يُبطل هذا الكشف مفعول السرية والمفاجأة في قضية معينة لدى الخصم، وبالتالي يعطّله ويُحبط قدراته، أو على الأقل يتسبب بإحراجه أمام الرأي العام الداخلي؛ فبعض هؤلاء يعملون تحت عباءة السريّة مثل إيران التي تروّج لمشروع عسكري نووي سرّي، أو المنظمات والكيانات غير الدولانية مثل حزب الله وحركة الجهاد الإسلامي التي تعمل ضمن سيطرة سلطة سيادية (الدولة اللبنانية وحكومة حماس على التوالي)، وبالتالي فهي مُطالبة بالاختباء والعمل ضمن مبدأ السرية للحفاظ على قوتها. ومن هنا فإن كشف إسرائيل عن بعض ما بحوزتها من معلومات يُشكّل مصدر قوة ويُساهم في إرباك الخصم وتأخير وتعطيل مشاريعه.

ثانياً: تعظيم ومُراكمة قوة الردع الإسرائيلية؛ حيث أن الكشف والإفصاح المُحدّد والذكي عن بعض المعلومات الاستخباراتية حول نشاطات الخصم من شأنها ردعه عن مواصلة نشاطاته ومشاريعه، وفي ذلك رسالة تهديد إسرائيلية واضحة قبل تفعيل القوة الفعلية، تُجبر الخصم على التراجع حين يرى نفسه مكشوفاً أمام أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية. على سبيل المثال، في العام 2019 وقبل انعقاد مُسابقة “اليوروفيجين” في تل أبيب واحتفالات “يوم الاستقلال”، أقدم المُتحدّث باسم الجيش على نشر صور أحد كبار مسؤولي حركة الجهاد الإسلامي بهاء أبو العطا مُحمّلاً إياه المسؤولية عن إطلاق الصواريخ في الفترة الأخيرة؛ وهذا كان بمثابة تهديد لأبو العطا بأن استمرار إطلاق الصواريخ قد يُكلّفه حياته وهو ما حصل فعلاً في نهاية شهر تشرين الثاني من العام نفسه. وهي الوسيلة نفسها التي تُتّبع بين الفينة والأخرى مع حزب الله من خلال نشر صور لمناطق احتفاظ وتخزين الحزب للأسلحة والصواريخ التي تُجبره في النهاية على تغيير أماكنها، لكن الغاية النهائية هي إشعار الخصم بأن أجهزة الأمن الإسرائيلية على معرفة بكل ما يدور حولها ولديها القدرة على الوصول لأدق التفاصيل أياً كانت.

ثالثاً: خلق شرعية لدولة إسرائيل و”شيطنة” ونزع الشرعية عن الخصم أمام المنظومة الدولية؛ فالكشف عن المعلومات الاستخباراتية المُحدّدة وفي الوقت المُناسب من شأنه التأثير على صورة الخصم والتأثير على المنظومة الدولية لصالح إسرائيل ومصالحها، وهو الأمر الذي كان واضحاً بشدّة في مشهد الكشف الإسرائيلي عن مواد استولى عليها جهاز الموساد من الأرشيف النووي الإيراني عشيّة قرار الرئيس الأميركي الحالي ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووي، وهناك العديد من التجارب أيضاً مع حزب الله في هذا الشأن. وهذا الأمر ليس حكراً على إسرائيل وأجهزتها الاستخباراتية، فإسرائيل ليست الوحيدة التي تحاول التأثير على الرأي العام العالمي من خلال الكشف عمّا لديها من معلومات، ففي شهر أيار الماضي وفي خِضَم أزمة كورونا، سُرّب إلى الإعلام الأسترالي تقرير للتحالف الاستخباراتي (Five Eyes) المكوّن من الولايات المتحدة، بريطانيا، كندا، أستراليا ونيوزلندا اتُّهِمَت فيه الصين بإخفاء أدلّة وشهادات بشكل مُتعمّد حول تفشّي فيروس كورونا بل والتخلّص منها.

