الجمعة , 14 أغسطس 2020
مجلة فتح
الرئيسية 10 شؤون فلسطينية 10 استيطان 10 المشهد الفلسطيني: خطة الضم مشروع استيطاني يتماهى مع العقيدة الصهيونية
المشهد الفلسطيني: خطة الضم  مشروع استيطاني يتماهى مع العقيدة الصهيونية

المشهد الفلسطيني: خطة الضم مشروع استيطاني يتماهى مع العقيدة الصهيونية

بقلم: ياسر المصري

           مسؤول الإعلام والدراسات الفلسطينية

( مجلة فتح-العدد 734 )

فكرة الضم الصهيونية للأراضي الفلسطينية، عمرها من عمر الاحتلال الصهيوني عام 1948، لأن العقيدة الصهيونية تقوم على الاحتلال الاستيطاني والتوسع على حساب فلسطين والأمة العربية، بعد أن أُلبست لباساً أيديولوجياً حسب السردية اليهودية القائمة على فكرة أرض الميعاد في يهودا والسامرة وهي الأرض الممتدة من جنوب القدس وجبال الخليل وبيت لحم ورام الله أي الضفة الغربية، أي أن الاحتلال الصهيوني لن يوفر بقعة من الأرض الفلسطينية إلا وسوف يضمها كما ضم الجولان العربي السوري وسابقاً جنوب لبنان وجزءاً من سيناء في مصر والأغوار في الأردن.

وقبل الشروع في الحديث حول خطة نتنياهو للضم لابد من توضيح طبيعة مايسمى الاحتلال الصهيوني بعيداً عن الأكذوبة التلموديةـ، لأن الاحتلال لم يبدأ في يهودا والسامرة بل بدأ في حيفا ويافا وعكا وصفد أي المدن البعيدة عن تلك الأكذوبة في عام 1948، من جانب آخر فإن احتلال فلسطين هي فكرة استعمارية ليس فقط لفلسطين بل لكل الوطن العربي، البداية فقط هي فلسطين والهدف أمتنا العربية، لأن الذهنية الصهيونية تقوم على العنصرية والتوسع والإجلاء والإحلال، وهذا هو توصيف طبيعة الحركة الصهيونية، ومن المفترض التعامل مع تلك الحركة من خلال ذلك التوصيف وليس في إسقاط أوهام ليس لها علاقة بالحقيقة التي تكمن في ذلك المشروع.

وهنا نأتي إلى مشروع نتنياهو الجديد القديم الذي استلهمها من بروتوكولات حكماء صهيون ومن بن غوريون وغيرهم الذين عملوا جاهدين على توسيع رقعة الاحتلال الصهيوني منذ أمد بعيد، ولكن نتنياهو يرى بأن الفرصة اليوم مؤاتية أكثر من أي فترة سابقة لسببين رئيسيين أولهما الوضع العربي المتهالك والمنشغل في أزماته الذاتية، والثاني الإدارة الأمريكية برئاسة ترامب التي تدعم الكيان الصهيوني بلا حدود، لذلك فإن نتنياهو الذي أعلن برنامجه الانتخابي المبني على ضم الضفة الغربية يريد تنفيذه مستفيداً من المرحلة الأولى في رئاسة الحكومة الصهيونية التي يتولاها من أجل تقديم نفسه على أنه الزعيم الذي يحقق ما يعجز عنه الآخرين.

إن عملية الضم الصهيونية التي تطال ما نسبته 40% من أراضي الضفة الغربية إضافة إلى غور الأردن الذي يعتبر السلة الغذائية وخزان المياه الأساسي، ستكون ضربة قاسمة لكل من كان يفكر بإقامة ما يسمى دولة فلسطينية، حيث تتضمن الخطة ضم جميع المستوطنات في القدس بما يعرف بالمنطقة E1،ـ وضم الأغوار الفلسطينية والتي تتوفر بها مساحات زراعية خصبة، وكذلك قرى ومناطق سكنية، والأهم بأن الأغوار هي النافذة الوحيدة مع الأردن، كذلك سوف تضم المناطق المعروفة باسم (المنطقة ج) حسب اتفاق أوسلو التي يمتلك الكيان السيادة العسكرية والمدنية  الكاملة.

