الأحد , 1 نوفمبر 2020
مجلة فتح
الرئيسية 10 ثقافة وفنون 10 شجون فلسطينية: عبد الكريم الكرمي أبو سلمى.. سنديانة الشعر وروح القضية
شجون فلسطينية: عبد الكريم الكرمي أبو سلمى.. سنديانة الشعر وروح القضية

شجون فلسطينية: عبد الكريم الكرمي أبو سلمى.. سنديانة الشعر وروح القضية

أحمد علي هلال

(مجلة فتح العدد -738)

في استذكار مبدعينا الأوائل الذين أسسوا للذاكرة الفلسطينية المقاومة، وظلوا شهودها العظام، يصبح الذهاب إلى سياقاتهم التاريخية والفكرية، ذهاب إلى تحولات القضية الفلسطينية والتي يتصادى بها الإبداع ومنه الشعر حارس الحلم والقابض على مفاتيح العودة، والناهض أبداً بأسئلة الوطن وحضورات القضية القلسطينية، فشاعر فلسطين الأول عبد الكريم الكرمي أبو سلمى، ومنذ مطلع القرن العشرين المحامي والمثقف هو السنديانة التي استظلت بها أجيال مديدة من الشعراء، ومنهم إبراهيم طوقان رفيق دربه، كما توفيق زياد وسميح القاسم ومحمود درويش وراشد حسين، إذ أن زمن أبو سلمى الآخر/ الزمن الشعري هو الذي أخذنا إلى مآثر قصائده الكبرى لا سيما إبان الثورة الفلسطينية عام 35 و 36 ليصدح بصوته الجهوري منافحاً عن فلسطين التي أحبها ورأى أن الذود عن حياضها عشق لا عشق بعده: يا فلسطين لا أحلى ولا أطهر/ كلما قاتلنا من أجلك أحببناك أكثر، ليذهب الشعر إلى تمجيد البطولة وتمجيد الشعب المقاوم للانتداب والاحتلال: سيروا على وضح النهار/ فالحق من نور ونار/ يا أيها الشعب النبيل/ آمنت من شر العثار/ قرر مصيرك/ أنت لا من يبصمون على القرار، وهكذا نقرأ تلك التحولات الدالة في مسيرة القضية الفلسطينية، تلك التي حايثها أبو سلمى بقصائده الشعرية الحماسية، ونبرته الخطابية العالية المتوقدة العاطفة والمشتعلة الإيقاع: يا فلسطين وكيف الملتقى/ هل أرى بعد النوى أقدس تربٍ/ كفكفي الدمع وسر في أفق حافل بالأمل الضاحك رحب. والعين على دمشق التي أحبها دمشق توأم القدس: ولي في غوطتيك هوى قديم/ تغلغل في أمان العذاب/ درجت على ثراك/ وملئ نفسي عبير الخالدين من التراب.

يمشي الشاعر على الجمر مقاوماً ممتلئاً بعروبته وفلسطينيته، ونشيد هويته مستشرفاً العودة، وتلك ريشته التي يغمسها من دماء الشهداء، وذلك بركان ثورتها الذي أشعل منه قنديله، إذ يتلاقى التاريخ والجغرافيا في قصائده ولتصبح تلك القصائد مدونات الروح الطليقة زمن الاحتلال ومؤسساً لثقافة المقاومة وهو الذي غنى ملامح كفاحها وجمل جهاد أهلها مبشراً بالعودة إلى فلسطين,

فمسيرة الشاعر عبد الكريم الكرمي أبو سلمى، ما تنفك على أن تكون تجسيداً لفكر المقاومة بالكلمة والوعي الحارس والرؤية المستشرفة لوقائع القضية، كما تأسيسه للقصيدة الوطنية الملتزمة بقضية شعبه وأمته، جذع راسخ ولدت بين أغصانه أجيال الشعراء الملتزمين، ليكون مدرستهم بحق، والملهم لشعريتهم أبداً، طائراً غرداً حمل فلسطين لسماوات الشعر والحياة، في الاسم تتماهى فلسطين، أبي سلمى وفلسطين جدلية لا تنفك أبداً فكلاهما صورة القضية في مساراتها الشائكة وانعطافاتها الحادة، فهما يكتملان حينما نذهب إلى أبجدية الشعر المقاوم المؤسس على أصالة الانتماء وجذور الهوية، واستعادة زمن الكفاح المسلح الذي تستقيم له الكلمة المسلحة والوعي المسلح، فأبو سلمى هو المثقف المشتبك، وهو خط الدفاع الأول عن ثوابت قضيته، فالكلمة صنو الطلقة، لكنها طلقة الوعي في الأزمنة المختلفة، أزمنة الكلمة المقاومة والمؤسسة والتي تجهر بالحق والمنحازة للشهيد وليس لمن تخاذلوا وفرطوا: أشر على لهب القصيد/ شكوى العبيد إلى العبيد/ سحقاً لمن لا يعرفون سوى التعلل بالوعود.

هو المرافع عن أعدل قضية عرفتها الإنسانية، هي قضية الحق والعدل وفي آفاقها استشرف الشاعر العودة وظل ممسكاً على مفاتيحها عبر ما دونه ذاكرة لأجيال فلسطين، ولتاريخها الجديد، نقرأ تاريخنا وملاحمنا عبر ما استبقاه الشعراء والمبدعون الكبار، لتبقى فلسطين حاضرة على الدوام ومتجددة في الوعي، فلسطين الأبقى قضية لا تموت.

عن علي محمد

مدير التحرير