الأحد , 1 نوفمبر 2020
مجلة فتح
الرئيسية 10 شؤون دولية 10 استقالة السراج وغموض بشأن مستقبل تركيا في ليبيا
استقالة السراج وغموض بشأن مستقبل تركيا في ليبيا

استقالة السراج وغموض بشأن مستقبل تركيا في ليبيا

أعلنت مجموعة “بلومبيرغ ميديا” ​​قبل أيام، عن إمكانية الإعلان عن استقالة رئيس وزراء حكومة الوفاق الوطني الليبي فائز السراج، وفي النهاية تحقق هذا الأمر وأعلن السراج في مقابلة إعلامية أنه سيترك السلطة قريباً، من الواضح الآن أن السراج لم يعد قادراً على تحمل الاحتجاجات الشعبية في غرب ليبيا وضغوط الجهات الأجنبية، ومع إعلان مسؤولي شرق ليبيا استقالتهم، سيتنحى السراج من السلطة ايضاً، وستتولى السلطة بعد الانتخابات بفترة وجيزة جهة جديدة.

ويمكن القول بثقة، إن تركيا هي الدولة الأكثر تضرراً من استقالة السراج، ولا يتردد رجب طيب أردوغان زعيم حزب العدالة والتنمية ورئيس تركيا في التعبير عن أسفه لذلك، لأنه في الأشهر الأخيرة كان أهم داعم إقليمي لحكومة الوفاق الوطني الليبي، ورغم المخاطر والقيود التي فرضها فيروس كورونا، فقد استضاف أردوغان في العديد من المرات فائز السراج وزوجته في اسطنبول وأنقرة، وتظهر طبيعة تصريحات أردوغان وإشارته إلى أهمية لقائه برئيس الوزراء الليبي قبل أسبوع أن فائز السراج تصرّف بشكل مستقلّ في اتخاذ هذا القرار ولم يبلغ أصدقاءه الأتراك بذلك.

من التعاون الأمني ​​إلى الطاقة والاقتصاد

لقد أرسل أردوغان فريقه الرئيس مراراً وتكراراً إلى طرابلس ليبين أنه يعول بشكل كبير على حكومة الإخوان المسلمين الليبية، وسافر فريق أردوغان، المكون من هاكان فيدان، رئيس جهاز استخبارات معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا ، وإبراهيم كولين ، المتحدث والمستشار الرئاسي ، ووزير الخارجية مولود جاوش أوغلو ، ومسؤول الإعلام في رئاسة الجمهورية فخر الدين ألتون ، ووزير الدفاع خلوصي أكار ، إلى ليبيا عدة مرات ، وبمبادرة من الجيش التركي، يتم حاليا في طرابلس ، تدريب مجموعة جديدة من ضباط الجيش الليبي وضباط الأمن من قبل مؤسسة تعليمية تابعة للجيش التركي.

ولا يخفى على أحد أن تركيا أرسلت العشرات من المعارضين السوريين العرب والتركمان إلى ليبيا في الأشهر الأخيرة لمواجهة تقدم المجاميع التي يقودها اللواء خليفة حفتر.

في غضون ذلك ، قُتل بعض مسؤولي المخابرات في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وعدد من العسكريين الأتراك في ليبيا خلال المهمة ، ومن المحتمل أن أكثر من خمس طائرات تركية دون طيار قد تحطمت في هذه الدولة الإفريقية. كما أبحرت سفينة حربية تركية قبالة سواحل ليبيا ، لتكون على شفا الصدام المسلح مع سفينة حربية فرنسية. لذلك ، ليبيا ليست مكاناً تريد تركيا مغادرته بسهولة.

لكن بالنسبة لتركيا، ليبيا ليست مجرد ساحة صراع وساحة عمل أمني واستخباراتي، بل هي مساحة مناسبة للعمل والنشاط الاقتصادي لشركات البناء والاقتصاد الكبيرة في القطاع الخاص.

وعلى الرغم من أن عشرات الآلاف من العمال الأتراك قد سافروا في العقود الأخيرة إلى ليبيا للعمل في المنشآت النفطية وعادوا إلى ديارهم بأيدٍ مثمرة، فقد تغيرت بيئة العمل والنشاط الاقتصادي الآن وتأمل حكومة أردوغان السيطرة على القطاع العمراني ومشاريع التنمية الليبية الى حد كبير

ودخلت شركات القطاع الخاص التركية الكبيرة في العمل في حقول النفط والغاز إلى الكهرباء وإنشاء الطرق والمياه وغيرها من المجالات في ليبيا، وفيما اذا شهدت ليبيا استقراراً وهدوءاً نسبياً، سيجني الناشطون الاقتصاديون الأتراك أرباحاً تقدر بملايين الدولارات، لكن الآن مع استقالة السراج، سيكون من غير الواضح بالضبط مصير الشركات التركية في ليبيا.

