الإثنين , 21 سبتمبر 2020
مجلة فتح
الرئيسية 10 مقالات 10 عربية 10 مفارقات المنطقة بين مشهدين (إيراني مقاوم.. وإماراتي مستسلم)
مفارقات المنطقة بين مشهدين (إيراني مقاوم.. وإماراتي مستسلم)

مفارقات المنطقة بين مشهدين (إيراني مقاوم.. وإماراتي مستسلم)

* بقلم: ياسر المصري

أمين سر لجنة المتابعة في تحالف القوى الفلسطينية

ما جرى في اليومين الأخيرين من حراك على صعيد المنطقة والعالم، مسألة تثير الأسى والفرح بآن معاً، لما يحوي من مشهدين متناقضين تماماً الأول مشهد تآمري وهو توقيع اتفاق سلام بين الإمارات العربية المتحدة والكيان الصهيوني، والثاني مشهد الولايات المتحدة الأمريكية وهي تخسر معركتها في مجلس الأمن الدولي لفرض حظر بيع الأسلحة للجمهورية الإسلامية الإيرانية.

في المشهد الأول يسقط قناع الإمارات العربية المتحدة في علاقتها مع الكيان الصهيوني القائمة منذ سنوات طويلة، ولكنها كانت تحت الطاولة وفي السر، كما هو حال العديد من الدول العربية، ولكن أمريكا قررت أنه آن الأوان لإعلان تلك العلاقة السرية، ولتصبح في العلن لأنها ستحقق مزيداً من الأصوات الانتخابية لترامب في صراعه من أجل ولاية ثانية، ومن جهة أخرى سوف تنقذ نتنياهو من أزمته الداخلية.

وفي المشهد الثاني تحقق إيران فوزاً كاسحاً على الولايات المتحدة الأمريكية حين تسقط مشروع القرار الأمريكي في مجلس الأمن الدولي المطالب بفرض حظر الأسلحة على إيران، وبالضربة القاضية، وتخرج أمريكا مهزومة ذليلة لم يساندها في التصويت سوى الدولة الهامشية الغير معروفة على الخريطة الدولية (جمهورية الدومنيكان) وامتنعت باقي الدول عن التصويت بما فيها الدول الأوروبية الحليفة للولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة، وحصل ذلك لأن إيران أدارت معركتها بشكل دقيق مستخدمة أوراق القوة التي تملكها على كل الأصعدة.

مشهدين متناقضين في منطقة واحدة، أحدهما يعبر عن الذل والهوان في الامارات العربية المتحدة التي لم تكن طرفاً في الصراع مع العدو الصهيوني، وكما يقول المثل (ما حدا دعس على ذنبها) وليست بجوار الكيان كي توقع اتفاق حسن جوار معه، فقط جاءها القرار من سيدها الأمريكي، فخضعت وخنعت ونفذت صاغرة، مع أن ذلك على حساب العروبة وما يسمى الأمن القومي العربي المشترك، وعلى حساب الشعب الفلسطيني وحقه التاريخي، وعلى حساب الإسلام ومقدساته في الأقصى وقبة الصخرة، وعلى حساب المسيحيين في كنيسة القيامة، والأنكى من كل ذلك تتكاذب على شعبها وأمتها وتقول بأن الاتفاق من أجل إيقاف مشروع الضم الصهيوني للضفة الغربية، مع أن ذلك كذباً فاضحاً نفاه سفير أمريكا في الكيان الصهيوني، كما نفاه علنياً نتنياهو في خطاب له عقب إعلان الاتفاق.

بينما إيران المحاصرة منذ أكثر من أربعين عاماً، واجهت أمريكا وصارعتها وصرعتها، وتحدت الكيان الصهيوني ودعمت المقاومة، وأعلنت بكل عزم وعقيدة بأن العدو الصهيوني غدة سرطانية يجب اجتثاثها (وليس التطبيع معها أو مهادنتها كما يفعل البعض) وساهمت بشكل كبير في تشكيل محور المقاومة الممتد من طهران إلى سورية إلى العراق واليمن وحزب الله والمقاومة الفلسطينية، وحقق هذا المحور انجازات أرعبت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، في تنامي قدرات المقاومة التي تتطور في كل يوم معتمدة على قدراتها الذاتية، وليس على حماية أمريكا أو غيرها، بل ترى في محيطها وعمقها الاسلامي مصدر قوتها لأنها جزء أساسي من نسيج المنطقة وحضارة متفاعلة مع حضارتنا منذ آلاف السنين.

ومازال البعض في أمتنا يراهن على أمريكا، لأن نظره قصير ولا يرى أبعد من أنفه، لم يرَ أمريكا وهي تخسر معاركها في كوبا وفنزويلا وإيران وكوريا وغيرها،ولم يرَ الكيان الصهيوني كيف انهزم في معاركه ضد المقاومة الفلسطينية في غزة، ولم يرَ صواريخ المقاومة وهي تسقط على تل أبيب وتجبر نتنياهو على الاختباء في الملاجئ، ولم يرَ صمود حزب الله وتحرير الجنوب، ولم يرَ المقاتل اليمني الذي هزم السعودية وحلفائها في معركة غير متكافئة، ولم يرَ سورية التي صمدت أكثر من تسعة أعوام في وجه أكبر مؤامرة كونية ولم تركع أو تستسلم.

العالم يتغير، وموازين القوى تتبدل، والقطبية الأحادية لم تعد أحادية، وأسطورة الكيان الصهيوني سقطت، والمشروع الأمريكي في العالم دخل في مرحلة الاستعصاء، والمشروع الصهيوني لم يعد قادراً على التوسع… ويبقى التغيير في المنطقة مرهوناً بإرادة أبنائها الشرفاء الأحرار، وتحرير فلسطين مرهوناً بعزيمة شعبها التي لا تلين ولا تعرف الانكسار.

عن علي محمد

مدير التحرير