الجمعة , 14 أغسطس 2020
مجلة فتح
الرئيسية 10 شؤون عربية 10 الصراع بين القاهرة وأنقرة .. الأمن القومي المصري في خطر
الصراع بين القاهرة وأنقرة .. الأمن القومي المصري في خطر

الصراع بين القاهرة وأنقرة .. الأمن القومي المصري في خطر

( مجلة فتح-العدد 734 )

بعد أن اعلن الرئيس المصري خلال زيارته التفقدية لمنطقة عسكرية غربي البلاد ان مدينتي سرت وجفرا في ليبيا تعدان بمثابة خط أحمر لمصر، أعلنت تركيا دعمها لموقف حكومة الوفاق الوطنية، القاضي بضرورة عودة الطرفين المتنازعين في ليبيا ، الى حدود عام 2015 ، والتي تستلزم انسحاب قوات خليفة حفتر من مدينتي سرت وجفرا ، وقد اشترطت هذا الامر لقبول وقف إطلاق النار في ليبيا ، وبناءً على ذلك ، فاننا نشهد موجة جديدة من الصراعات المتزايدة والمنافسة على الملف الليبي، مع التركيز على السيطرة على مدينة سرت، وعلى هذا الأساس يأتي السؤال التالي: ما هي أهمية مدينة سرت وما هو سبب تحولها إلى مركز منافسة للجهات المتنازعة  على القضية الليبية؟

الجغرافيا السياسية لسرت وأهميتها

تقع مدينة سرت الساحلية في شمال ليبيا بين مدينتي طرابلس وطبرق عاصمة حكومة الأطراف المتنازعة في ليبيا، وتعدّ مدينة سرت الواقعة على بعد 450 كم من شرق مدينة طرابلس مهمة لعدة أسباب:

1. الموقع الجغرافي المركزي لسرت ؛ يسمح هذا الموقع المتميز لكل من أطراف النزاع ، اجراء عمليات عسكرية في شرق وغرب ليبيا في حال سيطروا على المدينة ، ومن ناحية أخرى ، فان الموقع الجغرافي لهذه المدينة يتيح للمتصرف عليها الحفاظ على هيمنته على المدن الجنوبية الشرقية لليبيا أو سيجعل من الممكن التسلل إليها بسهولة.

2 – ضاعف غنى مدينة سرت بالنفط وقربها من المنطقة الليبية الغنية بالنفط المعروفة باسم الهلال النفطي ، والتي تتكون من أربعة موانئ ، السدرة ورأس لانوف والبريقة والزيتونية ، لدرجة أن مدينة سرت تعرف أيضًا باسم بوابة منطقة الهلال النفطي ، من أهمية هذه المدينة الساحلية ، ومن ناحية أخرى ، فإن السيطرة على هذه المدينة تجعل من الممكن السيطرة على حقول النفط الجنوبية الشرقية بكل يسر وسهولة ، لذلك ، من الواضح أن كل طرف في النزاع لديه الفرصة للسيطرة على هذه المدينة ، وبينما يتمتع بالدعم الاقتصادي ، سيحصل أيضًا على امتيازات سياسية مهمة.

3. إن قرب مدينة سرت من القواعد العسكرية المهمة ، وخاصة قاعدة الجفرة العسكرية الواقعة جنوب سرت ، يكشف عن جزء آخر من الأهمية الاستراتيجية لمدينة سرت.

لذلك ، تتمتع مدينة سرت بموقع استراتيجي ، والسيطرة على هذه المدينة سيرافقها كسب العديد من المزايا السياسية والعسكرية والاقتصادية.

نزاع مصر وتركيا على مدينة سرت

نظراً للأهمية الاستراتيجية لمدينة سرت ، أعلنت مصر في موقفها الأخير من القضية الليبية أنها مستعدة للتدخل العسكري في ليبيا ، وفي هذا الصدد وصفت مدينتي سرت وجفرا بأنهما خط أحمر لمصر ، بينما طالبت تركيا انسحاب قوات حفتر من هاتين المدينتين.

في الواقع ، تسعى مصر من خلال حفظ أنصار حفتر لسيطرتهم على مدينة سرت بالإضافة الى الحفاظ على الدعم الاقتصادي للمعارك القادمة في ليبيا ، الى ضمان كسب الامتيازات السياسية من اجل محور دعم حفتر ، وان يكون لها اليد العليا في أي مفاوضات مستقبلية قد تجرى بشأن مستقبل ليبيا ؛ على وجه الخصوص ، قضية النفط الليبي والتي تعتبر مهمة لمعظم الجهات الفاعلة المشاركة في القضية ، وخاصة الجهات الأوروبية ، وبالتالي تحاول مصر من خلال حفاظ هيمنة قوات حفتر على المدينة (باعتبارها واحدة من أهم المناطق الغنية بالنفط في ليبيا) وقاعدة جفرا العسكرية التي تملك أهمية استراتيجية في ضمان أمن سرت ، لزيادة قوة المساومة السياسية لحكومة طبرق في المستقبل.