رابعاً: حقّ الجمهور في المعرفة والحصول على المعلومات؛ فعلى الرغم من السريّة الواجب اتّباعها في هذا الشأن، إلّا أن الكشف عن المعلومات الاستخباراتية وتقييماتها وبعض تقاريرها بطريقة منهجية ومدروسة وفي الوقت المُناسب قد يكون مُفيداً للديمقراطية؛ فمن خلال ذلك فقط يُمكن للجمهور ووسائل الإعلام وأعضاء الكنيست مُراقبة سياسات الحكومة في هذا المجال والتأثير فيها. وعلى الرغم من هذه الفائدة، إلّا أن مسألة الكشف عن المعلومات الاستخباراتية ليست بالأمر الهيّن، فعلى الرغم من أن السريّة لا تتماشى مع مبدأ المسؤولية والشفافية في الديمقراطية، إلّا أن الإفشاء والإفصاح يتعارض كلياً مع العمل الاستخباراتي الفعّال والناجح كما يُفسّر ذلك باحث المُخابرات الأميركية هاري رنسوم. ومن هنا يأتي الكشف الإسرائيلي في بعض الأحيان عن المعلومات الاستخباراتية بشكل منهجي ومدروس؛ أي بعد قيام أفراد المنظومة الأمنية والاستخباراتية بتصفية واختيار المعلومات والتقييمات مُسبقاً لمشاركتها فيما بعد مع المُراسلين والمُعلّقين الأمنيين، بعكس ما يحدث في بعض البلدان الأخرى التي تُنشر فيها بعض التقييمات والتقارير الاستخباراتية بصورة مكتوبة يُمكن الوصول إليها بسهولة.

مخاطر الكشف عن المعلومات الاستخباراتية

بعد سنوات من اتّباع إسرائيل لسياسة الاستخدام العلني المُحدّد للأسرار، وبعد استعراض الفوائد والفرص الكامنة في هذه السياسة، تتطرّق الدراسة إلى المخاطر والتكاليف الكامنة فيها وهي على النحو التالي:

أولاً: إلى جانب الضرر الأكبر المُتمثّل في إلحاق الأذى بالمصادر الاستخباراتية وتلك المُجنّدة للقيام بجمع المعلومات، يُسهم الكشف في الحدّ من القدرة على تجنيد مصادر جديدة خوفاً من الأثمان التي قد تُدفع والمخاطر المُترتبة على ذلك بالنسبة لهذه المصادر.

ثانياً: إن مُجاهرة مسؤولين في المستويين الأمني والعسكري ببعض المعلومات والنشاطات التي تقوم بها أجهزة الاستخبارات وتناول وسائل الإعلام الإسرائيلية لبعض المعلومات حول هذه النشاطات في الفترة الأخيرة من شأنه تقليل مساحة الإنكار والتنصّل الإسرائيلي من المسؤولية عن هذه المعلومات أو الأحداث، على عكس المساحة التي كانت تتمتّع بها في السابق؛ حيث جرت العادة على التسريب لوسائل الإعلام العربية أو الغربية وهو الأمر الذي يُتيح الفرصة للتهرّب من المسؤولية كون هذه المعلومات لم تصدر عن مصادر إسرائيلية بشكل مباشر ولم تُنقل على لسان أحد مسؤوليها.

ثالثاً: بدلاً من تحقيق التأثير السياسي- الأمني أو الأمني المرغوب، من المُمكن أن تؤدّي سياسة الكشف عن الأسرار والمعلومات إلى نتائج مُعاكسة؛ فهي قد تُقلّل من مساحة عدم اليقين لدى الخصم الذي بإمكانه التعرّف على ما تمتلكه إسرائيل من معلومات، أو قد يولّد ذلك انتقاداً داخلياً بسبب تجاوز القانون أو استخدام وسائل غير أخلاقية في نظر الجمهور الإسرائيلي لتحقيق أغراض أمنية، لذلك، فالسريّة تضمن تأثيراً أكثر فعالية للحفاظ على الردع والتهديد وعدم تعريض المنظومة الأمنية السريّة للانتقاد والسخرية كما حصل خلال أزمة كورونا مع أجهزة المُخابرات المُختلفة ليس فقط في إسرائيل.

