الإثنين , 23 نوفمبر 2020
مجلة فتح
الرئيسية 10 ثقافة وفنون 10 في مواجهة التطبيع الثقافي ومخاطره فلسطين خط أحمر كُتب بالدم وحُفظ بالدم
في مواجهة التطبيع الثقافي ومخاطره فلسطين  خط أحمر كُتب بالدم وحُفظ بالدم

في مواجهة التطبيع الثقافي ومخاطره فلسطين خط أحمر كُتب بالدم وحُفظ بالدم

أحمد علي هلال

( مجلة فتح العدد – 737 )

لم يعد سؤال التطبيع مع العدو الصهيوني وإعلان براءته الكاملة من دمنا سؤالاً نافلاً، بل ان الوقائع التي تجري على الأرض وبإرهاصات كثيفة مازالت تستحضر التطبيع مع العدو بوصفه سياقاً طويلاً ومديداً، لا مفاجأة فيه أو ما يحمل على الدهشة بقدر ما يحمل على الألم بالطعنات في الخاصرة الفلسطينية، كل ذلك جرى ويجري متوسلاً كي الوعي وقلب الحقائق، سواء ما ذهب إليه سياسيون ورسميون عرب وسواهم أو مثقفون بالمقابل لم تكن كلمتهم صليبهم ولم تكن لغتهم دمهم، تاريخ لا يستهان به بوقائع دالة خرجت روائحها النتنة على الملأ وآخرها وليس أخيراً ما فعلته مشيخة الإمارات العربية المتحدة، في عزمها بالتوقيع بالأحرف الأولى على (إعلان مبادئ وخطة طريق) لما سمي زوراً وبهتاناً (سلاماً) ورأينا كيف توسلت نماذج المثقفين المنبطحين تلك المصالحة (التاريخية) مع الغازي، وكيف بددوا هوياتهم الوطنية والقومية، لكن بالمقابل ثمة أصوات صارخة في البرية من مثقفين عضويين ومؤسسات أهلية ورجالات قلم أحرار، لم يفتهم على الاطلاق أن ما جرى ويجري هو فصل كثيف من فصول المؤامرة على الشعب الفلسطيني وقضيته المركزية فلسطين، انحيازاً لعدالة قضيتها وانحيازاً أكثر إلى الجهر بالقول إن فلسطين هي خط أحمر.

فما هي دلالات انسحاب مثقفين عرب كبار من جوائز ثقافية ومنهم على سبيل المثال وليس الحصر، الشاعر الفلسطيني أحمد أبو سليم الذي سحب روايته من التنافس على الجائزة العالمية للرواية العربية، المعروفة في الأوساط العربية باسم (بوكر العربية)، والروائي المغربي أبو يوسف طه انسحابه من التنافس على جائزة الشيخ زايد، وما أعلنه الكاتب والشاعر المغربي محمد بنيس عن انسحابه من عضوية الهيئة العلمية لجائزة الشيخ زايد للكتاب، كذلك الروائية الأردنية كفى الزعبي التي اتخذت موقفاً جرئياً برفضها ترشيح روايتها الجديدة التي ستصدر قريباً للبوكر، كما هو إعلان الناقد والمترجم السوري ناصر ونوس عن ايقاف تعاونه مع جميع المؤسسات الثقافية والإعلامية الإماراتية احتجاجاً على اتفاق التطبيع، والجدير بالذكر أن ونوس عمل في مشروع كلمة للترجمة في أبو ظبي والذي صدر له كتابان هما صناعة الأفلام الوثائقية، والاخراج السينمائي جمالياته وتقنياته، فضلاً عن إعلان الناقد المغربي يحيى بن الوليد سحب كتابه المثقفون العرب من الجائزة نفسها، لكن اللافت في ما أعلنته الكاتبة الاماراتية ظبية خميس على حسابها الشخصي بالقول: «لا أفهم معنى التسامح والسلام مع الكيان الصهيوني المحتل للأرض العربية»،  وما أعلنته الكاتبة المغربية الزهرة رميج التي سحبت ترشيحها لروايتها (قاعة الانتظار) للجائزة ذاتها، وما أعلنه الروائي العربي صبحي فحماوي من أن أية جائزة خليجية لا تليق بالرواية العربية، فضلاً عما أعلنه الشاعر العراقي هاشم شفيق عن سحبه الترشيح لجائزة سلطان العويس، وما أعلنه مثقفو العراق ونخبه إلى إنشاء محور ثقافي للتنديد بالتطبيع (الإماراتي-الإسرائيلي)، وتأكيدهم على الالتزام بالقضية الفلسطينية العادلة، ودعوتهم للقوى العربية الفاعلة من مثقفين وأكاديميين وأحزاب واتحادات مهنية ومنظمات وحركات طليعية إلى تحمل مسؤوليتها التاريخية في الإعلان عن رفض الاتفاقية ونشر الوعي، وهذا المحور الثقافي يستمد قوته من عدالة القضية، هذا فضلاً عما أعلنه مثقفون عمانيون عن «رفضهم القاطع لكل أشكال التطبيع التي تمارسها الأنظمة العربية الحاكمة مع الكيان الصهيوني»، وتأتي صيغة البيان واضحة جلية لتقول: «إن أبناء عمان من كتاب وأدباء ومثقفين وصحافيين ومهنيين، من أجيال مختلفة وأطياف متنوعة يرفضون رفضاً قاطعاً فصلهم عن قضيتهم المركزية القضية المركزية»، ومن أبرز الموقعين على البيان على سبيل المثال الأديب والسينمائي عبد الله حبيب، والشعراء صالح العامري وإبراهيم سعيد، والناشطة الحقوقية حبيبة الهنائي، والباحثون سعيد سلطان الهاشمي محمد العجمي، والمسرحيان مالك المسلماني وهلال البادي، والإعلاميون زاهر المحروقي وسمية اليعقوبي، حينما أكدوا بيانهم بالقول: «نشهد بأننا لا نعرف إلا فلسطين واحدة، عاصمتها القدس الشريف، شعبها سواء ذلك الذي مازال متشبثاً بالبقاء على أرضه التاريخية، أو ذلك الذي أجبرته الهزائم والخذلانات على الشتات والمنافي، هو السيد الوحيد وهو صاحب الحق الأوحد في تقرير مصيره بالدفاع عن وجوده ومقاومة كل أشكال النهب والتقسيم والمتاجرة بقضيته العادلة، هو الجدير باختيار من يمثله ويمثل آماله وتطلعاته في الداخل والخارج».

