الجمعة , 14 أغسطس 2020
مجلة فتح
الرئيسية 10 ثقافة وفنون 10 شجون فلسطينية عبد الرحيم محمود.. الشاعر الشهيد
شجون فلسطينية عبد الرحيم محمود.. الشاعر الشهيد

شجون فلسطينية عبد الرحيم محمود.. الشاعر الشهيد

أحمد علي هلال

( مجلة فتح-العدد 734 )

في الأزمنة المختلفة، تستعيد الذاكرة الثقافية رموزاً وأسماء، شكلت انعطافاً في مسيرة الإبداع المقاوم وجهرت بعلامات ليست تُنسى أو يزول أثرها، فأثرها بما تبقى لنا سيأخذنا إلى مدرسة كفاحية  أرسى دعائمها أفذاذ من أجيال فلسطينية تعاقبت في صيرورات الصراع العربي الصهيوني ومعها أُشتقت اصطلاحات واكبت حيواتهم النضالية ومآثرهم التي ظلت للأجيال الجديدة نشيداً وخفق سارية وافتتاحيات لكل الصباحات الفلسطينية المختلفة.

 عبد الرحيم محمود أحد هؤلاء الأفذاذ بل في طليعتهم أيضاً حينما تماهى الفدائي فيه بالشاعر ليجهر بأمثولة المثقف المشتبك والتي تواترت تجلياتها وإرهاصاتها في فضاء الفعل المقاوم، ومن صدح يوماً «سأحمل روحي على راحتي وألقي بها في مهاوي الردى/ فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدا»، كان يؤسس صرح ذاكرة مقاومة، لكنها وثيقة الصلة بثقافة المقاومة وفكرها الطليق الذي حملته أجيال المبدعين الشهداء وغسان كنفاني ليس آخرهم، أولئك الذين مزجوا الكلمة بالفعل وأصبح دمهم الطريق، شاهداً وشهيداً وليس ذلك فحسب، لكنها البدايات المؤَسَسَة والمؤسِسة من حملت طلقة الوعي في الأزمنة الفلسطينية والعربية، وثقافة الاستشهاد برمزية الثقافة ومحمولها الفكري أضحت نهجاً، عضّد كل الطرق الذاهبة إلى فلسطين قمر الحكاية في أسفارنا اليومية/ المستقبلية.

 ما معنى الاستعادة هنا بوصفها استحضار لتاريخ فاعل لم يمضِ تماماً بل أبقى الكثير من لوازمه أي: تأثيث الوعي والجدارة وقوة الفكرة لعل ذلك يعني خصوصية شاعر إذا أردنا تأمل منجزه الإبداعي، لكن الدلالة هنا هي أبعد بكثير من خصوصية إبداع جاور التاريخ واستنهضه وكان عين صاحبه على الحدث اليومي المفتوح على حقول النار والاشتباك وحبات الفشك، التي كان ميزانها نبض القلوب وعرق الجباه، وكان قلب صاحبه أيضاً على الأرض التي نبت وردها مضرجاً بالشوك، وظل عطرها يوزع على الثوار زهوه ليحملوه كلون دمائهم التي توزعت على الأرض لتورق سنابلها.

عبد الرحيم محمود الشاعر الشهيد، والأب الروحي لمن امتشقوا دربه الطويل بفقه الجسارة ووعي المرحلة، كان يدرك آنذاك أن الدرب صعب وشائك، ويقتضي من الثوار التعالي على الجراح وأن تجمعهم كلمة سواء، وكل ذلك استحقاق ليُعاد رسم خريطة المقاومة، كلمة ورصاصة، موقفاً ورؤيا، تظاهرة وحجراً… تلك المفردات التي أورقت في السفر الفلسطيني ثقافة اشتباك، كان التاريخ يطرزها وشماً ستحمله الأجيال القادمة وعياً بالضرورة، وسعياً ممكناً بإنجاز النصر، فالعدو المسكون بأوهامه وخرافاته وأساطيره هو صورة مشروع مديد لا يستهدف الأرض وحدها، بل يستهدف الروح والتاريخ والكينونة، يستهدف الإرث التاريخي ومسقط الأرواح وهويتها، ومقارعته في حلقات الاشتباك المديد جولة إثر جولة، هي ما يعني أن يستمر الفلسطيني منتصراً لتاريخه ومحمولاً على زخم إرثه الكفاحي، ليظل مكانه تحت الشمس أبداً.

نستعيد تلك الذاكرة لمن ظلوا بُناة أرواحنا عبر كلمة بوصفها فضاء مقاوم، كلمة تشبههم ليصيروا فعلها، استشهاديين لتورق أرواحهم في الزمن العصيب ملهمة –التاريخ ذاته- بأن يعيد نسج الحكاية في العقول والأفئدة والسطور، مدونة فلسطينية تحمل كل أسمائهم أولئك المشتبكين كلمة وأسلوب حياة، لا ثمن للكلمة حينما يكون الفعل كل صيرورة أرواحهم ليصعد نهار جديد، فمن عبد الرحيم محمود إلى كمال ناصر وناجي العلي وماجد أبو شرار وغسان كنفاني إلى باسل الأعرج والقافلة مفتوحة بما يكفي، ظلت ثقافة الاشتباك هي نهج الفلسطيني وفقه أيامه الأخرى، والتي لا تسقط من الذاكرة لا بالتقادم ولا بالنسيان، ظل الدرس الآن هنا.. الآن هناك، أن ثمة قضية عادلة تحتاج مدافعين أشداء يستمرون بها لتنهض فلسطين وتقوم حقاً تقوم.

عن علي محمد

مدير التحرير