الإثنين , 28 مايو 2018
مجلة فتح
الرئيسية 10 مقالات 10 اجنبية 10 الاتفاق النووي بين إيران و(5+1) انتصار لفلسطين ومحور المقاومة

الاتفاق النووي بين إيران و(5+1) انتصار لفلسطين ومحور المقاومة

بقلم: ياسر المصري

            مسؤول الإعلام والدراسات

يعتبر اتفاق فيينا بين إيران والدول (5+1) حدث سياسي مفصلي على صعيد الإقليم والعالم، وخاصة لجهة الاستتباعات السياسية والاقتصادية وغيرها من المتغيرات، التي ستنشأ بعد التوقيع على ذلك الاتفاق، من حيث الدور الإقليمي والدولي الذي ستلعبه إيران، والذي سيؤثر بشكل مباشر في صيرورة وأحداث المنطقة، لأنه سوف ينعكس بشكل مباشر على توجهات المرحلة القادمة.

ومن الطبيعي أن تكون القضية الفلسطينية في لب تلك التوجهات الإيرانية لما تحظى به من اهتمام مركزي على كل المستويات السياسية والعقائدية في إيران، منذ عقود خلت، وفي أحلك الظروف وأصعبها بقيت القضية الفلسطينية هي القضية المركزية، ولم تتجاهلها لا في حربها المفروضة عليها بعيد انتصار الثورة الإسلامية مع العراق، ولا في الحصار الدولي الخانق الذي تعرضت له الثورة، ولا في العديد من المؤامرات التي واجهتها إيران، بل بقيت عنواناً أساسياً لكل الحكومات المتعاقبة بإرشاد من الراحل الخميني «قدس» رضوان الله عليه، وبعد ذلك مرشد الثورة الإيرانية سماحة السيد علي الخامنئي «دام ظله».

لقد دامت المفاوضات من أجل الوصول إلى التوقيع على الاتفاق، ما يقارب اثني عشر عاماً، صمدت من خلالها إيران وتمسكت بثوابتها، التي حافظت من خلالها على المصالح الإيرانية الحيوية، وحقوقها في امتلاك الطاقة النووية السلمية وتخصيب اليورانيوم، ومع كل الضغوط التي مارسها الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأميركية والدول الغربية مجتمعة، لم تستطع أن تنال من الموقف الإيراني، لذلك يُعتبر هذا لاتفاق انتصاراً إيرانياً وحدثاً مهماً، سوف يؤسس لمرحلة قادمة لدور إيراني على كل المستويات.

وإذا أردنا أن نتحقق من ذلك الانتصار يجب علينا أن نرى الانزعاج والغضب الصهيوني من أعلى الهرم الصهيوني إلى أدناه، حيث توحدت كل الأقطاب الصهيونية السياسية في موقف واحد رافض لذلك الاتفاق، وقد عبر عن ذلك الرفض أكثر من مسؤول سياسي، وعلى رأسهم رئيس وزراء الكيان الصهيوني «بنيامين نتنياهو» حين قال: «إسرائيل ليست ملزمة بهذا الاتفاق لأن إيران مستمرة في السعي لتدميرنا، وسندافع عن أنفسنا على الدوام»، قال قبيل التوقيع على الاتفاق بفترة قصيرة: «إن اتفاق فيينا سيسمح لإيران بتلقي مئات المليارات من الدولارات ستستخدمها لدعم الإرهاب في أنحاء العالم، ولا يُعقل أن تُقدم الدول الكبيرة تسهيلات لإيران في الوقت الذي تسعى فيه لمحو إسرائيل عن الخارطة».

وفي هذا الإطار جاءت زيارة وزير الدفاع الأميركي أشتون كارتر إلى المنطقة على عجل وتحديداً إلى الكيان الصهيوني وبعض الدول العربية، من أجل تهدئة هذه الأطراف التي تعيش حالة من الرعب والفزع، بُعيد التوقيع على الاتفاق، والطمأنة تأتي من خلال التعويض لهذه الدول بتقديم الدعم العسكري وغيره لكل تلك الأطراف.

*انعكاسات الاتفاق على القضية الفلسطينية

قد يكون من المبكر الحديث عن انعكاسات الاتفاق النووي الإيراني على القضية الفلسطينية أو غيرها من القضايا بشكل مباشر أو ملموس، ولكن هذا لا يمنع أبداً قراءة ذلك الاتفاق من الزاوية الفلسطينية والنظرة إلى كيفية تثمير هذا الحدث التاريخي بما يخدم المصلحة الوطنية الفلسطينية، منطلقين بشكل أساسي من بعض النقاط التالية:-

– إن العلاقة التاريخية بين الشعبين الفلسطيني والإيراني والمواقف السياسية التي وحدت بين الشعبين لجهة الانتصار للحق الفلسطيني والذي مارسته الثورة الإسلامية الإيرانية منذ انتصارها في الأيام الأولى حيث أعلنت أنها إلى جانب الحق الفلسطيني وإن الكيان الصهيوني غدة سرطانية يجب اجتثاثها، فكانت من أوائل الدول التي اعترفت بسفارة دولة فلسطين وطردت السفير الصهيوني.

– في الوقت الذي كان يتم توقيع الاتفاق في فيينا بين إيران والدول« 5+1» كانت الحشود الجماهيرية الإيرانية تهتف «الموت لإسرائيل، الموت لأميركا»، وهذا يدلل على أن إيران تمتلك العقيدة الراسخة بضرورة باجتثاث «إسرائيل»، وأيضاً مازالت تعتبر الولايات المتحدة الأميركية عدواً لشعوب المنطقة، وهذا من المفترض أن ينسجم تماماً مع الرؤية الفلسطينية للصراع مع الكيان الصهيوني والولايات المتحدة.