رابعاً: يقود الاستخدام المُتكرّر واللامنهجي للمعلومات الاستخباراتية في المجال العام بهدف التأثير على الرأي العام الإسرائيلي إلى تسييس عمل المنظومة الأمنية؛ فالمستوى السياسي قد يحتاج مزيداً من هذه المعلومات لتحقيق مصالح سياسية ولدعم سياساته التي يُروّج لها، وقد يلجأ كبار موظّفي المستوى الأمني للكشف عن بعض المعلومات لاختبار واستعراض نجاحاتهم أمام الرأي العام، وهو الأمر الذي يترتّب عليه تآكل في مصداقية عمل المنظومة الأمنية والاستخباراتية وهيبتها التي تمنحها قدرة عالية على التأثير في صُنع السياسات واتخاذ القرارات. ومن أبرز الأمثلة على ذلك قيام نتنياهو بالكشف عن مواقع جديدة تُستخدم لأغراض التصنيع النووي في إيران خلال مؤتمر صحافي وقبل أسبوعين فقط من جولة الانتخابات الثانية عام 2019، وهو الأمر الذي يكشف بوضوح عن مدى هشاشة الخط الفاصل بين الاستخدام العلني للمعلومات الاستخباراتية لغايات أمنية ودبلوماسية وبين استخدامها لتحقيق أغراض ومصالح سياسية ضيّقة.

توصيات الباحث

يرى الكاتب أنه حتى وإن اعتقدت الدولة ونُخبتها الأمنية والسياسية أن سياسة الكشف والإفصاح عن المعلومات الاستخباراتية تخدم المصلحة الوطنية في بعض الجوانب، فإن ذلك ينطوي على مخاطر جمّة كما أوضحت الدراسة؛ فالكشف عن هذه المعلومات قد يكون ضارّاً بشكل كبير خصوصاً وأن هذه المخاطر تُلقي الضوء على مخاطر أخرى ثانوية وغير متوقعة، لذلك يُقدّم الكاتب جملة من التوصيات التي يرى ضرورة الأخذ بها من قِبَل المستويين السياسي والأمني فيما يتعلّق بسياستهم الجديدة موضوع هذه الدراسة:

– الحفاظ على الضوابط والتوازنات داخل الجيش والأجهزة الأمنية وفيما بينهما؛ وفي هذا الإطار هناك ضرورة للفصل بين الجهات العسكرية والأمنية المسؤولة عن تحقيق الردع والتأثير على الوعي واختراقه من خلال إصدار المعلومات، وبين تلك المسؤولة عن تجنيد المصادر وتأمينها وتقدير المخاطر التي قد تُحيط بها نتيجةً للكشف عن بعض المعلومات السريّة.

– إخضاع نشر المعلومات ذات الصلة بالأمن القومي بشكلٍ عام، والمعلومات الاستخباراتية الدقيقة بشكلٍ خاص، لآلية بيروقراطية تسمح بتعدّد الآراء وإبداء التحفّظات من قِبل الجهات المُشاركة في عملية النشر كافّة، بحيث يُصبح النشر منهجيا ومدروسا وذا جدوى ولا يُلحق الأذى بالمصادر الاستخباراتية وعمل الأجهزة الأمنية بشكلٍ عام.

– تطوير نماذج لتقدير الأضرار والخسائر المُترتّبة على النشر والإفصاح عن المعلومات الاستخباراتية على المدى القصير والبعيد، بحيث لا يُلحق الأذى بالمصادر والطرق التي تعتمد عليها أجهزة الاستخبارات للحصول على معلوماتها وبشكل يُوجّه أنظار الخصم واستخباراته المُضادّة أو الوقائية نحو مصادر وقنوات وهمية بعيدة كلّ البعد عن المصادر والقنوات الحقيقية بهدف الحفاظ عليها.