ومن ناحية أخرى ، بالنظر إلى الهزائم الأخيرة لقوات خليفة حفتر في المعركة مع قوات حكومة الوفاق ، والتي أدت إلى تقدم قوات فايز سراج على بعد 120 كم من مدينة سرت ، تنوي مصر وقف تقدم قوات الوفاق عن طريق التهديد بالتدخل العسكري ، والحفاظ على موقع المدينة الاستراتيجي من اجل العمليات العسكرية المستقبلية المحتملة في الغرب لقوات حفتر ، من خلال عرض قوتها في الملف الليبي.

ومن جهة أخرى ، تحاول تركيا الحصول على أكبر عدد ممكن من الامتيازات قبل وقف إطلاق النار المحتمل في ليبيا ، حيث شهدنا في الأسابيع الأخيرة الانتصارات النسبية التي حققها فائز سراج في ساحات القتال ضد القوات التابعة لخليفة حفتر ، الامر الذي أدى الى اقتراح مصر لوقف إطلاق النار ، حيث ان تركيا تبذل قصارى جهدها لكسب نقاط امتياز من الجانب الآخر بالاعتماد على الانتصارات الميدانية لسراج ، وفي الواقع ، تستند حسابات تركيا إلى حقيقة أن الجبهة المقابلة بحاجة ماسة إلى وقف لإطلاق النار ، وقد تكون هذه فرصة جيدة لأنقرة لتحقيق أقصى استفادة منها ، كما تسعى أنقرة الى إخراج المدينة الاستراتيجية من سيطرة قوات حفتر بناءً على هذه الحسابات.

ومع ذلك ، فإن تهديد مصر بالتدخل العسكري في ليبيا وإعلان عبد الفتاح السيسي بأن مدينتي الجفرة وسرت هما خط أحمر لمصر ، قد يغير حسابات أنقرة ، وفي الواقع لن تتراجع أنقرة عن موقفها ، طالما تعتبر ان الجهة المقابلة بحاجة إلى وقف إطلاق النار وان لا تأخذ التهديد المصري على محمل الجد.

وبشكل عام ، يمكن القول ان مدينة سرت تتمتع بموقع استراتيجي مهم في ليبيا ، وسيؤدي هيمنة أي من الجانبين المتنازعين على المدينة إلى كسب امتيازات اقتصادية وسياسية وعسكرية كبيرة ، لذلك تسعى كل من مصر وتركيا للسيطرة على هذه المدينة الاستراتيجية والتي بلا شك سيكون لها دور حاسم في مستقبل القضية الليبية.

لقد أصبحت إمكانية الاشتعال العسكري بين تركيا ومصر على الأراضي الليبية ملموسة. وقد حصل هذا في أعقاب نجاح قوات السلطة المدعومة من تركيا في الوصول إلى مداخل المدينتين الاستراتيجيتين سرت والجفرة، وإلحاق الهزيمة بقوات الجنرال حفتر المدعوم من مصر والسعودية والامارات. لقد هدد السيسي بالتدخل العسكري إذا ما اجتازت تركيا خط هاتين المدينتين. ومن شأن الضغينة الشخصية بين السيسي وأردوغان أن تسرع المواجهة. فالسيسي يعارض كل نفوذ تركي في الشرق الأوسط. فقرب أردوغان من حماس، وتأييده لإسقاط سورية والتدخل العسكري في ليبيا، جسدت للسيسي كم هو أردوغان قريب من التفوق في المنطقة.

 لقد شكلت ليبيا منذ البداية مصلحة مصرية مهمة لأمنها القومي ينبغي الحفاظ عليه بعناية. والاتفاق الذي وقعته تركيا في تشرين الثاني الأخير مع الحكم المركزي في طرابلس يوسع مياهها الإقليمية على حساب مصر واليونان وقبرص. وهذا بالنسبة للسيسي تجاوز للخطوط. ومن أجل الحفاظ على مصالحه، يساعد السيسي حفتر بهدف تحرير طرابلس العاصمة وتوحيد ليبيا. ولكن تركيا الداعمة للسراج، رئيس حكومة الوفاق الوطني في ليبيا، تقف أمامه.

عن علي محمد

مدير التحرير