– كما أن تصريحات المسؤولين الإيرانيين وتحديداً تصريحات السيد علي الخامنئي «دام ظله» حين قال: «سواء تم التصديق على الاتفاق النووي أم لا فإننا لن نتخلى عن دعم أصدقائنا في المنطقة»، وقال أيضاً: «إن طهران لن تغير من سياستها مع الولايات المتحدة المُستكبرة»، وهذا يشير بشكل رئيسي إلى أن العقيدة الإيرانية هي عقيدة راسخة في إدامة الصراع مع الكيان الصهيوني، وستبقى تلك العقيدة داعمة للشعب الفلسطيني في نيله لحقوقه الوطنية.

– إن إيران التي كانت في ظروفها الصعبة تقف دائماً إلى جانب الحق العربي بشكل عام والفلسطيني بشكل خاص، لن تتخلى عن واجباتها في دعم الشعب الفلسطيني، ولن تنسيها نشوة الانتصار التزاماتها التي عهدناها تاريخياً في الثورة الإسلامية الإيرانية، انطلاقاً من الفهم السياسي والفكري للمشروع الصهيوني ومخاطره على المنطقة، وانطلاقاً أيضاً من الرؤية العقائدية تجاه الشعب الفلسطيني المقاوم.

* منطقات الرؤية الفلسطينية في تثمير الاتفاق النووي كفاحياً

إن الفكرة المتعلقة بتثمير الاتفاق فلسطينياً تحتاج إلى عدة عوامل يجب تحقيقها من أحل أن يكون هناك نوعاً من  التكامل بين النهجين الإيراني والفلسطيني وتحديداً على المستوى السياسي، لكن ذلك يتطلب ما يلي:-

– من الضروري أن يتم تجسير العلاقات العربية الإيرانية فلسطينياً على قاعدة حسن الجوار وتوجيه البوصلة باتجاه العدو المشترك «الكيان الصهيوني».

– إن عدم الانخراط في أية محاور تعادي إيران هو مكسب للقضية الفلسطينية لأن في ذلك قوة للموقف الفلسطيني في صراعه مع العدو الصهيوني المشترك.

– إن وجود رؤية سياسية إستراتيجية فلسطينية تقوم على الاستفادة من الإمكانيات الإيرانية والدور الإيراني يعتبر نقطة مفصلية في الصراع مع الكيان الصهيوني لانتزاع واسترداد الحقوق الفلسطينية.

في واقع الحال وما آلت إليه القضية الفلسطينية من غياب وتجاهل على الصعيد الرسمي العربي يتطلب من الجانب الفلسطيني، النظر لهذا الاتفاق من الزاوية التي يمكن البناء عليها في المشروع الوطني الفلسطيني واستخلاص الدروس المستفادة لجهة فن التفاوض وتطويع الواقع لصالح الهدف الاستراتيجي والنفس الطويل في عملية الصراع وإدارته بما يحقق الحقوق والمطالب الوطنية، دون التنازل عن أي ثابت من الثوابت الوطنية الفلسطينية.

* الاتفاق النووي والصراع مع المشروع الصهيوني

تتلاقى الرؤية الفلسطينية مع الرؤية الإيرانية في الصراع مع المشروع الصهيوني في بلادنا، وهذا بحد ذاته عنواناً أساسياً لتطوير العلاقة والتخندق في محور المقاومة، لأن هذا المحور يعتبر القلعة الأساسية والراسخة في المشروع الصراعي لمواجهة الإمبريالية العالمية والمشروع الصهيوني، ووفق تلك الرؤية من الطبيعي أن تتوحد الإرادات في هذا المحور من أجل دحر المشروع الهادف إلى تبديد طاقات أمتنا والاستيلاء عليها وتمزيق وحدتها واحتلال أرضها.

فالخوف والهلع الصهيوني من الاتفاق هو تعبير حقيقي وصحيح أن الواقع الذي يعيشه الكيان، وخاصة أنه كان يعتقد نفسه في سابق الأوان هو القوة الإقليمية الوحيدة في المنطقة، ليكتشف بعد ذلك وتحديداً بعد توقيع الاتفاق أن هناك قوة إقليمية صاعدة في المنطقة والعالم تنافسه وقادرة على قهره، وهي قادرة على أن تتفوق عليه في مجالات عديدة، لذلك بات اليوم يعيش حالة من القلق على وجوده كمشروع وكيان.

وفي هذا الإطار فإن ما تقدمه الثورة الإسلامية في إيران من دعم للقضية الفلسطينية، أصبح الآن أكثر تأثيراً ووزناً نظراً للدور الذي ستلعبه إيران على صعيد المنطقة، وتحديداً الرؤية الصراعية مع الكيان الصهيوني الواجب ترسيخها والالتفاف حولها، وهذا يعني بالتأكيد أن حالة التكامل ما بين الثورة الإسلامية الإيرانية، والثورة الفلسطينية هي ضرورة موضوعية من الواجب قراءتها والبناء عليها في رؤية عملانية تستمد من التجربة السابقة التي نجحت في العديد من المحطات والتي كانت بصماتها ومفاعيلها لها التأثير الإيجابي على صعيد تطور المقاومة في ميادين مختلفة.

والآن بعد الانجاز التاريخي لعقد هذا الاتفاق، فإن التصريحات السياسية على أعلى المستويات الإيرانية التي تؤكد التمسك بالثوابت السياسية لإيران الثورة اتجاه حلفاءها بالمنطقة، تضحض بشكل جوهري كل آراء المشككين باستمرار دعم المقاومة، بل أن إيران تعتبر نفسها جزءً أساسياً من هذا المحور وعلينا جميعاً أن نكون متجذرين بانتمائنا إليه.

 

 

 

 

عن علي محمد

مدير التحرير