إلى جانب ما أعلنه بيان اتحاد الكتاب العرب في دمشق، من إدانته لهذا «التسابق المقيت لسياسات بعض الأنظمة العربية من أجل التطبيع مع العدو الصهيوني من دون سبب أو علة سوى كسب الرضا الأمريكي الذي يريد وعبر رؤاه الاستراتيجية أن يجعل الكيانية الصهيونية المستجلبة كيانية طبيعية في المنطقة العربية».

هذا إلى جانب ما أكده رجالات دين ومنهم الأب مانويل مسلم عضو الهيئة الإسلامية المسيحية لنصرة المقدسات وراعي كنيسة اللاتين في غزة سابقاً، بأنه يجب على القدس أن تتقيأ المطبعين وتلقيهم في المزابل.

ما تمثله مواقف المثقفين الشرفاء وهم كثيرون ستتصاعد في قادم الأيام لأنهم يمثلون ضمير القضية الوطنية، فهم راية الاستنهاض لمشروع التنوير الذي غُيب أو غاب، ما يطرح في هذا السياق سؤال الثقافة الجدير باسمها من أن تكون حاملةً لأعدل قضية في العالم، سؤال سوف تطرحه النخب الثقافية العربية كما سيُطرح عليها حول حقيقة دور المثقف وماهيته في الزمان العربي الرديء، لأن فلسطين ستبقى راية الاستنهاض والنهوض العربي والإنساني والكوني، وهل نعيد إلى الأذهان ما قاله الشاعر المصري أمل دنقل بقصيدته لا تصالح والتي مثلت أكثر من ميثاق شرف للمثقف العربي لا سيما في مواجهة التطبيع الثقافي وهو الأخطر لأنه يهدف إلى كي العقول وأنسنة العدو، في ظل تداعي حوامل الثقافة وربط الثقافة بالمال السياسي، يبقى القول إذا كانت هذه المواقف وما يُنتظر منها الكثير بوصفها مؤشراً على الدور الحقيقي المفقود للمثقف في زمن الأزمات بل في زمن الانبطاح، فإن استعادة الأدوار الطليعية للمثقفين العرب الحقيقيين وبالمعنى العضوي سيكون رصيداً لثقافة وفكر المقاومة يؤسس لثقافة عربية معافاة، تلك مقدماتها وما يُنتظر هو الكثير.

عن علي محمد

مدير التحرير