الثلاثاء , 20 أكتوبر 2020
مجلة فتح
الرئيسية 10 مقالات 10 عربية 10 فقط في ثورتنا!!
فقط في ثورتنا!!

فقط في ثورتنا!!

بقلم: ياسر المصري

     مسؤول الإعلام والدراسات الفلسطينية

فقط في ثورتنا يحتار المرء في واقعها الذي آلت إليه، حيث يمكنك أن ترى الشيء ونقيضه في ذات الوقت، ويمكنك أيضاً أن تسمع مفردات ومصطلحات متناقضة، لا تمت لبعضها بصلة، مثل المقاومة والكفاح المسلح والثورة والصراع بالمقابل تسمع المفاوضات والسلام والتعايش والتنسيق، وكل ذلك التناقض موجود في الخطاب السياسي الفلسطيني تحت قبة العمل المشترك وعلينا أن نقبله بكل تناقضاته بذريعة الوحدة الوطنية.

فقط في ثورتنا نخالف المعادلات الكيميائية ويختلط لدينا الزيت بالماء، ونخالف قوانين الفيزياء في السالب والموجب، ونحور نظريات الرياضيات الهندسية في الخطين المستقيمين الذين لا يلتقيان مهما امتدا، ونقبل بتزوير التاريخ على حساب حقنا التاريخي بحجة الواقع الموضوعي، ونفلسف السياسة حسب مزاج الآخرين ومصالحهم لأننا محكومون لهم وليس لنا في الأمر حيلة.

فقط في ثورتنا تضيع الفواصل والحواجز بين الأبيض والأسود، وبين الحق والباطل، وبين الخطأ والصواب، بحجة الواقعية السياسية وموازين القوى، والقانون الدولي، والرأي العام، ونصبح أسرى لمصطلحات لم تقدم لنا سوى الجعجة على امتداد أكثر من سبعين عاماً، وتصبح مقولات التفاوض والتصالح والاعتراف وجهات نظر، وتلعب بنا رياح المتغيرات كالقشة التي لا وزن لها في ميزان العواصف.

فقط في ثورتنا يصبح المقاوم «إرهابياً» بحجة قانون الدولة الوطني!! ويصبح السمسار وطنياً في حساب المصالح الوطنية العليا، ويلعب الوكيل دور الشرطي عن الأصيل للحفاظ على القانون، وتصبح سكين المطبخ سلاحاً إرهابياً يعاقب عليه القانون، والكلمة التي تدعو للمقاومة واسترجاع الحق هي تحريض على الإرهاب.

فقط في ثورتنا يُغَيب العقل في معرفة حقيقة العدو، ويُقنع البعض نفسه بأن أعدائنا  محبين للسلام وأنهم أبناء عمومتنا، وعلينا أن نجنح للسلم معهم، متناسين تاريخهم المليء بالمجازر والقتل والدمار، ويأتيك بعد ذلك من يقول هم جيراننا وهم أصدقاؤنا، ويذهب البعض إلى حد تقبيلهم واحتضانهم وشرب الأنخاب معهم والافتخار بجواز سفرهم وبطاقة الـ VIP  التي يتسولونها لخدمة مصالحهم الشخصية.

فقد في ي ثورتنا تنازل البعض عن حقنا الشرعي والثابت، من أجل إرضاء عدونا، ومن أجل أن يقبلهم شركاء، أو بالأصح أجراء عنده، فيقدموا له الأرض والتاريخ مجاناً، أو مقابل وهم بدولتين على حساب شعبنا وحقه وعرقه ودمائه، ويضحكون على أنفسهم بدولة مسلوبة القرار والإرادة ويقولون دولة، فعلى من يضحكون بشعاراتهم المزيفة، والحقيقة تقول بأنهم لم يعرفوا يوماً معنى السيادة.

فقط في ثورتنا تضيع حقوق الشعب في سوق البازارات البائسة وتقدم صكوك التنازل كي يعتمدون في «المسرية السلمية»، فيقدم حق العودة على طبق من فضة بحجة تفهم الواقع الديمغرافي الصهيوني الذي لا يسمح لشعبنا بالعودة، ونقبل قسمة القدس بحجة تسامحنا الديني المشهود لنا به!! ونكسر بنادقنا كي لا يقال بأننا إرهابيين كي تقبلنا الرباعية والخماسية والمجتمع الدولي، ونمزق ميثاقنا الوطني كي يعترف عدونا بنا ونكون من الأمنيين.

فقط في ثورتنا يعيش الشعب في واد والمدَّعون في قيادته بوادٍ آخر، لأن الشعب فقط يعرف مصالحه ولا يريد وصاية من أحد، فلقد بلغ سن الرشد منذ زمن طويل وأصبح قادر على تعليم الكثيرين مفاهيم الحق والنضال والمقاومة، فالشعب الذي ناضل وقاوم على امتداد قرن من الزمن تعلم الكثير في تجربته، وهو اليوم قادر على خط طريقه بعيداً عن النظريات والمعادلات التي أرادها البعض من أجل مصالحه وليس من أجل مصالح الوطن، مردداً الحكمة القائلة (ليس هناك أناس يتغيرون، بل هناك أقنعة تسقط!!!).

عن علي محمد

مدير التحرير