الإثنين , 21 سبتمبر 2020
مجلة فتح
الرئيسية 10 ثقافة وفنون 10 شجون فلسطينية: ناجي العلي.. فلسطين خطي الأحمر
شجون فلسطينية: ناجي العلي.. فلسطين خطي الأحمر

شجون فلسطينية: ناجي العلي.. فلسطين خطي الأحمر

أحمد علي هلال

( مجلة فتح العدد – 737 )

استعادة ناجي العلي/ العلامة ليست التشكيلية فحسب، بل العلامة الفارقة كفاحاً وممانعة ومواقف باذخة، هذا الرائي العابر كل أزمنته الباقي وشماً في الروح وتميمة لأزمنة لا تشبه إلا ذاتها، ظل هناك حيث كانت لوحة استشهاده الأخيرة التي قالت ما وشى به حنظلة في كل المساءات الفلسطينية النازفة حبراً ودماً.

ناجي المترع بالغضب المقدس وبالأحزان النبيلة وبشرف المواقف ظل وما يزال حقيقة مكتفية أمام مفارقات واقعنا ومستقبلنا وحاضرنا، كان المعادل لريشته وأحباره السوداء ما بثه خطاب جرأته وتفردها ليحاكي ذلك الواقع بوعي طليق، يليق بصاحب طلقات الوعي لوحات تراكمت عبر الزمن، مشهديات لضمير الحكايات الفلسطينية الموزعة في الأرض كجرح مفتوح، وكتمائم ظلت تلك الأعمال مدونة قضية في  تحولاتها ومآلاتها وصيروراتها، مدونة خصيبة مازالت الأيام تداولها فهي الآتية من المستقبل وليس من ماض بعينه، تماماً كما هو الآتي من المستقبل رمحاً وسارية ونشيداً، تتسع له المقامات ليبثنا مع كل خفقة قلب وبزوغ شمس بالحقيقة وكم هي دامية حدَّ الفضيحة، حدَّ جرأة غير مسبوقة صار اسمه امتيازاً لها ليأتي قتلته في الصباحات الباردة ويُشبّه لهم أنهم قتلوه..

 ولم يعد السؤال هنا من قتل ناجي العلي؟ تماماً كما كان سؤال غسان كنفاني ذات زمن كعنوان لإحدى أعماله الخالدة من قتل ليلى الحائك؟.

ذاكرة على اتساعها وبما يضايفها من فتنة الخط واقتحام الصور وعراء الحقيقة، كان اسم ناجي العلي يتشكل من تلك الأقانيم ليدل على قاتليه الطليقون، أولئك الذين توهموا أنهم أطلقوا الرصاص على نهار فلسطيني عالٍ وعلى عصفور لا شأن له سوى نقر السياج/ سياج الملح والشوك، ليتم تغريدته قيامةً للأرواح  والإرادات وبعثاً للوعي.

ناجي العلي حارس حقيقة لا تُستنفد من يومياتنا الفلسطينية والعربية، بجسارة مقاتل وفدائي اقتحم كل ذلك القبح وليرسم وطناً مبرأً من الغزاة والفاسدين والعملاء والمتخاذلين، وظلت وصيته الأخيرة دمه/ الطريق لمن يجترحون في أزمنتهم معجزة البقاء، معجزة الصمود وجعل فلسطين اسماً لا يتكرر كما هي شخوصه الأكثر امتلاءً باللحم والدم، كما هي خطوطه التي ظلت مآثر كل الأزمنة القادمة، ظل ابن المخيم طفل الخريطة، التي يعيد اتساقها كلما انكسرت، فمن أطلق النار على خيل راكضة كالصهيل في أوردة الأرض والكلمات والرسومات العارية، فقد أطلق النار على قلب القضية لكنه لم يصبها بمقتل تماماً شُبّه له أنه أجهز عليها.

 كان جسد ناجي العلي يذهب عميقاً في الأرض ليصبح خصب ينابيعها ونسغ أشجارها الواقفة أبداً في مهرجان النار، وظلت روحه تطارد القتلة وتخرج لهم من فج عميق، تخرج لهم من وسائدهم لتقض مضاجعهم كوابيس كثيفة، ناجي العلي الذي خرج لاحتمالات النهار، كان أحمد العربي في الزمن الجديد زمن استعادته كحقيقته العارية ورصاصات وعيه التي أصابت قتلته ونثرت رمادهم في صحارى العطش، فمن يجرؤ على الاسم والعنوان، ومن يجرؤ على قضية ساكنة في الوجد والوجدان والإرث والتاريخ والجغرافيا، هكذا كانت مأثرة ناجي العلي الذي احتفظ بزمنه كاملاً، زمن مبرأ من الرمادي والموارب ومن الصمت، زمن لا صمت فيه أمام فلسطين الوعي والهوية وجسارة الانتماء، لينفتح المشهد الكلي على شهيد حي ومازال حياً، يعود مساءً لمرسمه ليخبر الأحياء بما يرى وما سيحدث غداً فيما يذهب الموت جانباً لينسى مهنته القديمة.

لم يكتب ناجي العلي وصيته الأخير بل تركها في كل رعشة حبر ودهشة لون وجرأة حقيقة، لتخبر الأحياء بمعنى الجسارة… كونوا أحياء لكن بحقيقتكم الفلسطينية المكتفية، لأن فلسطين هي أنتم.

عن علي محمد

مدير التحرير

اضف رد