الجمعة , 14 أغسطس 2020
مجلة فتح
الرئيسية 10 ثقافة وفنون 10 غسان كنفاني: مازلنا نقرع جدار الخزّان…
غسان كنفاني: مازلنا نقرع جدار الخزّان…

غسان كنفاني: مازلنا نقرع جدار الخزّان…

أحمد علي هلال

( مجلة فتح-العدد 734 )

كان الدرس الذي سيعطيه «المعلم» لتلاميذه، هو أن يرسموا تفاحة أو موزة… ولكن، ماذا تعني التفاحة أو الموزة، لصبية لم يسبق لهم أن شاهدوهما!

وكان على «المعلم» غسان كنفاني، إبان ممارسته التعليم، في حياة مهنية له، في أحد مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في دمشق، أن ينحاز لما رآه، وسيرتبط بتحوله وانعطافته البليغة، وبثقة العارف الرائي، أمر بمحو الرسوم، وطلب من الأطفال أن يرسموا: المخيّم.

ومن دروب المخيم وناسه، وجراح الشوك والملح، والأغاني الجارحة، وإكليل شوك اللجوء، ومن المدى الشاسع والضّيق في آن، ومن حقول الجوع وجموح الأماني، ومن رعشة المأساة وندوبها في الأرواح، وانكسار المرايا في ازدحام التيه، وأسفار الأعمار القصيرة، من الخروج الملحمي، قسراً عن الأرض، من نزف سنبلة، ما عادت ترى القمر إلا شاحباً كوجه رغيف لا يبلّل شفاه جائع، ومن ضريبة عشق فادحة لمن لم يخسروا وطناً نهائياً.

كان قرار غسان كنفاني الحاسم: الذهاب إلى القضية ذاتها، وبذاتها، ليبدع الرسم بالكلمات والأفكار والرؤى، ليكون عن قصدٍ خطّ دفاع ذكي عنها، ليكتب عن فلسطين التي رآها أجمل أقمار المخيم، عن أطفالها الواقفون في باب النهار، ويذهب لأكوانه الإبداعية وليكتب قصته الأولى «شمس جديدة» حول طفل من غزة، وهو من رأى في فلسطين رمزاً إنسانياً متكاملاً، لنجدها-فلسطين-باتت تمّثل العالم في روائعه التي عكست مع اضطراد الوعي والتجربة، وحضور ثقافة جذرية، تطور أساليبه الكتابية وتحديداً في مطلع الستينيات، لتتعالق بأبعادٍ أخاذةٍ في رسوماته الماتعة، حيث صهيلُ المأساة، وحبر الدم، وبعث التراث من موروث عربي خالص «لوحة عنترة» أي استدعاء البطولة، وعياً يفرضُ تجانس اللون والموضوع، لطالما أرقتّه «العجوز المتكئ على راحة يده» ليصير صيغته في بناء أكوان الإبداع، ويلتقط ناسه من وراء الحكايات، يأخذ بيد «إم سعد» في قرى فلسطين ومدنها، أصبح اللون حرفاً، لا مسافة عاطفية فحسب ما بينه وبين شخصياته التي جاءته من الواقع ذاته، ولا حاجة-هنا- للخيال المترف الذي محى تفاحة وموزة، لا حاجة للبحث عنهما آنذاك!

كتب عن الموت الكاشف عن الحياة، «عن الرجال والبنادق، والعاشق وبرقوق نيسان، ومن قتل ليلى الحائك، وموت السرير رقم 12، وأرض البرتقال الحزين، ورجال في الشمس، عالم ليس لنا، ما تبقى لكم»، ولعله كتب عن الإنسان الفلسطيني الجديد في المخيم الجديد، وشعور المنفي المغترب الذي لا يكف عن التطلع إلى الأمام، ولم يكتفِ غسان، وهو يمتع من عوالمه، ليذهب مسرحياً إلى «الباب، والقبعة والنبي»، تلك صيرورة عكستها مقالاته الثرية في «الهدف» التي أسّسها، انطلاقاW من رؤيته للحقيقة، فكان السياسي والأديب  والفدائي، باعث ثورة ثقافية، مكوناتها ذوبان المثقف العضوي «الغرامشي» في المقاتل، والمقاتل في الجماهير، يقول غسان: «نتعلّم من الجماهير ونعلّمها».

والمعلم في أدواره الجديدة، وفي صفاء رؤياه، أصبحت القضية جزءاً لا ينفصم عن الخبز والماء وأكف الكدح، ونبض القلب، ليس بكثرة المدافعين، بل ببقاءها، جذوة لا تنطفئ، يلقّمها الشهيد ويعبر إلى مداه الأخضر.

قال غسان كلمته ومشى، بعد أن ألقى على سبات الدم حجارة الضوء النبيلة، حتى يكّف ترويع العصافير الجياع، ويومئ للبراكين لتحفز الحقول، ليطلع نهار وتظله شمسه الجديدة تقرع للأبد جدار خزانّنا الفلسطيني، وهو يشعل قلبه يوم 8 تموز 1972، في بيروت، وقلب لميس فراشة الضوء، مازال وعد طفولة مازال يسري في أوصال المخيم، صهيلاً لفاكهة منتظرة، ما حدث أن كتب غسان ملحمته الكبرى، نشيداً للتراب، ودمه باب النهار، ما حدث أن الحكايات خرجت «مشكاة وزيتاً»، ليحار الموت من أي نافذة يجيء.

غسان بقلم غسان:

ومقابسة مع غسان كنفاني «في برقوق نيسان»، فإن لسان حالنا يقول: «عندما جاء تموز، أخذت الأرض تتضرج بزهر البرقوق الأحمر، وكأنها بدن رجل شاسع مثقب بالرصاص، كان الحزن، وكان الفرح المختبئ فيه مثلما تكون الولادة ويكون الألم».

غسان كنفاني، يبدو الآن بعيداً كأنه لم يكن طوال العمر إلا واحداً من هذه الأحلام العظيمة التي تظل مع المرء وكأنها جزء منه، وترافقه إلى الفناء، دون أن توجد حقاً، ومع ذلك فإنها قادرة على ن تكون مثل حقيقة ما، يفتقدها المرء من حين إلى آخر، ويشعر في لحظة أو أخرى ملمسها، وكأنها فرّت للتو من بين راحتيه.

عن علي محمد

مدير التحرير