– تدريب الضُبّاط وكبار المسؤولين في أجهزة المخابرات على التعامل بشكل منهجي وموضوعي مع وسائل الإعلام وبما يخدم المصلحة الأمنية العُليا؛ بحيث يمتلك هؤلاء المهارات اللازمة للإفصاح والإخفاء حسب اعتبارات التوقيت والفرصة المُناسبة بما في ذلك حسابات التكاليف والمُخاطر المُترتّبة على ذلك.

– تشجيع الحكومة وأجسام المنظومة الأمنية بشكلٍ عام على طرح تقديراتهم بصورة موسّعة أمام الرأي العام؛ بحيث تكون هذه المعلومات شاملة ومنطقية قدر الإمكان، على أن يكون السؤال المركزي المطروح في هذه العملية هو: ما هي المعلومات التي تحتاج لتصنيف وحماية؟، وليست المعلومات المسموح نشرها والإفصاح عنها، على غرار نظام الرقابة العسكرية القائم واستجابةً للحكم الصادر عن المحكمة العليا العام 1988 والذي يقضي بأن حرية التعبير تتراجع وتُلغى لصالح أمن الدولة في القضايا التي تمسّ أمن الدولة بشكل مباشر ومُؤكّد، وبهذه الطريقة يخضع النقاش العام للمعرفة ويكون موضوعياً قدر الإمكان بعيداً عن التلاعب من قِبل أصحاب المصالح والمطامع السياسية.

يختتم الكاتب الدراسة بالدعوة إلى محاولة التوفيق بين سياسة الإفصاح والكشف عن المعلومات الاستخباراتية وسياسة الغموض والسرية؛ حيث بالإمكان في عصر المعلومات وشبكات التواصل، والأخبار المزيفة التي تواجه الحقيقة، تحقيق المصالح السياسية والأمنية وتعزيز أُسس الديمقراطية وهو الأمر الذي يُمكن لدولة مثل إسرائيل النجاح في تحقيقه لطالما تُحارب يومياً على عدّة جبهات من أجل أمنها ومصداقيتها. وفيما يتعلّق بالمعلومات الاستخباراتية فمن الأفضل دوماً الكشف عن أشياء وإخفاء أشياء أُخرى.

حاول الباحث من خلال محاور الدراسة المُختلفة إبراز القدرات الخارقة التي تتمتّع بها الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الإسرائيلية؛ فهي بحسب الدراسة، قادرة على الوصول لأي مكان واختراق خصومها وأعدائها بسهولة، وهو النهج نفسه الذي يغلُب على التيار المركزي في المجال البحثي والأكاديمي الإسرائيلي المُجنّد بشكل طوعي لخدمة المشروع الصهيوني ودولة إسرائيل كأحد أدوات تحقيقها، ويظهر هذا التجنّد بشكل جليّ أيضاً من خلال محاولات البحث الدائمة عن صيغ توفيقية بين قيم الديمقراطية والليبرالية الغربية والحالة الإسرائيلية في محاولة لتأطير الأخيرة ضمن المشروع الليبرالي الغربي الذي ترى إسرائيل في نفسها استمراراً له، وهي المهمّة التي تتطلّب من الباحثين في إسرائيل وحدها لربّما تجاوزاً لكل القيم والمبادئ الديمقراطية واستبعادا كلّيا للسياسات والمُمارسات التي تتناقض في شكلها ومضمونها مع هذه القيم والمبادئ التي يتم التنظير لها في دولة أُقيمت على أساس لا يُمكن له أن يكون أخلاقيا أو ديمقراطيا لصالح قضايا الأمن الإسرائيلي “المُقدّس” في الوعي واللاوعي الإسرائيلي-الصهيوني. وتأتي أيضاً في إطار المسعى المُستمر للحفاظ على المصالح الأمنية العُليا عبر انتقاد المُمارسات التي قد تُلحق الضرر بهذه المصالح لا انتقاد البُنية وأساساتها، وهو ما يظهر بوضوح في محاور الدراسة المُختلفة.

عن علي محمد

مدير التحرير