اتفاق مهم واستقالة مقلقة

في عام 2019 ، وقعت تركيا على اتفاقية أمنية بحرية مع حكومة الوفاق الوطني الليبية، ما تسبب في صدمة سياسية دبلوماسية خطيرة لأجزاء من إفريقيا وشرق البحر المتوسط. ويعتقد المحللون السياسيون أن تركيا كانت حتى الآن مترددة في الدفاع عن حقوقها ومصالحها في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​، وبالتالي فإن الاتفاق مع ليبيا هو وثيقة قيمة ويمكن الدفاع عنه.

كان المبادر الرئيس للاتفاق البحري مع ليبيا هو أميرال مخضرم ومحامي يدعى جاهيد يايجي ، وبناءً على دراساته وخبراته في تحليل الجغرافيا السياسية للبحار والسواحل، استطاع يايج إقناع فريق أردوغان لتوقيع اتفاق مع ليبيا. بالطبع ، لم يتلق الأدميرال يايجي مكافأة لعمله العبقري هذا وتمت إقالته لاحقًا دون أي تفسير.

لكن في مقابلة تفصيلية مع الصحفي التركي المعروف جنيد أزدمير قال يايجي: “الاتفاق مع ليبيا مهم وتاريخي للغاية، ويجب أن نفكر أيضاً في الاتفاق مع مصر. أنا لست منزعجاً من الحكومة، نحن أبناء هذه الحكومة. لقد نضجنا فيها ، واُرسلنا إلى كلية الضباط وإلى أمريكا وأماكن أخرى. ووفرت لنا الفرصة للتعلم وتقديم الخدمة. أنا لست منزعجاً وما زلت أعمل وأدرس في معهد للبحوث البحرية في إحدى الجامعات”. واضاف “أعتقد أننا يجب أن نوقع اتفاقية بحرية مع مصر في أقرب وقت ممكن ولا ندفع ثمن المطالب اليونانية”.

على أي حال، ما هو مهم بالنسبة لتركيا في الوقت الراهن هو الحفاظ على الاتفاق الذي تم التوصل إليه بصعوبة مع ليبيا. ووفق معادلات القانون الدولي، تم توقيع الاتفاقية المذكورة بين حكومتين رسميتين، وبما أن حكومة السراج معترف بها أيضاً من قبل الأمم المتحدة، فإن الاتفاق لن يبطل مع تنحي السراج.

لكن الحقيقة هي أنه في بلد غير مستقر وغير هادئ، وفي ظل الظروف التي تشهد إمكانية أن يكتسب الجانب المناهض لتركيا، أي قوات الجنرال حفتر، المزيد من القوة بدعم من روسيا ومصر وفرنسا وآخرين، يمكن أن يبقى الاتفاق قائماً من تلقاء نفسه دون المساس به، لكن لن يكون له ضمان تنفيذي، وإذا وصلت حكومة مناهضة لتركيا إلى السلطة في ليبيا، فلن تفي بالتزاماتها تجاه أنقرة.

وهذا أمر انتقده بعض الخبراء داخل تركيا، إذ قال اللواء المتقاعد أحمد يافوز لصحيفة “الجمهورية في هذا الصدد: “منذ البداية، لم يكن ينبغي لسياستنا بشأن ليبيا أن تقوم على أساس بقاء أو عدم بقاء فائز السراج، التمحور حول السراج في ملف التقدم في ليبيا كان خطأ، وكان علينا التواصل مع مجموعات أخرى أيضاً”.

من ناحية أخرى، قال أولوتش اوز أولكر، السفير التركي السابق والدبلوماسي: “من المهم جداً تحديد الدولة التي نرغب في التعامل معها فيما يخص القضايا الإقليمية وكيفية التعاون، ما أراه هو أن تعاون تركيا مع دولة ضعيفة مثل قطر لا يمكن أن يكون مثمراً”، وأضاف “في ليبيا كنا نعتمد فقط على تعاون قطر”.

كما أعرب أردوغان عن أسفه وتأثره لقرار فائز السراج، مشيراً إلى أنه سيرسل قريباً فريقه إلى ليبيا لإجراء محادثات، ومن المرجّح أن يحاول فريق أردوغان، في المقام الأول، ثني السراج عن الاستقالة، أو اختيار آلية يتم من خلالها انتخاب المجلس الانتقالي بطريقة يتم وضع الأمور في النهاية في طريق يضمن مصالح تركيا، على أي حال، يجب أن نقبل حقيقة أن التطورات الآن في ليبيا لا تسير في مصلحة تركيا، وأن البلاد تواجه مهمة صعبة للحفاظ على الاتفاقية الأمنية البحرية مع الحكومة الليبية المستقبلية.

عن علي محمد

مدير التحرير