وبغض النظر عن التفاصيل الصهيونية في الخطة، فإن الكيان الصهيوني يتعامل مع الأرض الفلسطينية على أنها ملكه التاريخي، والمشكلة هي فقط في السكان الذين يقطنونها، وهذه إحدى المعضلات لتنفيذ تلك الخطة حيث يسكن الأغوار ما يقارب 65.000 فلسطيني على مساحة تقدر 1.6 مليون دونم وعلى طول 120 كم مربع وعرض 150 كم مربع، بينما عدد السكان في الضفة الغربية ما يقارب المليونين ونصف فلسطيني وتشكل مساحة 21% من أرض فلسطين وتقدر بـ 5.860 كم مربع وتشمل جغرافيا جبال نابلس وجبال القدس وجبال الخليل وغربي غور الأردن.

إن خطة الضم الصهيونية الذي يطمح نتنياهو لتنفيذها، والتي كان من المفترض تنفيذها اعتباراً من الأول من تموز لهذا العام، قد تأجل تطبيقها لأجل غير مسمى لاعتبارات صهيونية داخلية وخارجية إقليمية ودولية، حيث أن التجاذبات السياسية في الكيان قد تفاقمت حول خطورة مثل تلك الخطوة والتي اعتبرتها الأجهزة الأمنية خطوة غير محمودة العواقب والتي قد تؤدي إلى انفجار فلسطين على شكل انتفاضة شعبية ثالثة، وهذا الرأي يتبناه العديد من الساسة في الكيان الصهيوني ومنهم غلنتس ذاته وفريقه الحكومي في مواجهة نتنياهو.

إضافة إلى مواقف عديد من الدول الأوروبية التي  رفضت تلك الخطة وحتى البعض الأمريكي في الكونغرس أيضاً، وهذا ما أعلنه البعض في بيانات وتصريحات مختلفة، طبعاً وهناك بعض التلميحات العربية التي ترى في تلك الخطوة إحراجاً لها وخاصة أنها تسير في ركب التطبيع مع الاحتلال.

ذاك أدى إلى إعادة التفكير بخطط أخرى تخفف من انزعاج وغضب الآخرين، وهذا ما يتم البحث به حالياً بين الكيان الصهيوني وإدارة ترامب، من خلال المعلومات المسربة حول التمرحل في عملية الضم بأن تبدأ في المستوطنات الصهيونية الكبرى  مثل معاليه أدوميم وغوش عيتسيون في إطار تبادل أراضي مع ما يسمى السلطة الفلسطينية وتأجيل الخطوات الأخرى لمرحلة قادمة.

إن تلك الخطوة في عملية الضم لن تضيف الكثير بالنسبة لنا عن الاحتلال وطبيعة لأننا نعتبر فلسطين كلها تحت الاحتلال، وهذا هو واقع الحال، لكن الصفعة موجهة لأولئك الذين راهنوا على التعايش مع الكيان الصهيوني، وقدموا التنازلات مقابل أوهام، وها هم اليوم بعد مسار طويل امتد لما يقارب السبعة والعشرون عاماً لم يحصدوا سوى الريح، ويتباكون على فلسطين التي فرطوا بـ 87% منها بشكل شرعي حسب وثيقة الاعتراف المتبادل، واعتقلوا المناضلين ونكلوا بالمعتقلين حسب ما يسمى التنسيق الأمني المقدس.

وبرغم ذلك نقول المفترض أن تلك الخطوة تشكل صحوة لأولئك من أجل إعادة حساباتهم الوطنية والعودة إلى صفوف الشعب الفلسطيني بعيداً عن أحلام السلطة من أجل إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني على قاعدة الثوابت والمبادئ التي ضحى شعبنا الفلسطيني من أجلها.

عن علي محمد

مدير التحرير